تحدَّد ميعاد الانتخابات البرلمانية في مصر بتاريخ 18 و19 من أكتوبر المقبل، سيتمتَّع البرلمان الجديد بسُلطات غير مسبوقة في ظل الدستور الحالي، وبينما قد تُغري هذه السُلطات السلطة الحاكمة لتزوير النتائج، وهي ممارسة كانت شائعة خلال سنوات حُكم مبارك، إلَّا أنَّ خطورة أي حماقة في هذا الوقت كبيرة. تعلم الهيئات الأمنية الداخلية الآن أنَّ تزوير نتائج انتخابات 2010 كان أحد أسباب الثورة التي اندلعت بعد عامٍ منها.

إضافةً إلى أنَّ عيون العالم موجَّهة الآن نحو الانتخابات باعتبارها طريقةً لقياس مدى تقدُّم مصر باتجاه حياة سياسية طبيعية، وخاصةً بالنظر إلى الانتقادات الموجَّهة إلى القاهرة بسبب سجلَّها المُحزِن في حقوق الإنسان. ولكن السبب الوحيد الذي يجعل من تزوير النتائج غير ضروري هو شعبية نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي بالفعل كما هو، ليس هناك دافعًا لسرقة الشرعية من جيوب الناخبين إذا كانوا سيتطوَّعون بها بإرادتهم.

ولكن هناك الكثير من الأمور التي يجب الانتباه لها في الانتخابات المقبلة، سنذكر منهم اثنين لهما أهمية خاصة. الأولى هي ما إذا كان مجتمع الأعمال بالإضافة إلى بقايا محسوبية مبارك وفساده و«رجال كل العصور» سيُشكِّلون جبهة موحَّدة لمحاولة السيطرة على أكبر عدد ممكن من المقاعد. يمكن لمجتمع الأعمال دعم المُرشَّحين المتعاطفين معه أو حتى الممثِّلين المباشرين له، ولكن يمكنه كذلك «شراء» أولئك المعروضين للبيع في مقابل السعر المناسب. ستكون أجندة هذه الجبهة – إذا تشكَّلت- الحفاظ على مصالحهم وتوسعتها من خلال البرلمان الجديد.

الأمر الثاني الذي يجب الانتباه له هو النسبة التي سيحصل عليها الإسلاميون – مُمثَّلين في حزب النور السلفي- في التصويت العام ومن حيث أعداد المقاعد في البرلمان الجديد.

يمكن قراءة أهمية انخراط مجتمع الأعمال بثُقلٍ في الانتخابات في ضوء الخط المُتعرِّج الذي طغى على علاقته بالسيسي منذ تولِّيه الحُكم في صيف 2014. لجأ السيسي إلى القوات المسلحة لتكون المُنفِّذ الرئيس لمجموعة من مشاريع البنية التحتية التي تستهدف منح المصريين شعورًا بأنَّ البلاد قد عادت إلى المسار الصحيح. يحتاج النظام هذه الجرعة السريعة للحصول على فترة من الهدوء النسبي حتى تخرج الدولة من المأزق الحالي، تمامًا كما يحتاجها المصريون لكي يشعروا بأنَّ هناك أملًا.

منح استخدام القوات المسلحة لتنفيذ هذه المشاريع للسيسي فرصة ملائمة وتكاليف مُخفَّضة في وقتٍ كانت الموارد فيه نادرة وكان الشعب بحاجةٍ إلى طمأنةٍ بأنَّ هناك أملًا في المستقبل. ولكن عبَّرت طبقة رجال الأعمال عن استيائها من دورها الجديد وهو أن تكون مُجرَّد مقاول ثانوي، فقد رأت دور القوات المسلحة تجاوزًا ومنافسة غير عادلة. كان السيسي واعيًا بندرة الموارد، لم يكُن مستعدًا لدفع الكثير لأنَّه لم يملك الكثير، كان هامش ربح القوات المسلحة في الكثير من الحالات صفرًا، حتى أنَّه ضغط على الأغنياء للمساهمة في صندوق خاص أنشأه لتمويل مشاريع البنية التحتية، وكانت الاستجابة له فاترة.

وجد الصراع طريقه إلى القنوات الإعلامية؛ التي تتحكَّم في بعضها مصالح الشركات الكُبرى، وكان يُهدِّد بخلق المزيد من المشاكل في بيئة حسَّاسة للغاية من الناحية الأمنية. كان الإخوان المسلمون، الذين كان السيسي قد أسقطهم للتو- يشنُّون حملة مكثفة لزعزعة استقرار النظام الجديد. لم يكُن الرئيس المصري بحاجةٍ إلى إضافة جبهةٍ أخرى في صراعه السياسي وتوصَّل إلى طريقة للعمل مع مجتمع اﻷعمال.

ما زال «التفاهم» الصامت بين الجانبين موجودًا بصورةٍ أو بأخرى، ولكن قد يكون هذا التفاهم قابلًا للتغيير بعد الانتخابات البرلمانية، إذا حصل مجتمع الأعمال على كتلة كبيرة من المقاعد. وبينما لن يكون التعبير عن الصراع في هذه الحالة في صورةٍ صريحة، إلَّا أنَّ هناك طرقًا عدّة يحصد بها مجتمع الأعمال ثمرات النفوذ الجديد المُكتَسب في حالة حصولهم على مثل هذا النفوذ من خلال البرلمان الجديد.

من الصحيح أنَّ السيسي يتمتَّع في النهاية باليد العُليا بين المصريين بسبب شعبيته الغامرة، ولكن فيما يتعلَّق بالإجراءات التشريعية، لا يكون الأمر مسألة شعبية، بل يكون حساب أصوات. بينما جبهة النظام ومجتمع الأعمال الآن مُستقرَّة، لا يمكن للمرء استثناء احتمالية حدوث بعض المناوشات المستقبلية عند الانعطافات الواقعية التي تحدث في أي علاقة بين السُلطة السياسية والأعمال، سيسعى مجتمع الأعمال في مصر إلى زيادة حصته من «التورتة».

أمَّا عن السلفيين فهم يضعون أنفسهم الآن في مكانة ورثة «الاتجاه الإسلامي» في مصر بعد القمع الكاسح للإخوان المسلمين. ألغى الضغط القاسي على الإخوان المسلمين تقريبًا أي دور للجماعة في حياة مصر السياسية.

سمحَت السُلطة للجماعات السلفية خلال سنوات حُكم مبارك بالعمل بحُريةٍ تقريبًا طالما لا ينخرطون في السياسة. كان السلفيون – وهم اتجاه إسلامي شديد المُحافظة- نشطين في تجنيد الشباب وتوسيع حضورهم على أُسس دينية تمامًا. كان هدفهم هو «أسلمة» الشعب المصري أو بمعنى أدق «سلفنته». وأعداؤهم الرئيسيون – كما يوضِّحون في منشوراتهم- هم الصوفيون؛ وهو اتجاه روحاني يعود إلى قرونٍ ويُحدِّد معالم الإسلام الشعبي في مصر، والعلمانيون والشيعة والمسيحيون الأقباط.

كُلِّف السلفيون في ظل الصفقة مع أجهزة مبارك الأمنية بدور المخبرين على أي أنشطة تخريبية في مقابل درجات كبيرة من حرية الحركة، ممَّا سمح للاتجاه بالتوسُّع بسرعة.

عندما اندلعت ثورة 2011 انتقل السلفيون من معسكرٍ لآخر في وقت قصير نسبيًّا، انقلبوا ضد مبارك وانتقلوا إلى حلبة الدور السياسي النشط بحقيبة تعاليمهم وطريقتهم المعكوسة في فهم الإسلام. قالوا بصراحةٍ إنَّ الوقت قد حان لتطبيق ما في كتبهم عبر السُلطة السياسية. تضمَّنَت تعاليمهم استعادة بتر الأعضاء التناسلية للإناث – ختان الإناث-، وتخفيض الحد الأدنى لسن الزواج للسماح بزواج الفتيات في الـ13 من أعمارهن، ومنع أي مشاهد «غير إسلامية» في الإعلام، والكثير من الأمور الأخرى المذهلة.

ولكنَّهم فازوا بحوالي 28% من مقاعد برلمان 2012 نتيجةً لسنوات طويلة من التجنيد والتوسُّع النشط. دعوا خلال الجلسات البرلمانية الأولى إلى تشريع مطالبهم بعد أن أطلقوا عليها «إصلاحًا» اجتماعيًّا. وأجبروا الإخوان المسلمين – الذين حصلوا على حوالي نصف مقاعد نفس البرلمان- على إما الظهور بمظهر غير إسلامي  لمعارضة التشريعات «الإسلامية» المقترَحة علنًا، أو دعمها وتسليم أنفسهم لمجموعة المصريين الحضريين الساخرين والعالم الذي يراقبهم.

رفض السلفيون كذلك الوقوف تحيةً للنشيد الوطني المصري، لأنَّه كان علامةً على دولة سياسية وليس خلافة إسلامية موحَّدة. كان الليبراليون المصريون يستعدُّون للقتال، ولكن الإخوان المسلمين أقنعوا السلفيين في محادثات صعبة خلف الأبواب المغلقة بأنَّ الوقت ليس ملائمًا لتطبيق مثل تلك التشريعات، وأنَّ عليهم أن يكونوا صبورين.

تبنَّت السُلطة السياسية الحالية في مصر سياسةً تجاه السلفيين مختلفة قليلًا عن سياسة مبارك، فسمحت لحزبهم الأساسي؛ حزب النور، بالمشاركة على الرغم من الحظر الدستوري على أي أحزاب سياسية على أساس ديني. إذ قال السيسي مؤخرًا: «سيحكُم الناخبون على حزب النور، لديه خلفية دينية ولكنَّه بالرغم من ذلك حزب سياسي. لم نستثنِ أي مجموعة من الحوار السياسي مع الرئاسة».

يكمُن السبب الذي جعل النظام المصري يُبقي الباب مفتوحًا للسلفيين في حسابٍ سياسي مُعقَّد. عندما دعا السيسي مؤخَّرًا إلى إصلاح الخطاب الإسلامي في مصر، نجح الأزهر؛ وهو المؤسسة الدينية الرسمية، في وضع حدٍّ للجدل المُقترَح مع توسيع ما رآه «أسلمةً» للمجتمع. ودعا لمنع أي ناقد للتعاليم شديدة المحافظة من الظهور علنًا ونجح في ذلك. كان السيسي بحاجةٍ إلى بديل إسلامي مقبول للإخوان المسلمين، ويُمكن التسامح مع السلفيين في الوقت الحالي بما أنَّهم لم يستخدموا العنف مثل الإخوان المسلمين.

الحقيقة أنَّ للاتجاه السلفي تواجدًا في الأزهر نفسه، وإضافةً إلى ذلك، من الصعب على السيسي قمع الإخوان المسلمين والسلفيين في الوقت نفسه (برغم أنَّه من غير الأكيد أن يُقيِّد أنشطة السلفيين حتى في بيئة أمنية أفضل في المستقبل).

ولكن الليبراليين في مصر يتحرَّكون سريعًا لمواجهة أنشطة السلفيين على مستويات متعددة. فهناك عريضة تطالب بمنع حزب النور من الترشُّح استنادًا إلى طبيعته وحقيقة منع الدستور للأحزاب الدينية من مُجرَّد الوجود وليس فقط الترشُّح في الانتخابات، وتجمع هذه العريضة زخمًا. كما تُنشَر فيديوهات للشيوخ السلفيين الذين ينهون المسلمين المصريين عن إلقاء التحية على المسيحيين المصريين، وللفتاوى المرتبطة بقمع الإناث ولتصريحات أخرى تحمل إدانة ذاتية، على نطاقٍ واسع.

يتمتَّع حزب النور بدعمٍ هائل في المناطق الريفية والجنوبية الرجعية، ولكن عزل الإخوان المسلمين لا يساعد الحزب، رغم موافقة السلفيين عليه من أجل تقديم خدمة سياسية للحكومة ووراثة قواعد إخوانهم. يعتقد المصريون أنَّ كل الملتحين مخادعون، فقد دمَّر سقوط الإخوان المسلمين الموقف الشعبي من كل الجماعات الدينية المُنظَّمة، وإن كان بدرجاتٍ متنوعة. ولكنَّنا نُخمِّن أنَّ حزب النور سيفوز بما بين 10 و15% من مقاعد البرلمان المقبل، سينافس الحزب على 60% من المقاعد.

بينما من غير المحتمل أن تتدخَّل الحكومة المصرية في نزاهة عملية التصويت، إلَّا أنَّها تحاول إبقاء الانتخابات داخل مجرى صارم لعدم التسبُّب في زيادة سوء البيئة الأمنية. ولكن قد تكون الانتخابات خطوة للأمام نحو جعل الحياة السياسية طبيعية وإنهاء الخوف المعتاد وفظائع الأجهزة الأمنية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد