قال تقرير أعده كل من ستيفن كوك وعمرو لهيطة إنّ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلق أزمة لنفسه من حيث لم يحتسب بعد تنازله عن جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية، وهما الجزيرتان اللتان لم يسمع بهما معظم المصريين، بحسب الكاتبين.

وأوضح التقرير – الذي نشره موقع Salon – أنّ الحكومة المصرية ومؤيديها احتفلوا يوم 3 يوليو (تموز) بالذكرى الرابعة للانقلاب العسكري الذي أداره الجنرال السيسي، وأطاح عبره بالرئيس محمد مرسي – عضو جماعة الإخوان المسلمين – مستغلًا سخطًا شعبيًا ضد حكم الإسلاميين. وقد ارتفعت شعبية السيسي بشدة بعد الانقلاب، حيث نظرت له مختلف القطاعات الشعبية على أنه بطل حمى الهوية القومية المصرية.

بدأت الأزمة في أبريل (نيسان) من عام 2014، حين وقع السيسي والعاهل السعودي اتفاقية جديدة لترسيم الحدود البحرية بين البلدين عند خليج العقبة ومضيق تيران، وجرى بموجبها نقل السيادة على الجزيرتين من مصر إلى السعودية.

أما اليوم – يشير التقرير – وبعد أكثر من ثلاث سنوات من توليه منصب الرئاسة، يجد السيسي نفسه في موقف صعب أمام الرأي العام. فقد أظهرت استطلاعات للرأي أجرتها مؤسسات مقربة من الحكومة تدنيًا في شعبيته. تميزت رئاسة السيسي حتى الآن بعمليات الاعتقال الواسعة، وتعذيب المعارضين، وقتل مروع للأقباط، وإخفاقات أمنية أدت إلى إزهاق أرواح مدنيين وعسكريين على حد سواء، ناهيك عن تدهور حاد في الوضع الاقتصادي. ويرى الكاتبان أن كل هذا قد جلب انتقادات حادة على نظام السيسي، بيد أنّ القمع الشديد الذي تمارسه الحكومة أطفأ نيران أي غضب شعبي محتمل.

وعلى الرغم من أنّ قطاعًا معتبرًا من المصريين ما زال متمسكًا بتأييده للسيسي، إلا أنّ تنازل الأخير عن الجزيرتين للسعودية وحّد كافة أطياف الشعب المصري؛ فالأرض بالنسبة إليهم مسألة كرامة وشرف، بحسب التقرير. بدأت الأزمة في أبريل (نيسان) من عام 2014، حين وقع السيسي والعاهل السعودي اتفاقية جديدة لترسيم الحدود البحرية بين البلدين عند خليج العقبة ومضيق تيران، وجرى بموجبها نقل السيادة على الجزيرتين من مصر إلى السعودية.

اشتعلت الاحتجاجات في مصر إثر ذلك، وردَّتْ الحكومة بشن حملة اعتقالات. لكن ذلك لم يردع الناس – كما يؤكد التقرير – فعلى مدى الشهور الــ14 التالية، تواصلت الاحتجاجات من كافة طوائف الشعب على الاتفاقية، التي وصفوها بغير القانونية وتعتبر خيانة.

ويضيف التقرير: «أقرّ البرلمان المصري الاتفاقية المثيرة للجدل قبل أسابيع قليلة، ولم يتأخر السيسي في التصديق عليها. ولم يكن بيد النواب المعارضين حيلة سوى تسجيل احتجاجهم لفظيًا على الاتفاقية. وازداد الغضب الشعبي للغاية، مما حدا برواد مواقع التواصل الاجتماعي إلى كيل اتهامات بالخيانة العظمى إلى النظام المصري». ويستدل بما كشفه استطلاع للرأي بأن 47% من المصريين يرفضون الاتفاقية، بينما لم يؤيدها سوى 11%.

اقرأ أيضًا: لعبة تيران وصنافير.. كيف خططت السعودية للانضمام إلى كامب ديفيد؟

وردًا على الاحتجاجات الشعبية – يقول معدا التقرير – أكد النظام المصري أنّ الجزيرتين لم تكونا أبدًا أراضيَ مصرية. ويبدو أن السجلات التاريخية تدعم هذه الرواية. أشارت الحكومة المصرية إلى حقيقة أنّ الجيش المصري قد احتل الجزيرتين في يناير (كانون الثاني) من عام 1950 بطلب من العاهل السعودي آنذاك، الذي شعر أنّ مصر ستدافع عنهما بشكل أفضل ضد إسرائيل.

لكن المعارضين للاتفاقية – بحسب التقرير – يستشهدون بما نقله دبلوماسيون مصريون إلى مجلس الأمن عام 1954 من أنّ اتفاقية ترسيم الحدود بين الإمبراطورية العثمانية ومصر التي وُقعت في العام 1906 قد وضعت الجزيرتين تحت السيادة المصرية. بيد أنّ الاتفاقية المشار إليها تركزت فقط على ترسيم الحدود البرية. لكن ترسيم الحدود البحرية في خليج العقبة لم يخضع للنقاش؛ إذ لم يمثل الخليج أهمية تجارية أو عسكرية للعثمانيين أو المصريين أو البريطانيين حينئذٍ. ويضيف: «يزعم السعوديون أنّ حكومة المملكة أرسلت خطابًا إلى الأمم المتحدة في عام 1957 يؤكد على سعودية الجزيرتين، وزعم آخرون أنّها كانت تحت سيادة قبيلة قريش، التي ينتمي إليها النبي محمد».

يقول التقرير إنّ التوتر بين نظام السيسي ومعارضي الاتفاقية يعود إلى القيم التي نشأت عليها الدولة القومية المصرية الحديثة. ففي أواخر القرن الـ19 وأوائل القرن الـ20، روج دعاة القومية والسياسيون رواية لتاريخ ومصير سكان أرض الكنانة. وبات الفلاحون رمزًا للقومية المصرية. وبعد ثورة يوليو (تموز) عام 1952، رفعت الدعاية الإعلامية الجيش إلى مرتبة مقدسة. واستغل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الأمر للسيطرة على الحياة السياسية.

وهكذا – يواصل التقرير – يمثل نقل السيادة على الجزيرتين إلى السعودية خيانة للقومية المصرية، فالأرض المصرية مقدسة وترتبط بكرامة المصريين. وبالتوقيع على الاتفاقية، يكون السيسي – الذي أكد مرارًا على أنه امتداد لعبد الناصر – قد فعل بالضبط عكس ما فعله ناصر حين قام بتأميم قناة السويس، مؤكدًا على أنّ موارد مصر للمصريين. وعندما وصل السيسي إلى الحكم، ربط شرعية انقلابه العسكري بوعود بحماية الهوية المصرية ووحدة أراضي البلاد حسب وصف الكاتبين.

اقرأ أيضًا: لمن تتبع جزيرتا «تيران» و«صنافير»؟ 5 أسئلة تشرح لك قضية الحدود البحرية بين مصر والسعودية

ويلفت التقرير إلى أنه خلال سنة حكم مرسي، زعم معارضوه أنه أهان تلك القيم باعتزامه بيع قناة السويس إلى قطر. ويضيف: «لكن انقلب السحر على الساحر، شبه معارضو الاتفاقية السيسي بعواد – شخصية شعبية – الذي باع أرضه إرضاءً لزوجته الجديدة وجلب العار على عائلته. جرى توقيع الاتفاقية خلال زيارة الملك سلمان إلى مصر، كما جرى توقيع اتفاقيات تجارية تقدر بحوالي 22 مليار دولار.».

ارتبط توقيع الاتفاقية بالأزمات القومية التي شهدتها مصر طوال تاريخها، حسب تفسير الكاتبين. لطالما ردد المصريون أنّ ناصر سليل الفراعنة في حماية مصر. وقد أثبت هذا فكرة أن الأرض رمز للكرامة القومية في الوعي الجمعي المصري. وبعد خسارة مصر جزءًا كبيرًا من أرضها في حرب 1967، استعاد المصريون سيناء في حرب عام 1973. لكن نشوة الانتصار تبددت بعد أن تبين أن بنود معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل تنتقص من السيادة المصرية على سيناء.

ثم أتت أزمة الجزيرتين لتثير علامات استفهام كثيرة حول مكانة مصر في المنطقة. ويضيف التقرير: «يعتقد المصريون أن بلادهم قوية، لكن الحقيقة القاسية هي أنّ أرض الحضارة الضاربة في القدم، والإرث الاجتماعي والسياسي العريق، هي دولة ضعيفة تعيش على معونات الدول الأخرى وتعجز عن إظهار القوة خارج حدودها».

يقول الكاتبان: «تذكرنا أزمة الجزيرتين بزيارة ناصر إلى خصمه الملك فيصل في السعودية لطلب المساعدة الاقتصادية العاجلة في أعقاب نكسة عام 1967. وقد مثّل ذلك حينها أيضًا انحسارًا لمكانة مصر الإقليمية لصالح السعودية، التي يعتبرها الكثير من المصريين دولة بلا تاريخ أو ثقافة. وما زاد من غضب المصريين أكثر هو أنّ إسرائيل منحت الضوء الأخضر لاتفاقية تسليم الجزيرتين، وأنها ستتوافق مع بنود معاهدة كامب ديفيد».

في عهد السيسي، ما زال النهج السلطوي قائمًا، ولا تزال هناك فجوة كبرى بين ما تصرح به الحكومة وما تفعله حقيقة. ولا أدل على ذلك من أزمة جزيرتي تيران وصنافير، حيث أتى قائد إلى السلطة واعدًا بالحفاظ على القومية
المصرية، ليجد نفسه متهمًا بالخيانة بسبب التخلي عن أراضٍ مصرية مقابل المال السعودي.

وينوه التقرير إلى أن المصريين تداولوا بكثافة مقاطع مصورة لناصر يؤكد فيها أن خليج العقبة يقع تحت سيادة مصر، كما تداولوا خرائط تاريخية تظهر تبعية الجزيرتين لمصر، وأيضًا كتبًا مدرسية تؤكد على أنّ جنودًا مصريين ماتوا دفاعًا عنهما، وقصاصات من كتب ومخطوطات تتحدث عن الأنشطة المصرية على الجزيرتين منذ حقبة الفراعنة. كما أنّ جزيرة تيران كانت محط نزاع بين العرب وإسرائيل؛ إذ قام عبد الناصر بمنع السفن الإسرائيلية من عبور مضيق تيران خلال حربي عام 1956 و1967. ولذلك، شعر المصريون بالصدمة حين أخبرتهم الحكومة – بعد كافة الأدلة السابقة – أن الجزيرتين سعوديتان وسيجري إعادتهما.

ويختتم التقرير بما حدث في فبراير (شباط) من عام 2011، وبعد أن أطاح المصريون بحسني مبارك، تطلعوا إلى عهد جديد تتحقق فيه مطالبهم، التي تمثلت في الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. وأضاف أنه في عهد السيسي، ما زال النهج السلطوي قائمًا، ولا تزال هناك فجوة كبرى بين ما تصرح به الحكومة وما تفعله حقيقة. ولا أدل على ذلك من أزمة جزيرتي تيران وصنافير، حيث أتى قائد إلى السلطة واعدًا بالحفاظ على القومية المصرية، ليجد نفسه متهمًا بالخيانة بسبب التخلي عن أراضٍ مصرية مقابل المال السعودي، بحسب الكاتبين. وبعد أن كانت الجزيرتان مجهولتين لمعظم المصريين – يختتم التقرير بالقول – باتت قشة قد تقصم ظهر النظام المصري.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد