تضاعف وجود المرأة في البرلمان إلى أكثر من الضعف منذ عام 1995، لكن التكافؤ ما زال لم يُسمع به تقريبًا

نشرت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية تقريرًا للكاتب أندي جريجوري تناول فيه النساء اللاتي حظين بكرسي الرئاسة حول العالم في ضوء إعادة انتخاب رئيسة وزراء نيوزيلندا: جاسيندا أرديرن.

جاسيندا.. النموذج النسائي الأكثر نجاحًا وشهرة

استهل أندي تقريره بالقول: «حققت رئيسة وزراء نيوزيلندا، جاسيندا أرديرن، نصرًا تاريخيًّا بعد أن توجه النيوزيلنديين إلى صناديق الاقتراع. وطوال مدة الانتخابات، كانت استطلاعات الرأي تشير إلى أن حزب العمال الذي تترأسه جاسيندا سيحصل على 45% من الأصوات؛ وهي نسبة تكفي لأن يحكموا البلاد بمفردهم، في سابقة هي الأولى من نوعها في جزيرة نيوزيلندا منذ أن أدخلت نظام التصويت فيها عام 1996».

وهذا التفويض يعني أن جاسيندا، البالغة من العمر 40 عامًا، يمكنها تشكيل أول حكومة من حزب واحد منذ عقود، وبهذا تستطيع تحقيق التحول التدريجي الذي وعدت به وفشلت في تحقيقه أثناء ولايتها الأولى حين تقاسم حزبها السلطة مع الحزب الوطني. أما منافسهم الرئيس: الحزب الوطني، برئاسة جوديث كولينز، فقد حصل على 30% من الأصوات تقريبًا.

وخلال ولايتها الأولى نالت السيدة جاسيندا الاستحسان في جميع أنحاء العالم، لا سيما بسبب استجابتها الحاسمة والمتعاطفة مع ضحايا هجوم كرايستشيرش الإرهابي، واستجابتها لجائحة فيروس كورونا. وكانت السيدة جاسيندا من بين القائدات اللاتي قادت إدارتُهن للأزمة الصحية العالمية الباحثينَ إلى استنتاج مفاده: أنه من بين 192 دولة كان أداء البلدان التي تقودها سيدات أفضل على نحو ملحوظ من نظرائهن في البلدان التي يقودها الرجال.

وكانت هذه الدراسة هي الأحدث في سلسلة طويلة من الأبحاث التي تُظهر الفوائد التي تجنيها الدول ذات التكافؤ السياسي الأكبر. وبينما لم يزل من غير الواضح ما إذا كانت الجائحة ستحدث تأثيرًا طويل المدى على المساواة بين الجنسين في السياسة، إلا أن نصيب المرأة من السلطة يتَّخذ أخيرًا منحنىً تصاعديًّا.

النساء في السلطة

يشير التقرير إلى أن سيريمافو باندرانايكا تُعد أول رئيسة منتخبة في العالم نجحت في الوصول إلى سدة السلطة بجزيرة سيلان – المعروفة اليوم بسريلانكا – عام 1960. وعلى مدار العقد الذي تلى ذلك تولَّت سيدتان فقط السلطة، إنديرا غاندي في الهند وجولدا مائير في إسرائيل. ومنذ ذلك الحين كان هناك 90 سيدة فقط أو أكثر قليلًا من القيادات النسائية حول العالم.

Embed from Getty Images

وتشغل حاليًا 21 امرأة منصب رئاسة أو حكومة الدولة من أصل 193 دولة حول العالم، وفقًا لمجلس العلاقات الخارجية، وهي منظمة فكرية مقرها الولايات المتحدة. وربما يكون التقدم بطيئًا، إلا أن عدد السيدات اللاتي يترشحن من أجل السلطة، ويفزن أكثر من أي وقت مضى، مع زيادة ثابتة في العدد الإجمالي في العقود الماضية.

وفي ثمانينات القرن الماضي انتُخِبت 11 امرأة لرئاسة الدولة، وفي التسعينات، ارتفع هذا العدد إلى 22، واستمر هذا الاتجاه التصاعدي حتى وصل إلى 25 في العقد الذي تلى ذلك. ومنذ 2010 انتُخِبت 56 سيدة لرئاسة دولهن. وفي الوقت نفسه أصبح صوت الرغبة المتزايدة في بلوغ المزيد من السيدات مناصب قيادية مسموعًا أكثر يومًا بعد يوم؛ إذ تسرَّبت دعوات تمكين المرأة من الشوارع حتى وصلت إلى أروقة السلطة.

سيدات بيلاروسيا والولايات المتحدة

يضرب التقرير مثلًا ببيلاروسيا، حيث كانت السيدات في طليعة الاحتجاجات ضد رئيس البلاد المختلف عليه، ألكسندر لوكاشينكو، ونظامه الحاكم المستمر منذ عقود. وكانت شرطة مكافحة الشغب قد اعتقلت مئات السيدات بمينسك (عاصمة بيلاروسيا) في سبتمبر (أيلول) أثناء احتجاجهن على الانتخابات التي زعَمْن أنها مزوَّرة، ورَفَعَت بعضهن لافتات مكتوب عليها «احتجاجنا له وجه نسائي»، في إشارة إلى الروائية والمناصرة البيلاروسية الحائزة على جائزة نوبل، سفيتلانا أليكسفيتش.

وتنتظر سفيتلانا تيخانوفسكايا، المعلمة السابقة والبالغة من العمر 37 عامًا، في الأروقة لتولي السلطة، وهي التي زعمت فوزها في الانتخابات، في فوز كان من شأنه أن يتوجها باعتبارها أول امرأة تترأس البلاد في بيلاروسيا.

وفي الولايات المتحدة، حيث تحطمت آمال أول رئيسة للبلاد بسبب صفوف الناخبين عام 2016، حين ربحت هيلاري كلينتون التصويت الشعبي، لكنها خسرت أمام دونالد ترامب الذي أماط اللثام عن مظاهر تفاخره بكره النساء والاعتداء الجنسي كثيرًا أثناء حملته الانتخابية. واكتسب ترشيح كامالا هاريس لمنصب نائب الرئيس أهمية إضافية في انتخاباتٍ لطالما أُثِيرت فيها الشكوك حول عُمْر جو بايدن وشفافيته، وهو الذي اختارها نائبة له، وحول خصمه ترامب.

مؤشر قوة المرأة.. وأداء الدول حول العالم

ويشير التقرير إلى أن أداء الدولتين من حيث التكافؤ السياسي في الحكومة، أقل بكثير مما هو منشود. ووفقًا لمؤشر قوة المرأة في مجلس العلاقات الخارجية، حصلت بيلاروسيا على 37 درجة، بينما حصلت الولايات المتحدة على 17 درجة فقط في مقياس تمثل فيه الدرجة 100 النساء اللاتي يحظين بتمثيل بنسبة 50% على الأقل في جميع مستويات الحكومة. وبما أن أربعة بلدان فقط حققت مستوًى أساسيًّا من المساواة في البرلمان، فإن المساحة في أعلى القائمة هائلة.

Embed from Getty Images

احتلت كوستاريكا المرتبة الأولى بتقييم بلغ 74 نقطة، وتلتها رواندا بـ70 نقطة، والسويد بـ69، وفنلندا بـ68، وأيسلندا بـ68، ونيكاراجوا بـ67.

بينما سجلت نيوزيلندا، حيث كانت كلتا المتنافستَين على المنصب الحكومي الأعلى من السيدات، 51 نقطة فقط، في حين أن الدول الأخرى التي تروِّج لنفسها على أنها أبطال المساواة مثل: كندا، وألمانيا، والولايات المتحدة لا تزال في مراتب أقل. ومع ذلك، هناك تقدم يحدث؛ إذ تضاعفت مشاركة المرأة في البرلمان منذ 1995 لتصل إلى معدل عالمي يبلغ 24.6% عام 2019.

عوائق في طريق التمثيل السياسي للسيدات

ينقل التقرير عن راشيل فوجل شتاين، مديرة برنامج المرأة والسياسات الخارجية في مجلس العلاقات الخارجية، التي قالت لـ«الإندبندنت»: «هناك عديد من العوائق التي تحول دون التكافؤ بين الجنسين في التمثيل السياسي، بما فيها التحيزات المتأصلة بين الجنسين التي غالبًا ما يغذيها الاعتقاد السائد بأن المرأة لا تستطيع الفوز بسبب التحيز الجنسي للناخبين الآخرين».

ومن المرجح أن ترتقي السيدات إلى قمة السلطة السياسية في الأنظمة البرلمانية التي يُنتخب فيها رؤساء الحكومات من قبل أعضاء الحزب الذين شاهدوهن بالفعل وهن يقدن زمام الأمور، مقارنةً بالدول التي شهدت انتخابات شعبية.

تقول راشيل: «تواجه المرشحات والقائدات أيضًا قدرًا متباينًا من التحرش والعنف». وأضافت: «وقد تزايدت الهجمات بدوافع سياسية على السيدات في كل منطقة في العالم تقريبًا، ووصلت إلى مستوى قياسي في 2019. وكثير من هذا العنف ناجم عن كُرْه السيدات، وهي أمراض متأصلة في معظم المجتمعات ولن يُقضى عليها في أي وقت قريب». لكن السيدة راشيل قالت إن الحكومات والمنظمات الدولية وشركات التكنولوجيا بإمكانها أن تسن إصلاحات من شأنها أن تساعد في تخفيف حدة هذا العنف «المُفسد».

ومن بين الإجراءات التي اقترحت السيدة راشيل أن هذه الجماعات يمكنها اتخاذها، هي إصدار قوانين لتجريم العنف ضد المرأة في السياسة، وتدريب المراقبين والسلطات للرصد والإبلاغ عن الاعتداءات على الناخبات والمرشحات. وأضافت أنه ينبغي على الأحزاب السياسية أيضًا تشجيع تبني قواعد سلوكية، بينما يجب على شركات التكنولوجيا تحديد المحتوى المخيف وإزالته بما في ذلك التهديد بالاغتصاب، إضافة إلى توفير الموارد لحماية المرشحات والقائدات.

أثر دخول السيدات إلى معترك السياسة

يلفت التقرير إلى أنه مع استمرار دخول المزيد من السيدات إلى معترك السياسة، هناك المزيد من الدراسات التي تسلط الضوء على التأثيرات التي يمكن أن تحدثها زيادة تمثيل المرأة، ولو بنسب بسيطة. وقد وُجِد سابقًا أن الأنظمة القوية التي تتمتع بقدر أكبر من المساواة بين الجنسين تركز أكثر على الصحة والتعليم، بل يكون لها تأثير دائم على نجاح مفاوضات السلام.

- النساء في السلطة- نورد ستريم ميركل

وفي حين أن هناك دراسات متناقضة حول ما إذا كانت عضوات الكونجرس الأمريكيات قد حققن نجاحًا أكبر من الرجال في الوصول عبر الخطوط الحزبية إلى تمرير التشريعات، خلُصت مراجعة لبحث أجراه معهد بوينتر للدراسات الإعلامية عام 2018 إلى أن «الدراسات تُظهر أن السيدات يناصرن تمرير مشاريع القوانين أكثر، ويوفِّرْن مخصصات مالية حكومية أكبر لدوائرهن الانتخابية، وتحت ظروف معينة، يستطعن الوصول إلى تسويات مع الأحزاب الأخرى».

«وفي مجلس الشيوخ، كانت السيدات أكثر نجاحًا من الرجال في تمرير مشاريع القوانين. وأظهرت الدراسات أيضًا أنه عندما تُنتخب السيدات، يعملن بجد أكبر من زملائهن الرجال». علاوةً على ذلك حال زيادة عدد السيدات في البرلمان بنسبة 5% تقل احتمالية الاستجابة بعنف لأي أزمة دولية بمقدار خمس مرات، وفقًا لما وجدته دراسة نشرتها مجلة «كونفليكت ريزليوشن».

الحاجة إلى مزيد من الدراسات لنتائج أكثر دقة

واستدرك الكاتب قائلًا: ومع ذلك أشار مؤلفو الدراسة أيضًا إلى أن الصورة النمطية السلبية التي يطلقها معارضوهن الذكور، وضرورة التنقل في أروقة الهياكل الذكورية، والخوف من الظهور بمظهر ضعيف قد يؤدي أحيانًا إلى نتيجة عكسية. إذ أحصى الباحثون عشر أزمات عسكرية في القرن العشرين كانت السيدات في سدة الحكم في أربعة منها. وأشار الباحثون في 2001 إلى أنه كانت هناك حاجة إلى عينات أكبر لتقييم أداء القيادات النسائية حقًا أثناء الأزمات «وهو ما لا يستطيع التاريخ توفيره».

وقالت السيدة راشيل: «ما زلنا بحاجة إلى مزيد من البحث، ومزيد من السيدات في السلطة لدراسة أدائهن في المقام الأول، من أجل الوصول إلى فهم كامل لتأثير التكافؤ بين الجنسين في التمثيل السياسي. وفي النهاية لم نصل إلى هذه الدرجة في معظم البلدان حول العالم».

واختتم الكاتب مقاله بالقول: «ومع ذلك تشير الدراسات التي أجريناها إجمالًا إلى أن المشاركة السياسية للمرأة تعزز التعاون الحزبي، والمساواة، والاستقرار، وهي ثلاث قيم يعاني عالمنا اليوم من نقص فيها».

علوم

منذ 3 شهور
هل الرجل أكثر ذكاءً من المرأة؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد