نشرت مجلة «فوربس» الأمريكية تقريرًا لأندريا لوبير، المديرة التنفيذية والمُؤسِّسة المشاركة في مؤسسة «ميلبيرد» (Mailbird)، تناولت فيه الحديث عن الاتجاه الذي سلكته الشركات والمِهن التجارية من أجل العمل عن بُعد. وخلُصت الكاتبة إلى أن خصائص بعض المهن والشركات تحول دون أدائها من المنزل.

تستهل الكاتبة تقريرها بالإشارة إلى أن العمل عن بُعد في بعض القطاعات، مثل تكنولوجيا المعلومات، كان شائعًا منذ سنوات، لأنه يوفِّر للشركات الحرية والمرونة لبناء منتجات بصورة أسرع، وتوظيف أفضل المواهب في العالم، والتمتُّع بمزايا أخرى من مزايا إنشاء موقع مستقل للعمل. وبالنسبة للصناعات الأخرى، ربما تكون مباشرة العمل عبر الإنترنت أصعب، بل مستحيلة، ولكن عام 2020 وضع قواعده الخاصة.

وتضيف الكاتبة: دعونا نرى كيف أثَّرت أزمة كوفيد-19 في انتشار العمل عن بُعد، وكيف تعاملت الشركات مع عام 2020 وتحدياته المستمرة.

معارضة الانتقال إلى العمل عن بُعد

على الرغم من حقيقة أن شركات التكنولوجيا أصبحت رائدة في بعض الاتجاهات المكتبية الحديثة، بما في ذلك ملابس العمل غير الرسمية، وبيئات المكاتب المفتوحة، والمكاتب الواقفة، عارض بعض عمالقة التكنولوجيا العمل عن بُعد لوقتٍ طويلٍ. ولعل أبرز الأمثلة على ذلك فشل موقع «ياهو» في عام 2013 عندما حُظِر العمل عن بُعد بصورة أساسية عبر الموقع الذي يقدم خدمات الإنترنت.

صحة

منذ 5 شهور
مترجم: العمل من المنزل.. نصائح وحيل مفيدة لتهيئة بيئة عمل منزلي صحية

وترى الكاتبة أن العمل المنتظم في المكاتب يتمتع بفوائده الخاصة أكثر من بالعمل عن بُعد، مثل:

  • المكاتب تمنح الشركات مزيدًا من التحكم في آليات العمل.
  • الاجتماعات المباشرة من المفترض أن تكون أكثر إنتاجية من المكالمات عبر الإنترنت.
  • بعض الأشخاص يحتاجون إلى تفاعل شخصي.
  • الحضور الفعلي في المكتب يحفز التعاون الإبداعي.

ولكن بدأ عام 2020، وأصبح العمل عن بُعد الوضع الطبيعي الجديد والوسيلة الوحيدة غالبًا لاستمرار عمل كثير من الشركات. وسواء كان ذلك تحوُّلًا قسريًّا أم لا، دفعت أشهرٌ من القواعد التي فرضها التباعد الجسدي، ولوائح الحجر الصحي وعمليات إغلاق البلاد، الشركاتِ إلى إعادة التفكير بشأن آليات العمل وإعادة هيكلتها. ولم يكن لدى كثير من الناس على الطاولة سوى خيارين اثنين فقط، وهما: التأقلم مع الوضع، أو التوقف عن العمل.

كيف تتعامل الشركات مع العمل عن بُعد الناجم عن الأوبئة؟

ووفقًا لورقة بحثية بشأن تأثير كوفيد-19 في نتائج الشركات التجارية الصغيرة وتوقعاتها، أغلقت 43% من الشركات الأمريكية التي شملتها الدراسة الاستقصائية أبوابها مؤقتًا بعد مرور أسابيع قليلة على وقوع الأزمة. وخلال المدة ذاتها، نقلت 45% من الشركات التجارية الكبيرة والصغيرة على حد سواء في الولايات المتحدة جزءًا من موظفيها إلى العمل عن بُعد، حسبما أفادت الرابطة الوطنية لاقتصاديات الأعمال (وهي أكبر جمعية دولية للاقتصاديين التطبيقيين، والإستراتيجيين، والأكاديميين، وواضعي السياسات الملتزمين بتطبيق الاقتصاد).

Embed from Getty Images

وتضيف الكاتبة: ووفقًا لهذه الأرقام، يبدو أن بعض الشركات كانت تأمل في أن تنتهي هذه الأزمة في غضون أسابيع. ومع مرور الوقت، نُفِّذَت نماذج عمل جديدة ولكن لم تُستغَل استغلالًا كاملًا. وهذا يطرح سؤالين:

ما الشركات التجارية التي يمكن أن تنتقل إلى العمل عن بُعد؟

ما السمات المهنية المناسبة للعمل عن بُعد؟

كيف أثَّرت أزمة كوفيد-19 في شركات التكنولوجيا الضخمة؟

وتمضي الكاتبة قائلة: على الرغم من أن التكنولوجيا تبدو أكثر قابلية للتكيُّف مع العمل عن بُعد، اضطرت الشركات القائمة في مدينة سيليكون فالي (تقع سيليكون فالي في المنطقة الجنوبية من خليج سان فرانسيسكو في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، وتتميز بنشاط عدد كبير من الشركات التكنولوجية) وغيرها من الشركات التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرًّا لها إلى تقليص أكثر من 40 ألف وظيفة بحلول مايو (أيار) 2020. وكانت النسبة الأكبر في هذا العدد من نصيب شركة «أوبر»، إذ سرَّحت الشركة أكثر من 7 آلاف موظف، وفقًا لمصادر رسمية.

وبالإضافة إلى ذلك، أُجبرت شركات كثيرة من الشركات الناشئة في سيليكون فالي على الفرار من مواقعها، وبيع مساحات العمل المشتركة والمنازل والسيارات؛ إذ كانت تكاليف الصيانة باهظة الثمن في الوقت الذي كانت فيه المرافق والمركبات قليلة الاستخدام بسبب تدابير الحجر الصحي. وانتقل العاملون أيضًا من منطقة باي إريا (تقع في خليج سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة) ذات الثمن الباهظ إلى أماكن أخرى أقل تكلفة، حيث يمكنها استئجار أو شراء منازل بها مساحة أكبر لاستيعاب العمل عن بُعد.

وفيما يخص أولئك الذين انتقلوا إلى العمل عن بُعد، تظل التنبؤات المتعلقة بالعودة إلى العمل في المكاتب غير مؤكدة. وتواصل المكاتب التي تعتزم إعادة فتح أبوابها تأجيل مواعيدها النهائية لممارسة أعمالها. على سبيل المثال، قدَّرت شركة «جوجل» في يوليو (تموز) 2020 أنها ستستأنف العمل في المكاتب بحلول صيف عام 2021، ولكن في ديسمبر (كانون الأول)، أرجأت الشركة الموعد إلى وقت ما في سبتمبر (أيلول) 2021.

وترى بعض الشركات أن العمل من مكاتب نائية (العمل عن بُعد) بمثابة اتجاه مستمر لحين إشعار آخر، ومن هذا المنطلق، منح «فيسبوك» موظفيه مكافأة تُقدَّر بألفي دولار من أجل إنشاء مكاتب في منازلهم.

Embed from Getty Images

ومن ناحية أخرى، شهدت الشركات التي تسهِّل مراعاة قواعد التباعد الجسدي زيادة في الطلب على خدماتها. وتعمل مؤسسة «كورسيرا»، عملاق تكنولوجيا التعليم، على توسيع نطاق تعاونها مع الجامعات، بينما زاد انتشار تطبيق «زووم» حتى ظهرت تطبيقات تعاون جديدة أو تحسَّنت تطبيقات حالية، مثل تطبيق «مايكروسوفت تيمز». كما تشهد تطبيقات توصيل البقالة ارتفاعًا؛ إذ يستفيد تطبيق «إنستاكارت» (وهو موقع أمريكي يقدم خدمات توصيل البقالة) من زيادة الطلب على خدماته بنسبة 150%.

الشركات التجارية التي تكافح من أجل العمل عن بُعد

بينما جرت أتمتة مزيد من الأعمال (تشير الأتمتة إلى التشغيل الآلي بدون تدخل بشري) فضلًا عن إمكانية تأديتها عن بُعد، يصعب تنفيذ بعض الأنشطة بعيدًا عن موقع العمل.

ونتيجةً لذلك، تَحُوُل طبيعة بعض المِهن والشركات التجارية دون ممارسة أعمالها بالكامل عبر الإنترنت. وتتضمن هذه الوظائف ما يلي:

  • مقدمي الرعاية والعناية بالصحة.
  • التوصيل والمواصلات.
  • أعمال البناء.
  • التصنيع.
  • التركيب والصيانة والإصلاحات.
  • إعداد الطعام وخدماته.
  • خدمات وقائية، وغيرها من الخدمات.

وتتمثَّل المهن التي لديها فرصة أفضل لممارستها من المنزل في أجهزة الحاسوب، والتعليم، والقطاعات المالية، والقانونية، والإدارية، والفنية.

وكما يوضح جوناثان دينجل، أستاذ الاقتصادات المساعد في جامعة شيكاغو، وبرنت نيمان، مدير المبادرة الدولية للاقتصادات التابعة لمعهد بيكر فريدمان في جامعة شيكاغو، من المرجح أن يعمل العاملون ذوو الدخل المرتفع من المنزل، وتقل إمكانية عدم قدرتهم على العمل أثناء وقوع الأزمات، وظل هذا التفاوت قائمًا أثناء تفشي كوفيد-19. ويمكن أن تساعد هذه النتائج صنَّاع السياسات على توجيه المساعدات المالية نحو المجموعات التي تحتاجها.

العمل عن بعد قبل تفشي كوفيد-19 وبعده

وتنوِّه الكاتبة إلى أن معدلات ارتفاع وتيرة العمل عن بُعد تتطابق مع أوقات وقوع الأزمات. وفي عام 2001، عندما بدأت اتصالات النطاق العريض لتوِّها في أن تحل محل الاتصال الهاتفي، أسفرت مأساة 11 سبتمبر وهجمات الجمرة الخبيثة (أوضح مكتب التحقيقات الفيدرالي حينها أن تنظيم القاعدة مسؤول عن تنفيذها) عن زيادة الاهتمام بالعمل عن بُعد بعد أن أُجبرت كثير من المكاتب الحكومية الرئيسة على إغلاق أبوابها. وبعد مرور ثلاث سنوات، وفي أثناء جلسة استماع للجنة، أعرب عضو الكونجرس، توم ديفيس، عن قلقه بشأن نقص فرص العمل عن بُعد في «عالم ما بعد 11 سبتمبر».

Embed from Getty Images

وبعد مرور بضع سنوات، كانت هناك ذروة أخرى في الاهتمام بالعمل عن بُعد. وعلى الجانب الآخر من العالم، شهد عاما 2010 و2012 وقوع زلزالين في نيوزيلندا. وانتقلت الوكالات الحكومية بالكامل، في هذه المرة، إلى العمل من المنزل.

وتوفر فرص العمل عن بُعد استمرارية في الخطط التشغيلية، وليس بالنسبة للجهات الحكومية فحسب. ويجب أن يصبح العمل عن بُعد بأشكاله المختلفة جزءًا لا يتجزأ من خطط التأهب والاستجابة للطوارئ التي تنفِّذها الشركات التي تؤمِّن 37% من الوظائف المناسبة للعمل عن بُعد.

وأردفت الكاتبة قائلة: جدَّدت الجائحة الاهتمام بالعمل عن بُعد عبر الصناعات، بغض النظر عن أحجام الشركات، وزادت من هذا الاهتمام. وفي الولايات المتحدة، انخفض عدد الموظفين الذين لم يعملوا من المنزل مطلقًا من 47% إلى 34% في عام 2020، بينما قفز عدد الأشخاص الذين يعملون من المنزل لمدة خمسة أيام أو أكثر في الأسبوع، في الوقت ذاته، من 17% إلى 44%، ما وصفته الكاتبة بالنسبة المذهلة.

ومع ذلك، لا يرغب كل الموظفين في مواصلة العمل من المنزل عندما تنتهي الجائحة. على سبيل المثال، يرغب 12% فقط من الموظفين في شركة «وي وورك» (وهي شركة أمريكية للعقارات التجارية تأسست في عام 2010 وتتخذ من ولاية نيويورك مقرًّا لها) في الحفاظ على هذا الترتيب، بينما يودُّ الآخرون أن يعودوا إلى المكاتب مرتين إلى ثلاث مرات في الأسبوع.

فوائد العمل عن بُعد.. الجائحة تدفعنا إلى المنزل

«الرقمنة الصناعية وعادات العمل الجديدة هي نوع من الأمور التي يقوم عليها عملنا. وهذه الأزمة تجبر الناس على التفكير في كيفية أداء العمل. ولا أعتقد أن الوضع سيعود إلى طبيعته بمجرد انتهاء فيروس كورونا، وسيتَسبَّب هذا في إدخال تغييرات دائمة في عادات العمل الخاصة بنا. لذلك، يجب أن يساعدنا هذا، من الناحية النظرية، على المضي قدمًا في هذا الصدد».

هكذا قال تيرو ألتونين، الرئيس التنفيذي لشركة «أوجمينتا»، وهي شركة فنلندية تعمل على تطوير حلول الواقع المعزز (وهو عبارة عن تكنولوجيا قائمة على إسقاط الأجسام الافتراضية والمعلومات في بيئة المستخدم الحقيقية لتوفير معلومات إضافية) التي تتيح العمل عن بُعد في المصانع.

Embed from Getty Images

وبالنسبة للوظائف التي لا تلزم العاملين بممارسة العمل في مقر العمل، تتمثَّل إحدى أكبر الفوائد التي يمكن أن تجنيها الشركات في خفض تكاليف العقارات. وشراء المساحات المكتبية، وتأجير المكاتب ومساكن الموظفين، وجميع أعمال التجديد يزيد من متطلبات الميزانية الضخمة.

وتؤكد الكاتبة أن الانتقال إلى العمل عن بُعد كليًّا أو جزئيًّا يعني أن الشركات لا تحتاج سوى قليل من أماكن العمل، أو لا تحتاج إلى أي أماكن للعمل على الإطلاق. ويمكن أن تحتفظ الشركات بمكتب في موقع منخفض التكلفة، فضلًا عن توظيف عاملين من مناطق تكون فيها تكلفة المعيشة والرواتب أكثر ملاءمة لميزانية الشركة.

ومن ناحية أخرى، يمكن أن تخصِّص الشركات التي تخفِّض التكاليف ببساطة على العقارات الأموال لمجالات أخرى ذات أهمية، مثل:

  • اختبار نماذج عمل جديدة.
  • تعيين موظفين أكثر كفاءة أو أفضل تأهيلًا.
  • المجازفة بالدخول في قطاعات جديدة.
  • تنفيذ نماذج عمل جديدة وتحسينها.
  • الاستثمار في مبادرات جديدة (مثل الشركات الناشئة والجمعيات الخيرية).

وتتضمن مجالات الاهتمام الضخمة التي يمكن للشركات التي تعمل عن بُعد أن تسعى إلى تحقيقها، بوصفها فرصة للتطوير والاستثمار، في الواقع الافتراضي. وفي عام 2019، توقَّع تقرير صادر عن شركة «برايس ووترهاوس كوبرز» (التي تأسست في عام 1998 وتتخذ من العاصمة الإنجليزية لندن مقرًّا لها، وهي ثاني أكبر شركة في تقديم الخدمات المهنية في العالم) بعنوان «المشاهدة تُمثِّل المصادقة» إضافة 1.5 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030، وهذا بفضل هذه التكنولوجيا.

عام

منذ سنتين
«بيزنس إنسايدر»: 6 نصائح لتحسين إنتاجيتك أثناء العمل من المنزل

وقد اتخذ الواقع الافتراضي والواقع المعزز بالفعل مسارًا لتسريع تطوير المنتجات وتدريب الموظفين وتحسين خبرة العملاء. والآن، ولأن المكاتب الافتراضية قيد الإعداد، لا تبدو التوقعات بعيدة المنال.

النتائج والدروس المستفادة

وتؤكد الكاتبة أن الاستفادة من التغييرات السريعة في التكنولوجيا وتكييف بيئات العمل خاصتنا مع الوقت الحاضر أمر حتمي. وعندما يتعلق الأمر بتأثيرات مكان العمل، يُقلل العمل عن بُعد من المخاطر الصحية، ويقلص تكاليف الميزانية.

وأصبحت كثير من الشركات أكثر حرصًا على توظيف عاملين بناءً على المهارات بدلًا من الموقع وأصل النشأة. وتستطيع هذه الفرق المتنوعة أن تصنع منتجات أفضل نظرًا إلى فهمها الأوسع نطاقًا للعملاء واحتياجاتهم. ومع ذلك، لا يمكن أن تنتقل بعض الأعمال التجارية والمهن التي تتطلب تفاعلات بين الأشخاص وإجراء أنشطة في موقعها بالكامل إلى العمل عن بُعد.

Embed from Getty Images

وفي الختام، تؤكد الكاتبة أن جائحة فيروس كورونا أعادت بالتأكيد تشكيل وجهة نظرنا عن مقر العمل في القرن الحادي والعشرين، ومن المفترض أنها ستعجِّل بالانتقال إلى نموذج هجين يتضمن كلًّا من العمل عن بُعد، والعمل داخل المكاتب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد