«العنف المروع في السلفادور له أصول اجتماعية وسياسية، لكنه ليس حتميًّا ويمكن التغلب عليه». هذا ما تراه هيلاري جودفريند، طالبة الدكتوراه في دراسات أمريكا اللاتينية في الجامعة الوطنية المستقلة في المكسيك.

وفي مراجعتها لكتاب «طفل هوليوود: الحياة العنيفة والموت العنيف لقاتل محترف في MS-13»، في مجلة «جاكوبين» اليسارية الأمريكية، تناقش هيلاري الفكرة التي تروج لحتمية أعمال العنف ووجود العصابات في السلفادور، باعتباره نتاجًا لظروف تاريخية ودوافع كامنة لدى الشعب السلفادوري.

وقالت الكاتبة: إن السلفادور، الدولة الصغيرة الموجودة في أمريكا الوسطى، أصبحت في السنوات الأخيرة مرادفة – في الولايات المتحدة – للعصابات». وإحدى هذه العصابات على وجه الخصوص، وهي «مارا سالفاتروتشا» المشهورة بالاختصار «MS-13»، أسرت الخيال الشعبي على نحو ما يظهر عادة في الصورة الكاريكاتورية التي يقدمها الإعلام العنصري.

تضخيم أمريكا لخطر العصابات السلفادورية.. من كارتر إلى ترامب

ترامب

أرجعت هيلاري ذلك إلى حد كبير إلى إشاعات التخويف المتعصبة التي يطلقها دونالد ترامب، إلا أنها أوضحت أنه قبل فترة طويلة من وصول ترامب للسلطة، عملت حكومة الولايات المتحدة على تأجيج الظروف المحيطة بصعود العصابة وتضخيم صورتها الدولية.

جيمي كارتر 

وأضافت أن الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، تجاهل طلب رئيس أساقفة السلفادور أوسكار روميرو بقطع المساعدات عن الديكتاتورية العسكرية السلفادورية عام 1980، قبل وقت قصير من اغتيال روميرو على أيدي فرق الموت التي دربتها الولايات المتحدة.

Embed from Getty Images
محتج أمريكي يرتدي قناعًا يمثل وجه الرئيس ريجان أثناء مظاهرة ضد التدخل الأمريكي في السلفادور.

رونالد ريجان

وأوضحت أن الرئيس الذي تلاه، رونالد ريجان، واصل الحرب الأهلية الدامية التي أعقبت ذلك وصعد وتيرتها، وهي الحرب التي كانت فيها قوات الأمن المدعومة من الولايات المتحدة مسؤولة عن أكثر من 85% من 70 ألف حالة وفاة، و10 آلاف حالة اختفاء، خلال الصراع الذي استمر 12 عامًا مع التمرد اليساري.

بيل كلينتون

كما صعدت إدارة الرئيس بيل كلينتون احتجاز وترحيل اللاجئين السلفادوريين، الذين تكيف الكثير منهم مع ثقافة العصابات المحلية في أحياء الطبقة العاملة وسجون كاليفورنيا، ووافقت تلك الإدارة على إصلاحات الهجرة القاسية عام 1996، والتي أسست لعملية الترحيل الجماعي اليوم.

بوش الابن 

وتابعت قائلة: «إن بوش الابن وقع على اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الوسطى، والتي أخضعت العمالة والموارد الطبيعية في المنطقة بقدر أكبر لمتطلبات رأس المال الأمريكي، ما عصف بالاقتصادات المحلية وحفز الهجرة إلى الولايات المتحدة إلى مستوى أعلى من مستوياتها أثناء الحرب».

باراك أوباما 

وفي عام 2012 صنفت إدارة أوباما عصابة «MS-13» منظمة إجرامية دولية على قدم المساواة مع عصابة «كامورا» الإيطالية، أو «زيتاس» المكسيكية، أو «ياكوزا» اليابانية، في حين تسارع احتجاز المهاجرين وترحيلهم إلى مستويات غير مسبوقة.

الحزبان الديمقراطي والجمهوري

وأضافت أن عقودًا من المساعدات الأمنية الأمريكية من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، دعمت أعمال الشرطة السلفادورية القمعية التي لا تتسامح مطلقًا، الأمر الذي أدى إلى تطرف وتعزيز المنظمات الإجرامية الناشئة. ناهيك عن القرن السابق من أعمال النهب والتدخل والاستغلال الإمبريالي، والذي أنتج كما كان متوقعًا تركيبة اجتماعية وحشية.

مطبوعات إنجليزية جديدة

وأشارت كاتبة التقرير إلى أنه مع وجود عصابة «MS-13» في دائرة الضوء، تسعى سلسلة من المطبوعات الجديدة باللغة الإنجليزية إلى إلقاء الضوء على العصابة، من أجل الجمهور الأمريكي.

وأضافت أنه لا يوجد أفضل من الصحافيين الاستقصائيين في مجلة «إل فارو» الرقمية السلفادورية للقيام بهذا الأمر؛ إذ تلقوا إشادة دولية لتقاريرهم عن العصابات والفساد الحكومي.

هل العنف السلفادوري فطري وحتمي؟

في كتاب صدر مؤخرًا بعنوان «طفل هوليوود: الحياة العنيفة والموت العنيف لقاتل محترف في MS-13»، احتفلت «إل فارو» بالمؤلفين الأخوين أوسكار وخوان خوسيه دوبويسون مارتينيز – أبناء أخ روبرتو دوبويسون، قائد فرقة الموت سيئة السمعة ومؤسس حزب «التحالف الجمهوري القومي» اليميني المتطرف – اللذين يرويان وقائع القصة المروعة لقاتل محترف سيئ السمعة في «MS-13» تحول إلى مخبر للشرطة، ويوفر الكتاب في الوقت نفسه تاريخًا مفصلًا عن أصول العصابة وصعودها في سياق دولي أوسع.

Embed from Getty Images
أفراد عصابة «MS-13» في أحد سجون السلفادور

وأشارت الكاتبة إلى أن «طفل هوليوود» كتاب مثير، خضع محتواه للبحث بشكل دقيق ونقلت تفاصيله بشكل مثير، لكن الكتاب يستنسخ أيضًا الهياكل العرقية والقائمة على نوع الجنس (الجنسانية) الشائعة في الخطاب السائد حول العنف والجريمة في السلفادور. وفي المقام الأول، وعلى الرغم من اللجوء إلى السوابق التاريخية، يكرس الكتاب فكرة العنف السلفادوري باعتباره أمرًا حتميًا، فطريًا، ولا يمكن التغلب عليه.

قاتل محترف.. قصة حياة وموت «طفل هوليوود» 

يحكي الكتاب قصة حياة وموت ميجيل أنخيل طوبار، الملقب بـ«طفل هوليوود»، والذي اكتسب سمعة سيئة في «MS-13» قبل أن يصبح شاهدًا حكوميًّا محميًا. ويبدأ الكتاب بوصف جنازته المستعجلة والمهينة تمامًا، المحاصرة بأعضاء عصابات محلية عدائيين، ثم ينتقل عبر الزمن بحكايات بائسة من سيرة طوبار، تتخللها لمحات تاريخية عامة عن الصراعات الاجتماعية التي أدت إلى مذبحة الإبادة الجماعية عام 1932، والحرب الأهلية في الفترة من 1980-1992، واتفاقات السلام التي تفاوضت عليها الأمم المتحدة، والتي نزعت سلاح الدولة وأنشأت المؤسسات الليبرالية الهشة والضعيفة مثل الشرطة المدنية الوطنية، والمكلفة الآن بالتصدي للعصابات.

يصف المؤلفون محاولته الأولى للقتل، عندما حاول في سن الحادية عشرة قتل كبير عمال المزرعة، والذي سمح له والد طوبار، مدمن الكحوليات، باغتصاب شقيقته بانتظام.

ويستعرض الأخوان مارتينيز أصول اقتصاد السلفادور القائم على تصدير محصول واحد، والذي كان مدفوعًا أولًا بإنتاج النيلة (نوع من البقوليات) أثناء الاستعمار الإسباني، ثم القهوة، وتسلسلات التراكم البدائي (لرأس المال) التي دفعت السكان الأصليين إلى الخروج من أراضيهم الجبلية لتصل إلى أيدي قلة حاكمة مالكة للأراضي. كما يسردان قصة انتفاضة الشيوعيين والسكان الأصليين الفاشلة عام 1932 في غرب السلفادور، ويصوران طوبار باعتباره وريثًا لهذه التركة من القمع وسفك الدماء.

وأشارت الكاتبة إلى أن طوبار ولد عام 1984 لعائلة من العمال المفقَرين قليلي المهارات، والذين كانوا يعملون في مزارع البن الكبيرة بالقرب من الحدود مع جواتيمالا. ويصف المؤلفون محاولته الأولى للقتل، عندما حاول في سن الحادية عشرة قتل كبير عمال المزرعة، والذي سمح له والد طوبار، مدمن الكحوليات، باغتصاب شقيقته بانتظام.

وبعد بضع سنوات، وفي منتصف تسعينات القرن العشرين، جرى تجنيده في زمرة محلية تتبع عصابة «MS-13»، ويقودها عضو سابق مطرود من الحرس الوطني، يلقب بـ«تشيبي فوريا»، وهو الشخص الذي استطاع تجاوز النزاعات المعتادة بين العصابات ليدير مؤسسة قوية للجريمة المنظمة، هيمنت على غرب السلفادور.

لماذا يعتبر رونالد ريجان هو الأب الروحي لعصابة «MS-13»؟

ويعتبر الأخوان مارتينيز أن رونالد ريجان هو «الأب الروحي» بلا منازع  لـ«MS-13». ويشرحون كيف علق اللاجئين الأوائل، الذين شردتهم الحرب الأهلية، بين الحرب المتنامية في السلفادور والحرب على المخدرات في كاليفورنيا. وبالنسبة لرجال العصابات السلفادورية الناشئة فإن «ريجان أعطاهم كل ما يحتاجونه للنمو، إذ تكفل باستمرار تدفق أعضاء جدد من أمريكا الوسطى، وفي الوقت نفسه أضعف أكبر أعدائهم في كاليفورنيا».

ومن خلال مقابلات مع بعض الباقين على قيد الحياة المجهولين من تلك الأيام المبكرة، يقدم الكتاب نظرة عامة على البيئة المعقدة التي تدفق فيها المهاجرون الجدد على عصابة «Barrio 18» المخضرمة، بينما شكل آخرون مجموعاتهم الخاصة.

تمتد جذور تكوينات عصابة «MS-13» الأولية إلى قلب موسيقى الميتال والماريجوانا وطقوس عبادة الشيطان.

وتمتد جذور تكوينات عصابة «MS-13» الأولية إلى قلب موسيقى الميتال والماريجوانا وطقوس عبادة الشيطان. لكن أعضاء عصابة «مارا سالفاتروتشا» الأصليون انضموا في النهاية إلى نظام «سورينوس» (عصابات في الولايات المتحدة معظم أعضائها مكسيكيون)، الذي تتبعه عصابات «شيكانو» (المكسيكية) في جنوب كاليفورنيا، والتي تحكمها المافيا المكسيكية، متخلية عن هويتها لأسلوب الـ«شولو» السائد، وأضافوا رقم 13 إلى لقبهم.

وأوضحت الكاتبة أنه بسبب التداخل بين ترسيخ نظام الاحتجاز الجماعي والآلية الناشئة للترحيل الجماعي، نُقل اللاجئون السلفادوريون الشباب من الطبقة العاملة بشكل متزايد إلى السجون الأمريكية وجرى ترحيلهم إلى مجتمع دمرته النزاعات المسلحة الأخيرة – والتي ظلت أسبابها الجذرية دون حل إلى حد كبير – وإعادة الهيكلة النيوليبرالية الجديدة الواسعة.

البؤس هو الحاضنة الخصبة للتطرف

وشددت الكاتبة على أن التطرف يزدهر في هذه الظروف البائسة، موضحة أن اثنين من المؤسسات الاجتماعية الرئيسة تنظم الحياة اليومية للأحياء الفقيرة من الطبقة العاملة والجيوب الريفية الفقيرة في السلفادور بعد الحرب، هما العصابات والكنائس الإنجيلية المسيحية الأصولية: «كل منهما جاء من الولايات المتحدة، وبعد وصولهما، ستكون مصائرهما متشابكة إلى الأبد… منذ أوائل التسعينات من القرن الماضي، رأت كلتا المجموعتين نفسها تسود على الهامش، باعتبارها تصدر التعليمات – ولو بوسائل مختلفة تمامًا – لحياة تلك الأحياء والقرى، التي لا تمثل فيها الدولة سوى تهديد بعيد».

وفي الصفوف المتضخمة من الشباب الفقراء العاطلين عن العمل في السلفادور بعد الحرب، وجد المُرَحَّلون أشخاصًا متلهفين إلى الانضمام إلى الزمر التي ستتحول قريبًا إلى فروع في شبكة دولية.

لقد كانت ولاتزال مافيا، لكنها مافيا من الفقراء.

يشير الأخوان مارتينيز إلى أن العصابات تتسم بروح مختلفة عن تلك التي يتسم بها تجار المخدرات المسرفين في المكسيك، على سبيل المثال. ويضيفان: «إن حياة جنود العصابات لم تتغير كثيرًا بعد أن انضموا إلى هذه الشبكة. لقد كانت ولا تزال مافيا، لكنها مافيا من الفقراء». وبالرغم من نظام الابتزاز على المستوى الوطني، فإن «اقتصاد «MS-13» بالكاد هو اقتصاد كفاف» يكفي بالكاد لعشرات الآلاف من المشاركين فيه.

بيد أن منظمات الشوارع هذه تحولت في السجن إلى مؤسسات إجرامية ناضجة. ويقدم المؤلفان بيانات تشير إلى عملية لم تحظ بالقدر الكافي من الاهتمام على نحو ملحوظ: تصدير الولايات المتحدة للاحتجاز الجماعي في جميع أنحاء المنطقة.

وأشارا إلى أن قوات الأمن التي تدعمها الولايات المتحدة ضد العصابات في السلفادور شهدت تضاعف عدد السجناء تقريبًا بين عامي 2000 و2006. وذكرت كاتبة التقرير أن السلفادور تحتل اليوم المرتبة الثانية على مستوى العالم بالنسبة للولايات المتحدة فيما يتعلق بمعدلات الحبس؛ إذ سجنت نحو 604 شخص من كل 100 ألف نسمة.

هذا ما يحدث عندما تسلم الدولة السجون إلى العصابات

ويرى المؤلفان أن «أحد أعظم إخفاقات الحكومة السلفادورية كان تسليم السجون إلى العصابات». وهما يصفان العنف الوحشي بين الجماعات المتنافسة، التي دفعت الحكومة إلى الفصل بين نزلاء السجون المتزايدين في أوائل عام 2000؛ ما سمح للعصابات بتعزيز هياكل قيادة على الصعيد الوطني.

منطقة الشرق

منذ شهر
الوجه العنيف لليابان.. المافيا اليابانية المخيفة التي تساعد الفقراء!

وساهمت الجهات الفاعلة الحكومية كذلك في تطور قيادة العصابات خلال الإدارة الأولى لجبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني (FMLN)، وهي حزب التمرد اليساري السابق، عندما ساعد أعضاء مجلس الوزراء الأمني سرًا في التفاوض على هدنة بين الأطراف المتحاربة. وساعد الوسطاء في تسهيل الاتصالات، لضمان سريان الاتفاقات مع القادة المسجونين على الخارج، مع عواقب يمكن التنبؤ بها بمجرد انهيار الهدنة.

على الرغم من تحقيق انخفاض ملحوظ في جرائم القتل، إلا أن الإستراتيجية – التي كشفت عنها عام 2012 تقارير «إل فارو» – قوبلت برفض عام واسع: «إن الحكومة، في مواجهة الرفض الجماعي لسياستها للسلام، أعطت الأولوية لرفع شعبيتها على حساب خفض معدل جرائم القتل».

كانت الزيادة التي تلت ذلك في جرائم القتل، والتي بلغت ذروتها عامي 2015 و2016، بمثابة رد فعل من العصابات التي شعرت بأنها تعرضت للخيانة. وكانت استجابة الدولة القمعية لاستهداف قوات الأمن العام سببًا في تصعيد أعمال العنف؛ إذ شكلت قوات مدربة من قبل الولايات المتحدة مجموعات إبادة سرية؛ ما أدى إلى إحياء فرق الموت شبه العسكرية في زمن الحرب.

هروب «طفل هوليوود» من السجن قبل قتله على يد رفاقه السابقين

من جانبه، نجح «طفل هوليوود» في التهرب من السجن. وبعد سنوات من العمل جنديًّا مخلصًا، وارتكابه العشرات من جرائم القتل، تسببت سلسلة دموية من الخيانات في عزل طوبار وتعريضه للخطر. وفي عام 2010، انقلب، ووافق على الشهادة ضد «تشيبي فوريا» وأتباعه.

وأشارت الكاتبة إلى أن طوبار قضى أربع سنوات شاهدًا محميًّا، مكملًا حصص الإعاشة الضئيلة ببيع الماريجوانا التي زرعها خارج الكوخ على أرض الشرطة، حيث كان يعيش مع شريكته وابنته، وعندما فشل ذلك، ابتز السيارات المارة من أجل الحصول على بعض الفتات (الفكة). وكان هذا هو المكان الذي أجرى فيه المؤلفان معظم مقابلاتهم مع «طفل هوليوود»، القلق، الذي يعاني من نقص التغذية، والثمل.

في عام 2014 تخلى طوبار عن حماية الشرطة الهشة. وقُتل بعد ذلك بفترة وجيزة.

وأوضحت أن قدرة الدولة السلفادورية على حماية مخبريها «غير كافية بشكل مثير للشفقة»؛ إذ سرعان ما أصبح طوبار هدفًا لمحاولات اغتيال من العصابة، ولتهديدات رجال الشرطة الفاسدين. وتسببت شهادة طوبار في سقوط زمرة كاملة، لكنه تحت الضغط نفى ضلوع ضابطين في جريمة قتل رئيسة. وفي عام 2014 تخلى طوبار عن حماية الشرطة الهشة. وقُتل بعد ذلك بفترة وجيزة، حين أطلق عليه رفاقه السابقين النار بعد أن غامر بالخروج من مكان اختبائه لتسجيل ولادة ابنته الرضيعة في البلدية.

ما محل النساء من الإعراب في سياق العصابات السلفادورية؟

وذكرت هيلاري أن حكاية «طفل هوليوود» تلقي الضوء على أعمال مؤسسة إجرامية جماعية يصعب الوصول إليها، وإخفاق الإستراتيجيات التي طُبقت لاحتوائها. وبالرغم من ذلك فإن الكتاب يكشف بالقدر ذاته عن أوجه قصور في تلك القصة.

اختلال التوازن بين الجنسين في الشخصيات والمخبرين الوارد ذكرهم في الكتاب صارخ للغاية بحيث لا يمكن تجاهله.

وتوضح الكاتبة أن اختلال التوازن بين الجنسين في الشخصيات والمخبرين الوارد ذكرهم في الكتاب صارخ للغاية بحيث لا يمكن تجاهله، مضيفة أن المؤلفين أدركا هذه الهفوة، وكتبا في الفصل السادس تحت العنوان الفرعي «النساء»: «عندما تتحدث عن العصابات، فأنت تتحدث عن الرجال. وهذا الكتاب ليس استثناءً. إن التاريخ الذي نكتبه عن عصابة «مارا سالفاتروتشا» يدور بشكل أساسي حول الرجال؛ لأن الكثير منهم يروون القصص ويشرحون كيف تعمل العصابات».

وتوضح الكاتبة أن هذا التبرير الباهت، الذي بات من الواضح أنه كان فكرة لاحقة، يقوضه المؤلفان نفسهما على الفور في فقرة تالية، عندما أشارا إلى أن «عدد النساء أكبر من الرجال في هياكل العصابات الأوسع في السلفادور».

وأضافت أن معظم النساء يظهرن خلسة في خلفية القصة، كزوجات يصنعن القهوة، أو أخوات يتعرضن للاغتصاب. ثم هناك تصوير دنيء لوالدة طوبار «التي تتعفن» بسبب مرض تناسلي، وتعاني مما وصفه المؤلفان بأنه «الألم في أحشائها الداخلية، والتي خرج منها الطفل منذ ثلاثين عامًا». واعتبرت أن كراهية النساء، المنتشرة جدًا في العلاقات الاجتماعية التي تشكل عصابات السلفادور، تنتشر كذلك على صفحات الكتاب.

«لا سبيل للهروب من هذا المصير المحتوم».. جذور راسخة أم قصور نظر؟

وفيما يتعلق بطوبار نفسه، انتقدت الكاتبة تبني المؤلفين النظرة الجسمانية الخارجية التي كانت مستخدمة في علم الأنثروبولوجي الاستعماري في القرن التاسع عشر، عند فحص أنواع أقل شأنًا. حيث اعتبرا أن «هناك شيئًا حيوانيًا به، حول جوهره»، مضيفة أن هذه اللغة غير المريحة وغير الإنسانية عن «الجوهر الحيواني المفترس» تتكرر طوال النص، وتطّبع أفعال طوبار العنيفة، وتربطها ضمنًا بأصوله المفترضة التي ترجع إلى السكان الأصليين.

Embed from Getty Images
أعضاء أحد التنظيمات المسلحة في السلفادور عام 1981.

والواقع أن المؤلفين بتسليطهما الضوء على طقوس ما قبل الاستعمار الإسباني، والتي تشربتها الممارسات الكاثوليكية المعاصرة في ريف السلفادور، يلمحان إلى أن طقوس إراقة الدماء، والتضحية البشرية حتى، تشكل نوعًا من الدوافع الكامنة التي تربط عنف العصابات الوحشي بتراث ثقافي وعرقي غامض.

من خلال تنميط طوبار، يضع المؤلفان العنف السلفادوري في إطاره من وجهة نظرهما، إذ يشيران إلى أن السلفادور محاصرة في «دائرة العنف، وهو أمر لن ينتهي أبدًا لأنه لا يوجد له مخرج». وأضافت أن هذا هو الدرس الأخير من الكتاب: من طقوس التضحية الدموية في فترة ما قبل الاستعمار الإسباني، إلى الإبادة الجماعية عام 1932، إلى الحرب الأهلية، والآن العصابات، السلفادور محكوم عليها دائمًا بالمذابح.

وفي إطار جهودهما الرامية إلى جعل طوبار نتاجًا للظروف التاريخية – «سلسلة طويلة من أعمال العنف» – يلجأ المؤلفان إلى استخدام تعبيرات مجازية مرهقة. إذ يحول «طفل هوليوود» عنف العصابات السلفادورية إلى مشهد مشوه وغريب للجمهور الأجنبي، والتحليل أقرب إلى العدمية.

ونقل التقرير عن المؤلفين قولهما: إن «قصة الطفل لها خيط واحد ثابت: كل شيء يظهر بشكل سيئ». ويتم تصوير السلفادور على أنها «بلد، بعد أن حاول إخفاء وجهه بشكل يدعو للرثاء، أظهر حقيقته: لا شيء سوى الحرب والقمع والكراهية». وبعيدًا عن النظرة المتعمقة، الرسالة سهلة وليست جديدة.

لوحة مشوهة بريشة الاستعمار العنصري المعولم الإمبريالي

وقالت الكاتبة إن الباحثة والفنانة السلفادورية بياتريس كورتيز، عبرت في نقد عام 2014 للروائي السلفادوري هوراسيو كاستيلانوس مويا، عن هذا الأمر بشكل أفضل، حين كتبت: «أتقبل أن هذا العمل لم يصور بلدنا، بل أعاد رسم الصورة الرسمية الاستعمارية والعنصرية والمعولمة والإمبريالية لأمريكا الوسطى… في كلٍ من كلماته والشكل الذي صور به مرارًا وتكرارًا العالم الأدبي لأمريكا الوسطى، بناه على أنه عالم آخر، عالم عنيف، أمي، ضد الفن والأدب، جاهل، متعصب، يفتقر إلى الذكاء». واعتبرت الكاتبة أن تقييم كورتيز لكاستيلانوس مويا يتردد صداه هنا أيضًا.

واختتمت هيلاري بالقول: إن العنف السلفادوري العنصري المستند إلى نوع الجنس الذي لا أمل فيه، في كتاب «طفل هوليوود»، يروج خاصة لجمهور أمريكي. لكن هذا الكتاب على الرغم من إبحاره البارع في خضم التاريخ ووفرة المعلومات الواردة فيه يقطع شوطًا كبيرًا في تشويه الصراع الاجتماعي الذي يزعم أنه يفسره.

وبالنسبة للقراء الأمريكيين الملتزمين بإصلاح الأضرار التي سببتها الإمبريالية في المنطقة، وشعوب أمريكا الوسطى التي تنظم من أجل السلام والعدالة وتقرير المصير، ترى الكاتبة أن مثل هذه العروض ليس لها فائدة تذكر، وفي الواقع فإنها قد تعمل ضد نضالهم.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
مترجم: تفاصيل 6 من أبرز عمليات تصفية زعماء المافيا في أمريكا

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد