في تحليل نشرته صحيفة «واشنطن بوست»، يصف الأستاذ المساعد للعلوم السياسية بجامعة فرجينيا كومنولث، مايكل آهن بارلبرج، مشهدًا غير معتاد لرئيس السلفادور، نايب بوكيلي، الذي اصطدم بأعضاء السلطة التشريعية في البلاد، وقرر إرسال قواته المسلحة لاحتلال مبنى المجلس التشريعي، في مواجهةٍ، يحذر الكاتب من أن البلاد ستعاني من تبعاتها، بين رئيسٍ يحظى بشعبية بين الشعب وتدعمه القوات المسلحة والشرطة، ومشرعين ينتصرون لرأيهم المعارض لتخصيص مزيد من ميزانية البلاد لصالح الجيش.

يقول بارلبرج، وهو زميل مشارك في معهد دراسات السياسة: «قبل أسبوع مضى، انتشرت في وسائل الإعلام صورة من السلفادور تبدو وكأنها صورة لمشهد من نتاج الحرب الباردة؛ والصورة كانت لجنود مسلحين ببنادق «إم- 16» يحتلون الجمعية التشريعية (البرلمان) في البلاد. وكان الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو: أن الصورة تأتي من بلد خرج قبل ربع قرن من حرب أهلية مدمرة، وأصبح منذ ذلك الحين نموذجًا للسلام الذي تحقق عبر التفاوض».

سياسة

منذ سنة واحدة
بعيدًا عن فنزويلا.. التاريخ المظلم للولايات المتحدة في أمريكا الجنوبية

ويضيف الكاتب المتخصص في موضوعات الهجرة والعمالة وسياسات أمريكا اللاتينية أنه «إذا كان احتلال المجلس التشريعي بمثابة ارتداد عما تحقق، فقد صُمم أيضًا ليتناسب مع عصر وسائل التواصل الاجتماعي. فرئيس السلفادور نايب بوكيلي «Nayeb Bukele»، وهو من جيل الألفية (مواليد 1981) غرد من قبل بمطالبه، داعيًا الجمعية التشريعية (البرلمان) إلى تمرير مشروع قانون لتأمين التمويل لخطته الأمنية».

والتقط الرئيس صورة شخصية (سِلفي) مع حشد من المؤيدين قبل أن يتوجه في مسيرة بصحبة أفراد من القوات المسلحة. ثم خاطب قاعة الجمعية التشريعية الفارغة تقريبًا، محذرًا من أن بمقدوره في أي لحظة «الضغط على الزر» وحل المجلس التشريعي.

ثم أعلن بوكيلي أن الرب أخبره بأن يمنح المشرعين مهلة لأسبوع آخر. واعتبارًا من يوم الأحد، لم يتخذ أي إجراء آخر. فما الذي يحدث في السلفادور؟ هذا ما يستعرضه التحليل الذي أعده بارلبرج الحاصل على الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة جورج تاون.

القضية المطروحة: قرض مُقترح بقيمة 109 مليون دولار

يقول الكاتب إن الرئيس بوكيلي يريد أموالًا لإنفاقها على شراء معدات للشرطة من أجل دعم مبادرته الخاصة بمكافحة الجريمة. ووافق بنك التكامل الاقتصادي لأمريكا الوسطى على هذا القرض، لكنه ما يزال يتطلب موافقة تشريعية.

استشهد بوكيلي بمادة غامضة في الدستور السلفادوري – وهي مادة مخصصة لمواجهة حالات الطوارئ الوطنية – وتنص على دعوة الجمعية التشريعية لعقد جلسة لتتمكن من مناقشة مشروع القانون وتمريره على الفور، لكن المجلس نفى وجود مثل هذه الحالة الطارئة.

يرى الكاتب أن الديمقراطية في أمريكا اللاتينية قد تكون في ورطة. وينظر إلى الاحتجاجات بوصفها أحد أعراض تزايد حالة عدم الثقة في البلاد.

هل يستغل بوكيلي شعبيته؟

يعتقد كاتب المقال أن قدرة الرئيس السلفادوري بوكيلي على الضغط على خصومه مستمدة من شعبيته الشخصية الهائلة، في مقابل التدني الساحق لشعبية خصومه. فبوكيلي، كمرشح قادم من خارج هيكل الحكم التقليدي، سلك طريقًا دائريًّا للوصول إلى الرئاسة، وطور شبكة واسعة النطاق من وسائل الإعلام الاجتماعية، ودشن لنفسه منبرًا للقوة (bully pulpit في إشارة لمنصبه السياسي الذي يتيح له فرصة لعرض وجهات نظره)؛ مسلحًا بنسبة تأييد شعبية تصل إلى 90% في استطلاعات الرأي.

Embed from Getty Images

شغل بوكيلي لفترة منصب عمدة سان سلفادور، وكان يحظى بشعبية أيضًا آنذاك، مع جبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني FMLN، ثم انشق بوكيلي عن قيادة الحزب وطُرد منه. أدار بعدها حملة ناجحة لتشكيل حزب ثالث في البلاد للترشح للرئاسة في عام 2019، مستفيدًا من حالة الإحباط العام من جبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني، ومن التحالف الجمهوري القومي اليميني (أرينا)، الحزبين الرئيسيين في السلفادور منذ انتهاء الحرب الأهلية في عام 1992.

شخصية بوكيلي تستدعي عقد مقارنات مع الرئيس ترامب؛ كصاحب عمل ثري وشخص قادم من خارج هيكل الحكم التقليدي.

ويرى الكاتب أن شخصية بوكيلي تستدعي عقد مقارنات مع الرئيس ترامب؛ كصاحب عمل ثري وشخص قادم من خارج هيكل الحكم التقليدي. فعائلة بوكيلي من أصل فلسطيني، وليست واحدة من «أربع عشرة أسرة تهيمن على البلاد». وهو مروِّج لا يكلّ ولا يملّ لنفسه، يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي لتجاوز وسائل الإعلام التقليدية. ويكره ارتداء ربطات العنق، ويحب التقاط الصور الشخصية «Selfies»، ويفضل أن يمارس حكم البلاد من خلال تغريداته على تويتر. وبعد لقائه الثنائي مع الرئيس الأمريكي ترامب، وصف الأخير بأنه «لطيف جدًّا ورائع.. وكلانا يستخدم تويتر «Twitter» كثيرًا، لذلك، كما تعلمون، سنكون على وفاق معًا».

السلفادور لديها نظام حزبي «متكلس»

يقول الكاتب: كما يتضح من بحثي، فإن الحزبين، اللذين تأسسا في البلاد في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية، هيمنا على السياسة السلفادورية منذ فترة طويلة، وأصبح لهما وضع مؤسساتي عميق، وتمتعا بكوادر وتنظيم منضبطين – تمتد جذورهما إلى فترة الشتات – وتعودان لزمن الحرب. وفي الوقت الحاضر، يرى العديد من السلفادوريين أن هذه الأحزاب أصبحت غير فعالة وفاسدة.

ويوضح الكاتب أنه بعد إنهاء الرئيس ترامب لما يعرف بـ«الوضع المحمي المؤقت» لنصف مليون شخص، ربما زاد ذلك الأمر من الهجرة غير الشرعية.

وواجه عدة رؤساء سابقين تهمًا بالفساد، ومن بينهم توني ساكا، الذي حُكم عليه بالسجن لمدة 10 سنوات بتهمة الاختلاس وغسل الأموال، وفرانسيسكو فلوريس، الذي قيل إنه استولى على 15 مليون دولار تبرعت بها تايوان لضحايا الزلزال واحتفظ بها لنفسه، وماوريسيو فونيس، وهو شخص آخر من الخارج كان يعمل في مجال مكافحة الفساد، ويختبئ الآن في نيكاراجوا، ويحارب عملية تسليمه للمحاكمة لتورطه في خطة اختلاس تتضمن أكياس قمامة مليئة بالنقود.

في بلد سئم من انعدام الأمن والفساد، يعد بوكيلي منقذًا مقنعًا للعديد من السلفادوريين، على الرغم من اتهامات بتلقيه أموالًا مغسولة (غير شرعية).

وما تزال الأحزاب التقليدية في السلفادور تسيطر على الجمعية التشريعية، حيث يوجد عدد قليل من حلفاء بوكيلي؛ إذ يحظى حزب التحالف الجمهوري القومي اليميني (أرينا)، وجبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني بـ60 مقعدًا من أصل 84 مقعدًا في الجمعية. وهناك إجراءات قضائية جارية ضد رؤساء كلا الحزبين بشأن اتهامات لهم بدفع أموال للعصابات للتصويت في انتخابات 2014.

وفي بلد سئم من انعدام الأمن والفساد، يعد بوكيلي منقذًا مقنعًا للعديد من السلفادوريين، على الرغم من اتهامات بتلقيه أموالًا مغسولة (غير شرعية) من شركة النفط الحكومية الفنزويلية، ومن عقد صفقات مع عصابة باريو 18، وهي إحدى عصابات البلاد، بينما كان يشغل منصب العمدة.

الجريمة هي قضية السلفادور الدائمة

يتابع الكاتب: لطالما عُرفت السلفادور منذ فترة طويلة بأنها دولة تشهد أعلى معدلات جرائم القتل في العالم، وبلغت هذه الظاهرة ذروتها بوقوع 18 حالة قتل في اليوم في عام 2015. وتقود عصابات البلاد، «مارا سالفاتروتشا Mara Salvatrucha» – المعروفة باسم MS-13 – وعصابة «Barrio 18»، التي انقسمت إلى فصيلين، حوادث العنف في السلفادور.

Embed from Getty Images

وتزايد عدد العصابات السلفادورية بكثرة في فترة التسعينيات (1990)، عندما تصاعدت عمليات الترحيل الجماعية للمجرمين من الولايات المتحدة، حيث شهدت العصابات انتعاشًا هائلًا في عهد الرئيس كلينتون. وقد غذّت عمليات الترحيل الجماعي، التي جرت في ظل كل إدارة أمريكية لاحقة، هذه العصابات بمجندين قسريين وأهداف للابتزاز.

فماذا سيحدث للسلفادور عندما تنهي الولايات المتحدة الوضع المحمي للمهاجرين السلفادوريين؟

يستدرك الكاتب: لكن في الآونة الأخيرة، أصبح معدل الجريمة في انخفاض. وبلغ معدل جرائم القتل سبعة جرائم في اليوم في عام 2019، وسرعان ما نسب الفضل في هذا الأمر لبوكيلي. وعلى غرار الانخفاض المستمر منذ عقود في جرائم العنف في الولايات المتحدة، يصعب إيجاد تفسير لانخفاض الجريمة في السلفادور.

وتبين أن الانكماش الأخير في الجريمة، في عام 2012، كان نتيجة لصفقة سرية عُقدت بين حكومة فونيس والعصابات، لكنها انهارت بعد الكشف عنها. وتكهن البعض بأن هناك صفقة أخرى من هذا القبيل تجري الآن، أو أن الحكومة تتلاعب بهذه الإحصائيات، وتصدر أرقامًا غير حقيقية.

وأعلنت إدارة بوكيلي أن عمليات القتل التي تحدث على أيدي الشرطة لم تعد تُدرج في إحصائيات جرائم القتل، وهو تطور مثير للقلق وسط تقارير إخبارية عن وجود ما يسمى بفرق الموت التابعة للشرطة، ووجود دوائر مُستأجرة للقتل وتسلل العصابات إلى قوات الأمن. ولا تدرج حالات الاختفاء ضمن جرائم القتل أيضًا، مما يخلق حوافز تأتي بنتائج عكسية ضارة في بلد يجري فيه تسييس إحصائيات القتل بدرجة كبيرة.

التراجع نحو الاستبداد؟

يرى الكاتب أن تهديد الرئيس بوكيلي بحل الجمعية التشريعية يعيد للأذهان «الانقلاب الذاتي»  الذي وقع عام 1992، ونظمه ألبرتو فوجيموري المسجون حاليًا في بيرو. وتركز السلطة في يد مكافحي الفساد، الذين يواجهون أنفسهم فيما بعد اتهامات بالفساد، هو آلية مألوفة في المنطقة.

ففي جوار السلفادور، نجا الرئيس الجواتيمالي المنتهية ولايته، والذي ترشح انطلاقًا من أرضية تقوم على مكافحة الفساد، من الملاحقة القضائية بالكاد من خلال طرد وكالة مكافحة الفساد التابعة للأمم المتحدة التي كانت تحقق معه. وفي أكتوبر (تشرين الأول)، أدان ممثلو الادعاء الأمريكي شقيق رئيس هندوراس بتهريب الكوكايين.

يختم التحليل بالقول: تظهر استطلاعات الرأي خيبة أمل متزايدة تجاه الديمقراطية في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية، وقد يجد حكم الرجل «الفرد» القوي بعض القبول، في سياق وجود فساد وجريمة جامحين. ويحيط بوكيلي نفسه بالجنرالات، ويرتدي سترته الجلدية وقبعة البيسبول، لتصوير نفسه في صورة «الرئيس اللطيف»، عساه يكون انعكاسًا مُحَدَّثًا لقادة أمريكا الجنوبية القدامى، لكنها ما تزال مجرد صورة سوف يتعرف إليها الكثيرون.

كتب

منذ شهر
«جاكوبين»: تاريخ العنف في السلفادور.. والدور الأمريكي في تضخيمه

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد