في أعقاب اتفاق التطبيع بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، تتسارع الخطى بين البلدين، وبخاصة من الجانب الإماراتي للتأكيد على قناعتها السياسية بهذه الخطوة الجريئة من خلال طرق أبواب مختلفة للتطبيع ربما لا يكون آخرها المجال الرياضي. وفي هذا الشأن نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية مقالًا للكاتب جوشوا ميتنيك تناول عرضًا إماراتيًّا لشراء أحد الأندية الرياضية الإسرائيلية، وتفاصيل الانزعاج الإسرائيلي من هذه الخطوة التي ربما تستدعي إخراج البطاقة الحمراء اعتراضًا على دبلوماسية كرة القدم التي تنتهجها الإمارات للتسلل إلى قلب المجتمع الإسرائيلي.

مالك عربي من الإمارات لنادي إسرائيلي متعصب

يستهل مراسل المجلة الأمريكية المقيم في تل أبيب مقاله بالإشارة إلى واحدة من أغرب الثمار الثانوية لاتفاق التطبيع بين إسرائيل والإمارات حتى الآن، وبالتحديد محاولة أحد أفراد العائلة المالكة الإماراتية شراء نادي «بيتار جيروزاليم (بيتار القدس)»، وهو فريق كرة قدم إسرائيلي له إرث من العنصرية والشغب. وإذا تمت الصفقة فإن الفريق الذي رفض لعقود من الزمن التعاقد مع لاعبين عرب سيحظى فجأة بمالك عربي، وسيصبح نادي بيتار رمزًا غير متوقع للرومانسية المزدهرة بين البلدين.

أبحاث ودراسات

منذ 3 شهور
مترجم: رغم سباق التطبيع.. العرب يرون إسرائيل التهديد الأكبر بنسبة تفوق 90%

لكن الأسئلة المتعلقة بنزاهة العرض وتحقيقات التدقيق الواجبة التي أجراها اتحاد كرة القدم الإسرائيلي أثارت فجأة الشكوك حول الاتفاق – ويمكن أن تخفف من حالة النشوة التي اتسم بها الوفاق بين إسرائيل والإمارات. وفي التفاصيل، ذكر الكاتب أن الشيخ حمد بن خليفة آل نهيان، الذي يدير شركة قابضة متنوعة مقرها دبي، والمُسماة بإدارة حمد بن خليفة للمشاريع (HBK DOP)، توصَّل إلى اتفاق الشهر الماضي مع موشيه هوجيج، مالك النادي والفريق، للحصول على حصة 50٪ في الفريق مقابل استثمار يزيد عن 90 مليون دولار على مدى العقد المقبل.

وقد صاغ الشركاء المحتملون إطار الاتفاق ليكون حدًّا تاريخيًّا فاصلًا للممارسات المناهضة للتعاقد مع لاعبين عرب التي اتَّبعها نادي بيتار ومجموعة مشجعيه المتطرفين العنصريين على نحو علني، المعروفين باسم أولتراس العائلة «لا فاميليا» – وليكون مثالًا مشرقًا للمنطقة.

هل ينجح التطبيع الإماراتي في القضاء على الإرث العدواني؟

ويلفت الكاتب الإسرائيلي إلى أن الشيخ حمد قال للتلفزيون الإسرائيلي في شهر ديسمبر (كانون الأول): إن «الصفقة تهدف إلى إظهار أن بإمكان اليهود والمسلمين العمل سويًّا، وأن يكونوا أصدقاء ويعيشون في سلامٍ ووئام». وأضاف أن مشجِّعي فريق بيتار الذين يُعادون العرب تعرَّضوا لما يُسمى بغسيل الأدمغة؛ ما أوصلَهم إلى هذا الحد من العداء.

Embed from Getty Images

ويُعد بيتار فريقَ كرة قدم شهيرًا وعريقًا تأسس عام 1936، وله علاقات تاريخية مع حزب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الليكود، ويتمتع بقاعدة مشجعين تضم جماهيرَ من الإسرائيليين تعتقد أن سياسات اليمين الإسرائيلي بالنسبة لهم مبادئ قبليَّة يجب التمسك بها شأنها شأن الرياضة. وفي حين كان لاعبو كرة القدم العرب الإسرائيليون جزءًا لا يتجزأ من المنتخب الوطني، وكانوا ضمن فائزين آخرين بالبطولات، ظل فريق بيتار المتمسك الوحيد بسياسته في المشهد الإسرائيلي.

وكتب الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين، وهو نفسه من مشجعي فريق بيتار، رسالةً إلى الشيخ حمد يعلن فيها أن الصفقة كانت «ثمرة رائعة» لما يسمى باتفاقات أبراهام، والتي توسَّطت فيها إدارة ترامب وساعدت في إتمامها العام الماضي.

ويعلق الكاتب قائلًا: إن شراء نادي بيتار من جانب مستثمر عربي كان سيبدو أمرًا لا يمكن تصوره قبل صفقة التطبيع التي أُعلِن عن التوصُّل إليها في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي. ويهتف مشجعو النادي على نحو منتظم خلال المباريات قائلين: «الموت للعرب»، وتسبَّبوا في مضايقات للاعبين شيشانيين مسلمين وقَّعوا للنادي في عام 2013، ورفعوا لافتات عملاقة في الملعب مكتوب عليها: «بيتار طاهر إلى الأبد».

لكن مع تبدُّل التحالفات الإقليمية، يمكن أن يكون للصفقة فوائد في العلاقات العامة. ويسير هذا الاتفاق على منوال توجُّهاتٍ يربو عمرها على عقدين من الزمان تبنَّتها كيانات تجارية خليجية، مثل طيران الإمارات، لتوقيع اتفاقيات رعاية أو تملُّك لفرق كرة قدم بارزة في جميع أنحاء أوروبا، ومن بينها نادي «مانشستر سيتي» البريطاني و«باريس سان جيرمان» الفرنسي.

صفقة نادي بيتار القدس.. قوة ناعمة

وفي هذا الصدد، قال أنشل بفيفر، كاتب عمود سياسي في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية ذات الميول اليسارية: «إن امتلاك فرق كرة قدم كبيرة في جميع أنحاء العالم أصبح وسيلة بالنسبة للإماراتيين والكويتيين والقطريين للتمتع بقوة ناعمة من خلال هذه الأندية الرياضية البارزة والشعبية. وعندما ننظر إلى (صفقة فريق بيتار) في هذا الإطار، يصبح الأمر منطقيًّا؛ لأن هذه هي الطريقة التي تجنح إليها هذه الدول الخليجية، والتي لديها كثير من المال، لممارسة الدبلوماسية والأعمال التجارية».

Embed from Getty Images

وتابع قائلًا: «إن امتلاك فريق رياضي غالبًا لا يكون أمرًا مربحًا جدًّا، لكنه يولِّد كثيرًا من العلاقات العامة… وفي هذه الحالة، لن تكون الصفقة مع فريق كرة قدم عادي – إنها مع فريق كرة قدم قريب من حزب الليكود». لقد تبنى الإسرائيليون صفقة التطبيع باعتبارها أول فرصة لعلاقات دافئة مع دولة عربية – وضربة إستراتيجية للجهود التي يقودها الفلسطينيون لمقاطعة إسرائيل.

وقبل أيام من توقيع الصفقة في شهر سبتمبر، قال هوجيج إنه سيزور الإمارات للبحث عن شريك إماراتي. وكان هوجيج واحدًا من آلاف السياح ورجال الأعمال الإسرائيليين الذين سافروا إلى الإمارات في أعقاب صفقة التطبيع. ونشر مطربون إسرائيليون مشاهير قصصًا على موقع التواصل الاجتماعي «إنستجرام» من أجنحتهم الفندقية في دبي، وعقد اليهود الأرثوذكس حفلات زفاف، وأجرى أصحاب رؤوس الأموال ندوات عبر برنامج «زووم (Zoom)» حول الاستثمار.

وأوضح الكاتب أن الاستثمار في نادي بيتار حظي باهتمام ضئيل في دولة الإمارات، ويرجع هذا إلى حد ما لأن الدوري الإسرائيلي لكرة القدم يفتقر إلى الشهرة الدولية، وقليل من الإماراتيين على دراية بتاريخ نادي بيتار المتعصب. وعلاوةً على ذلك قال محللون: إن الشيخ حمد، المستثمر في نادي بيتار، ليس أميرًا ملكيًّا معروفًا.

حل التطبيع وذهبت المقاطعة أدراج الرياح

وفي هذا الشأن قال عبد الخالق عبد الله، المستشار السابق لولي العهد محمد بن زايد آل نهيان وأستاذ العلوم السياسية في جامعة الإمارات، إن: «(التطبيع) أمر واقع بالنسبة لنا. والإمارات جادة في هذا الأمر، وهذا نشاط تجاري. وإسرائيل مجرد دولة أخرى تتعامل معها الإمارات، وقد ولَّى زمن المقاطعة، والتطبيع هو القائم الآن». ووصف عبد الله اتفاقات أبراهام بأنها محاولة من جانب أبوظبي لتعزيز قوة الإمارات وثقلها.

وأضاف أن «اتخاذ خطوة نحو التطبيع مع إسرائيل هو مجرد جزء من هذه المحاولة. وفي بعض الأحيان يكون هناك كثير من المخاطر المرتبطة بتلك الخطوة، لكنها مخاطرة محسوبة». وعلى الجانب الآخر في إسرائيل، ليس كل الناس يوافقون على صفقة بيتار؛ إذ وجَّه بعض مشجعي الفريق تهديدات ضد هوجيج ونظموا احتجاجات.

وزعم أحد مؤيدي بيتار في التلفزيون الإسرائيلي أن الصفقة ستمكِّن الإمارات من ممارسة نفوذ سياسي في تل أبيب. وكتب ديفيد روزنتال، المحرر الرياضي في موقع «والا الإخباري (Walla! News)» الإسرائيلي، أن هوجيج كان يحاول أساسًا بث حياة جديدة في فريق يعاني بالفعل من ضعف الأداء وانخفاض الحضور.

Embed from Getty Images

لكن العقبة الرئيسة في الصفقة هي حالة الشك أو عدم اليقين المحيطة بالتفاصيل المالية: إذ حذَّر خبراء مكافحة غسيل الأموال الإسرائيليون بالفعل من العلامات الحمراء الناشئة عن الاتفاق، وأثاروا تساؤلات حول مصادر التمويل الخاصة بالشيخ حمد. إذ إن الشيخ حمد عضو غير معروف في العائلة المالكة الإماراتية.

ويشير موقع «الويب» الخاص بشركته القابضة، إدارة حمد بن خليفة للمشاريع، أن عمل الشركة منحصر في أنشطة تجارية بدءًا من التكنولوجيا الزراعية إلى التعدين إلى معدات الاتصالات. وأبرمت إدارة حمد بن خليفة للمشاريع شراكة مع شركة جوتشان (GoChain) الناشئة الخاصة بالعملات المشفرة لإنشاء صوب بلاستيكية ذكية في الإمارات. كما دخلت الشركة القابضة في شراكة مع رجل الأعمال البولندي للعملات الرقمية رومان زيميان، الذي اتهمته السلطات البولندية بالفساد.

الجانب الإسرائيلي يدقق في صفقة نادي بيتار

وذكر الكاتب أن هوجيج اشترى شركة بيتار في عام 2018 مقابل 7.2 مليون دولار بالإضافة إلى ديونها وأعلن أنه سيضعها على «مسار جديد»، ويشمل ذلك وقف سياسة التعاقد التمييزية. لكن هوجيج، وهو نفسه رجل أعمال في مجال العملات المشفرة، كان هدفًا لدعاوى احتيال متعددة تتعلق بمشاريعه المشفرة.

واتهمت دعوى قضائية رفعتها محكمة اتحادية في ولاية واشنطن عام 2019 هوجيج وشركته الناشئة «ستوكس تكنولوجيز (Stox Technologies)» بالاحتيال وخرق التعاقد، واستخدام العائدات من مبيعات العملات المشفرة لتمويل الاستحواذ على شركة «بيتار»، فضلًا عن التبرع لشركة جامعة تل أبيب.

وقال متحدث باسم «الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم (IFA)» إن الاتحاد أعطى نادي بيتار قائمة بالأسئلة وطلبات الإيضاح بشأن الصفقة في الاجتماع الذي عُقد في الحادي والثلاثين من شهر ديسمبر (كانون الأول). وبعد الاجتماع مجددًا، وبالتحديد في السادس من شهر يناير (كانون الثاني)، أصدر الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم بيانًا قال فيه إنه لا يمكنه الموافقة على تغيير الملكية بعد، لأنه لم يتلقَ المعلومات المطلوبة من نادي بيتار، لكنه أضاف أن عملية التدقيق ستستمر. ويتعامل الاتحاد مع جهة تحقيق مالية إسرائيلية بارزة، مكتب مجيدو للاستخبارات المالية، وذلك لإجراء المراجعة الواجبة.

وردًا على سؤال حول ما إذا كان الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم يحقق في احتمال وجود مشترٍ غير قانوني، قال المتحدث باسم الشركة شلومي بارزل لمجلة «فورين بوليسي» الأمريكية: إنَّ الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم يفحص «كل ما هو ضروري وممكن»، وتوقَّع أن القرار النهائي سيُتَّخذ في غضون أسبوعين. ولم يرد المتحدثون باسم هوجيج والشيخ حمد على طلبات المجلة التعليق على الأمر.

Embed from Getty Images

ويخلُص الكاتب إلى أنه إذا تحققت الموافقة على الصفقة، فمن غير الواضح ما إذا كان أكثر أنصار نادي بيتار المتحمسين للغاية سيظلون مخلصين لناديهم أم لا. وقد نشطت جماعة الأولتراس «لا فاميليا» أيضًا في مجال السياسة اليمينية، ونجحت في وقت من الأوقات في حشد تجمع نيابةً عن جندي إسرائيلي أدين بقتل فلسطيني بالخطأ بعد أن أطلق النار عليه بالفعل، وأخضَعه لسيطرته.

عربي

منذ أسبوعين
«هآرتس»: في التعليم والصحة.. الإمارات تشتري مصر بأموالها

كرة القدم في إسرائيل تخضع للسياسة

ويختم الكاتب مقاله مؤكدًا أن كل أنشطة كرة القدم في إسرائيل مُسيَّسة. وفي هذا الصدد، قالت مايا زينشتاين، الصحافية التي أنتجت فيلمًا وثائقيًّا حائزًا على جائزة «الإيمي» عن مشجعي بيتار وحملتهم ضد التعاقد مع لاعبين شيشانيين عام 2013: إنه «على نحو غريب جعل هذا النادي فكرة كونه ناديًّا غير عربي، أو غير مسلم، جزءًا من هويته».

وقالت مايا: إن حملة «لا فاميليا» في ذلك الوقت أضرَّت بصورة الفريق وقلَّصت من عائداته، لكنها أبرزت ناديهم في الجانب اليميني الإسرائيلي. وتابعت: «لدى جماعة «لا فاميليا» هذه القوة الهائلة في قاعدة المشجعين، وقد حوَّلوا هذه القوة إلى السياسة».

وفي هذا السياق قال محمد باهارون، الباحث في مركز دبي لأبحاث السياسة العامة: إن عرض الملكية الذي قدَّمه الشيخ حمد يُعد محاولة «شجاعة» لبناء النفوذ والجسور في المنطقة، لا سيما بالنظر إلى التاريخ العنصري للفريق. وتابع: «يجب أن أقول إنني فوجئت قليلًا باختياره لهذا النادي… إنه أصعب تحدٍ ممكن. ولكن في جميع أنحاء المنطقة، كان يُنظر دائمًا إلى الاستثمار في أندية كرة القدم على أنه وسيلة للتواصل، والجسور الثقافية، والقوة الناعمة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد