من غير المرجح أن يكون هناك شأن مثير خلال الانتخابات العامة المقبلة في البرتغال. الأسواق العالمية يعمها الهدوء وحتى المعلقين السياسيين يشعرون بالملل. أيًّا كان الحزب الفائز من الجزبين الرائدين في البلاد خلال انتخابات 4 أكتوبر/ تشرين الأول عندما يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع، فإن الاتجاه العام للسياسة الاقتصادية البرتغالية ربما يبقى كما هو بغير تغيير. تنشب المعركة على مقاعد المجلس التشريعي بين تحالف يمين الوسط المنتهية ولايته والمكون من الحزب الديموقراطي الاشتراكي وحزب الشعب، وهو الائتلاف الذي تضعه معظم استطلاعات الرأي في الصدارة بنسبة 38% من الأصوات، وبين معارضة يسار الوسط التي تتألف من الحزب الاشتراكي الذي يحصل في الاستطلاعات على نسبة تدور حول 32%.

ولكن ليس هناك قدر كبير من الاختلاف بين المتنافسين. في حين أن المعارضة استخدمت الخطاب المناهض للتقشف على مدى السنوات القليلة الماضية، فإن كلا الطرفين يبدو أنه ملتزم ببرنامج التقشف الذي شرعت البرتغال في تنفيذه منذ أزمة الديون السيادية 2011-2012 إلى الآن. وقد أثبتت البلاد أنها واحدة من أكثر الدول توافقًا مع خطط الإنقاذ حيث تنجح في تسديد استحقاقات قروض صندوق النقد الدولي قبل الموعد المحدد. لذلك سوف تكون الانتخابات هادئة إلى حد ما. رغم ذلك، إذا نجح ائتلاف يمين الوسط في الاحتفاظ بولايته، فسوف تكون الحكومة التقشفية الأولى في أوروبا التي لا يتم التصويت على الإطاحة بها عن مواقعها. الجانب المثير لهذه الانتخابات، رغم ذلك ليس في الأحزاب المشاركة وإنما في الأحزاب الغائبة بشكل واضح: وهي الأطراف المتمردة التي تتحدى المؤسسة.

تحليل

منذ الأزمة المالية التي وقعت في عام 2008، ثرت الأحزاب المناهضة للمؤسسية الأوروبية. ويرجع ذلك جزئيًّا إلى استجابة الجمهور الأولى للعثرات الاقتصادية بالبحث عن كبش فداء. استمرار الصعوبات الاقتصادية في جميع أنحاء القارة خلق فرصًا للأحزاب المتمردة لبناء قواعد دعم عبر تبني القضايا الشعبية. في جنوب أوروبا، عزز هذا الاتجاه رد الفعل العنيف ضد تبني سياسات التقشف. بينما في الشمال كان التركيز أكثر على مناهضة الهجرة كسبب تقليدي لزيادة المصاعب الاقتصادية وندرة فرص العمل. وقد انجذب الحركتان أيضًا تجاه الرسالة القومية التي تثبت الانقسام في الاتحاد الأوروبي.

البرتغال، ومع ذلك، تبدو حالة شاذة. البلد يفتقر إلى صعود حزب مناهض للهجرة على غرار حزب ليجا نورد في إيطاليا، الجغرافيا البرتغالية، أقصى الغرب، ربما ساهمت في عزل البلاد بشكل ما. كما أنها تفتقر أيضًا إلى حزب مناهض للتقشف مثل حزب سيريزا في اليونان، أو حزب بوديموس في إسبانيا المجاورة. باعتبارها واحدة من دول نادي المتوسط التي عانت أزمة الديون السيادية في عام 2012 (عانت البرتغال من ديون بلغت 129% من الناتج المحلي الإجمالي، ومعدلات بطالة مرتفعة بلغت 12%)، وبينما عانت البلاد كما عانى نظراؤها من نفس برنامج التقشف فإنها لم تشهد نفس رد الفعل السياسي. وهذا يبدو وضعًا شاذًا.

هناك العديد من الأسباب المحتملة لهذه الحالة. وكانت الهجرة هي السمة الأساسية لتجربة البرتغال بعد الأزمة. وتشير بعض التقارير إلى أن حوالي نصف مليون شخص برتغالي غادروا البلاد التي يبلغ تعداد سكانها 10.5 مليون نسمة منذ عام 2011. وكثير من هؤلاء يبحثون عن الشواطئ البعيدة التي تتبع الإمبريالية البرتغالية القديمة والمستعمرات المصدرة للسلع الأساسية مثل أنغولا وموزمبيق والبرازيل. هذه الهجرة، من المتوقع أن تسهم في ضعف إقبال الناخبين في الانتخابات المقبلة، وربما تكون قد حملت معظم الشباب المحبطين خارج البلاد. في إسبانيا، كان لحركة الشباب الهائجين دور أساسي في صعود حزب بوديموس.

الهيكل السياسي القائم مسبقًا في البرتغال قد يتمتع بقابلية لاستيعاب استياء السكان. وجود حزب شيوعي فاعل على الساحة السياسية ربما يشكل متنفسًا لمشاعر الإحباط الناشئة. في الواقع، من المتوقع أن يسجل الشيوعيون تحسنًا كبيرًا في أدائهم خلال انتخابات يوم الأحد. إضافة إلى ذلك، فإن الحزب الاشتراكي، وبعكس نظرائه في إسبانيا، كان قادرًا على الحفاظ على نفسه بعيدًا عن عملية اعتماد التقشف، موفرًا بذلك منفذًا آخر للتصويت الاحتجاجي. إلى الآن، فإن أيًّا من هذه الأسباب ليست كافية تمامًا حيث إن الانتصار المنتظر لليمين يوحي بعد بوجود شعور التمرد من الأساس أكثر مما يوحي بوجود اختلال سياسي.

البرتغال، في الوقت الراهن، يبدو أنها اختارت طريقها دون وجود حزب متمرد. ولكن ما أثر ذلك؟ الاتحاد الأوروبي، على الأقل، مستفيد من ذلك. حيث خلقت الانتخابات الأخيرة في اليونان والدنمارك وفنلندا مشاكل جديدة لأوروبا. يمكن للمسؤولين في بروكسل مشاهدة الأحداث في لشبونة مع الحفاظ على ضربات قلبهم ثابتة. الخطر الرئيسي ليس هو التمرد، وإنما قدوم حكومة أقلية هشة مما قد يوقع البلاد في مأزق.

من منظور برتغالي بحت، فإنه من غير الواضح ما إذا كان عدم وجود طرف متمرد له أي تأثير على اقتصاديات البلاد. ما تزال الظروف في البرتغال تعكس مثيلاتها في بلدان أخرى في البحر الأبيض المتوسط مثل إسبانيا وإيطاليا. البطالة وأرقام الديون مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي تبقى مرتفعة. تمتع البرتغال أيضًا بمعدل نمو مماثل لجارتها الإسبانية. و على الرغم من هذا يجب أن يكون مفاجئًا، فإن إسبانيا هي السوق الرئيسي لكثير من صادرات البرتغال.

وبعيدًا عن وجود حزب متمرد من عدمه فإن السؤال المطروح هنا هو مدى قدرة الفائز في الانتخابات أيًّا كان على التعامل مع ديون البلاد المتزايدة وارتفاع معدلات البطالة ومعدل الهجرة السريع (على الرغم من أن الأخير قد بدأ في التباطؤ مع هبوط اقتصاديات البلدان المقصودة وبدأ بعض المهاجرين فعليًّا في العودة). من غير المرجح أن يستمر النمو المتواضع الذي شهدته البرتغال في الآونة الأخيرة. إلى الآن، فإن عدم وجود حزب متمرد يجعل البرتغال حالة شاذة. ولكن نظرًا للتحديات المقبلة، ينبغي أن يكون هناك الكثير من الفرص السانحة لظهور أحدها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد