1,775

«يظن مشاهير وادي السيليكون أن بإمكانهم إصلاح أي شيء في العالم، لكن سرعان ما يبدو عليهم الارتباك والذهول عندما لا تقابل محاولاتهم بحماس جامح». هكذا استهلت الكاتبة زينب توفيقجي، الباحثة والمتخصصة بالتأثيرات الاجتماعية للتقنيات الحديثة، مقالها الذي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز».

تذكر زينب أن حال الملياردير إيلون ماسك كان حال ملايين من البشر الذين أسرتهم قصة الصبيان الاثني عشر ومدربهم، العالقين داخل كهف في تايلاند، لكن إيلون لم يكتفِ بمتابعة القصة عبر الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي فقط؛ فالرجل يمتلك موارد هائلة، ولذلك حاول أن يقدم المساعدة بتوجيه فريق من المهندسين لبناء غواصة مصغرّة، أو كما سمّتها الكاتبة: «إسطوانة معدنية معقدة». وكان يأمل أن يتم استخدام هذه الغواصة في عملية الإنقاذ من الكهف. نشر إيلون فيديو للغواصة أمام أكثر من 22 مليون من متابعيه على «تويتر»، وتلقى نتيجة لذلك تغطية إعلامية واسعة والكثير من كلمات الدعم والتشجيع من معجبيه.

تعلق الكاتبة بأنه لا يمكن إنكار أن رغبة السيد إيلون بالمساعدة جديرة بالثناء، لكن عندما أعلن مسؤول عملية الإنقاذ أن الآلة التي قدمها ماسك غير ملائمة لهذه العملية – والتي كانت قد تمت بنجاح بالفعل في ذلك الوقت، وعلى يد بضعة من أفضل غواصي الكهوف في العالم – عبّر إيلون عن انزعاجه، بل أصرّ على أن قادة العملية الباقيين رحبوا بمساعدته، وأن مسؤول عملية الإنقاذ «ليس من أصحاب الخبرة في هذا المجال»، كما أبدى انزعاجه الشديد تجاه الانتقادات التي وجهت له في الوقت الذي كان يحاول فيه تقديم المساعدة.

تستكمل الكاتبة بأنه لربما من الأفضل لماسك – ووادي السيليكون كذلك – أن يعتبروا عملية الإنقاذ التايلندية درسًا لهم. كانت عملية ذات فرص نجاح ضئيلة جدًا، ومع ذلك تمكن الفريق من إنقاذ 12 طفلا ورجلًا بالغًا، كثير منهم لا يستطيع السباحة أصلًا، من خلال نموذج عملٍ ابتكاري يستطيع وادي السيليكون التعلم منه، بل يجب عليهم التعلم منه.

تصف الكاتبة النموذج الذي يعتمد عليه وادي السيليكون في عمله بأنه نموذج يتكون من خليط من التفاؤل بالقدرات، وثقة بأنه من الممكن نقل الخبرات في مجال ما إلى مجال آخر بسهولة، وتوجه عام نحو الحلول السريعة واللامعة، لكن النموذج الذي استطاع إخراج الأطفال ومدربهم من الكهف كان نموذجًا مختلفًا. نموذجًا أبطأ ومنهجيًا أكثر، ويواجه المشاكل بتخصصية عالية جدًا، نموذج استطاع تحويل العديد من النشاطات الخطرة إلى نشاطات أكثر أمنًا، منها تسلق الصخور والطيران التجاري، والذي استغرق تطوير بروتوكولات وإجراءات سلامة شاملة لهم سنوات طويلة.

هذه النماذج المعتمدة على «ثقافة السلامة» ليست متكلفة أو فاقدة للإبداع، بل على العكس تمامًا، فإن الخبرات العميقة والتدريبات المطولة والقدرة على التعلم من الأخطاء تمثل جميعها شكلًا قيمًا من أشكال البراعة والإبداع. هذا النموذج هو الذي مكّن الطيار شيسلي ساولينبيرغير من أن يحط بطائرة تجارية حلقت فوق نهر هادسون في عام 2009 بأمان، بعد أن تعطلت محركاتها. قدرات ومهارات الطيار شيلسي هي نتيجة لعقود من التدريب والتعلم ضمن مجال منظم من قبل الحكومات، ومنظم ذاتيًا، لدرجة أن علبًا معدنية ضخمة تخترق الأجواء الهوائية على ارتفاع 10 كيلومتر، أصبحت أكثر وسيلة آمنة للسفر.

في المقابل يبدو أن كبار الشخصيات في وادي السيليكون تفضل إنفاق المال بشكل غير متزن – بحسب الكاتبة – وعلى أهداف صعبة وبعيدة، لا تحقق سوى لفت الانتباه. قام المدير التنفيذي لـ«فيسبوك»، مارك زوكربيرج، بالتبرع بـ100 مليون دولار في عام 2010 لمدارس ولاية نيوجيرسي الأمريكية، كجزء من خطة لتطويرها على مدى عدة سنوات. كان محور هذه الخطة تقييم المعلمين والمدارس النموذجية، لكن لم تعمل الخطة بشكل جيد، بل إن بعض جوانبها زادت الأمور سوءًا. التعليم مسألة عالية التعقيد، وجمع الأموال في مجال التكنولوجيا ليس مؤهلًا لحل المشاكل التعليمية.

جيف بيزوس – مؤسس موقع أمازون

من الملاحظ أن وادي السيليكون يتجاهل المشاكل الموجودة بداخله أيضًا؛ فقد أعلن جيف بيزوس، مؤسس موقع «أمازون» الشهير، أن استكشاف الفضاء هو واحد من أهم الأشياء التي عليه أن ينفق أمواله عليها، لكن قد يختلف معه عماله، أصحاب الأجور المتدنية والعاملين في ظروف عمل قاسية، تجاه كون تلك أفضل طريقة لصرف أمواله.

أما في حالة ماسك وغواصته، فقد كانت السلطات التايلندية متفهمة أن عليهم ترك التخطيط وقيادة عملية الإنقاذ لخبراء الغوص في الكهوف، كما تذكر زينب أن ماسك قال بشكل واضح إنه سيتبع قيادة الغواصين، لكن طبيعة الضجة الإعلامية التي صنعها ماسك قد تتوسع وتخرج عن السيطرة، وتسبب تأثيرًا غير مرغوب فيه.

تختم الكاتبة قائلة إنها لم تقصد عبر كلامها التقليل من دور الابتكار التكنولوجي، وأنه لربما قدم ماسك نسخة مفيدة من اّلاته المعدنية المعقدة في المستقبل، لكن ذلك سيتطلب تطويرًا بعيد المدى، واختبارات وتعاونًا مع تشكيلة واسعة من الخبراء، وليس بضعة مهندسين، وإذا أراد وادي السيليكون مساعدة العالم، فبإماكنهم البدء بتطوير منتجات أكثر أمنًا، وجعل شركاتهم أكثر عدلًا، ولعل أهم ما عليهم فعله هو احترام الخبرات المكتسبة – بصعوبة – في المجالات الأخرى المختلفة عن مجالاتهم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك