من بين الإمبراطوريات التي نشأت وازدهرت على وجه هذه الأرض، ما هي الدول الخمس الأقوى؟ وكيف يمكن حتى تحديد أقوى خمس إمبراطوريات من بين مئات الإمبراطوريات التي ازدهرت على مدى الخمس آلاف سنة الماضية؟

تقرير نشرته مجلة «ذي ناشيونال انترست» الأمريكية رصد أقوى خمس إمبراطوريات هيمنت على التاريخ البشري، والتي شملت الإمبراطورية الفارسية، والإمبراطورية العربية أو الخلافة، والإمبراطورية البريطانية، والإمبراطورية المغولية والإمبراطورية الرومانية.

وقال التقرير إن هذه الامبراطوريات كانت ببساطة قوية جدًا، كبيرة، ومؤثرة على مدار التاريخ، بحيث أنها تستحق أن تسمى الإمبراطوريات الأعظم.

1- الإمبراطورية الفارسية

تأسست الإمبراطورية الأخمينية الفارسية على يد «سايروس» حوالي عام 550 قبل الميلاد، الذي لقب ملك الملوك (شاهنشاه). على الرغم من أن الإمبراطورية الفارسية كانت قد وصلت إلى نهايه مغمورة على يد «الإسكندر الأكبر» عام 330 قبل الميلاد، إلا أنها كانت لديها إرثًا ممتدًا فيما يتعلق بالتطور اللاحق للحضارات والإمبراطوريات في المستقبل. في الواقع، كانت الإمبراطورية الفارسية إمبراطورية محورية لأنها كانت أول إمبراطورية حقيقية تضع معايير لما يعنيه أن تكون إمبراطورية في المستقبل.

وُجدت الإمبراطورية الفارسية في وقت فريد من نوعه في التاريخ، عندما كان معظم العالم الحضاري المأهول بالسكان يتركز في أو بالقرب من منطقة الشرق الأوسط. ونتيجة لذلك، فإن الإمبراطورية الفارسية، التي هيمنت على معظم دول الشرق الأوسط، حكمت نسبة أكبر من سكان العالم أكثر من أي إمبراطورية أخرى في التاريخ.

في عام 480 قبل الميلاد، كان التعداد السكاني في الإمبراطورية الفارسية يبلغ حوالي 49 مليون نسمة، وهو ما شكل 44% من سكان العالم في ذلك الوقت. كانت الإمبراطورية الفارسية الإمبراطورية الأولى التي تربط مناطق متعددة بالعالم، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وآسيا الوسطى والهند، وأوروبا، وعالم البحر المتوسط.

كان من الممكن جمع مثل هذه الإمبراطورية الكبيرة فقط معًا عن طريق القوة العسكرية، وكانت الإنجازات العسكرية للإمبراطورية الفارسية كبيرة رغم زوالها المفاجئ على أيدي جيوش «الإسكندر الأكبر».

نجحت الحملات الفارسية المختلفة في إخضاع معظم الحضارات المتقدمة في العالم في ذلك الوقت بما في ذلك البابليين، والمصريين، والمنطقة الهندوسية شمال غرب غانذارا، في باكستان اليوم. بدأت الإمبراطورية الفارسية في فترة من الوئام والسلام في الشرق الأوسط لمدة مائتي سنة، وهو الإنجاز الذي نادرًا ما تكرر.

يشمل إرث الإمبراطورية الفارسية في العالم استخدام شبكة من الطرق، والنظام البريدي، لغة واحدة للإدارة (الآرامية الإمبريالية)، الحكم الذاتي للقوميات المختلفة، والبيروقراطية. الديانة الفارسية، الزرادشتية، أثرت على تطوير المفاهيم الأساسية مثل حرية الإرادة والسماء والجحيم في الأديان الإبراهيمية من خلال اليهودية.

2- الإمبراطورية الرومانية

كانت الإمبراطورية الرومانية لفترة طويلة الإمبراطورية المثالية للعالم الغربي. ولكن أهميتها لم تكن نتاجًا للأثر الغربي: كانت الإمبراطورية الرومانية حقًا واحدة من أكبر الإمبراطوريات في التاريخ. حاز الرومان قدرة رهيبة على الغزو وسيطروا على مساحات واسعة من الأراضي لمئات أو حتى لآلاف السنين.

ولكن لم تكن سيطرة الإمبراطورية الرومانية عن طريق القوة الغاشمة وحدها؛ بمجرد غزوهم، تطلع الناس ليصبحوا رومانيين، وهو ما كان يعني المشاركة في ثقافة مهذبة، كلاسيكية، ومتطورة.

العديد من الميزات الهامة للعالم الحديث هي نتيجة للإمبراطورية الرومانية. نشر الرومان الثقافة الإغريقية (اليونانية)، ومرروا العمارة اليونانية والفلسفة والعلوم للأجيال المقبلة. وفي وقت لاحق، ساعد احتضان الرومان للمسيحية على الارتقاء بهذه الديانة من عبادة بسيطة إلى إحدى الديانات الكبرى في العالم.

كان للقانون الروماني أيضًا تأثير في جميع النظم القانونية اللاحقة في الغرب. مثلت المؤسسات الرومانية أيضًا مصدر إلهام لأنظمة الحكم في الديمقراطيات الحديثة. وعلى الرغم من سمعة اليونان باعتبارها «مهد الديمقراطية»، فقد تأثر الآباء المؤسسون الأمريكيون في المقام الأول بالممارسات البريطانية والرومانية. في الواقع، تحدث العديد منهم في كثير من الأحيان عن كرههم للتجربة الأثينية في الديمقراطية وإعجابهم بالنموذج الروماني فيما يتعلق بالحكومة المختلطة، حيث تشاركت العناصر الملكية، الأرستقراطية، والديمقراطية السلطة.

كان الرومان شعبًا عنيدًا. كانوا قادرين على استعادة توازنهم بعد العديد من النكسات. على الرغم من أن الجنرال «هانيبال» القرطاجي دمر تقريبًا الرومان بعد معركة كاناي في عام 216 قبل الميلاد، إلا أن الرومان كانوا قادرين على تحقيق النصر في قرطاج في وقت لاحق بعد حوالي أربعة عشر عامًا.

كانت جحافل الروم مهيمنة عسكريًا لعدة قرون، وهو ما مكن الرومان من حكم ما يقرب من جميع الشعوب المتحضرة الأخرى في شرق البحر الأبيض المتوسط والأدنى باستثناء الفرس لمئات السنين، وواجهوا فقط غارات طفيفة من قبل قبائل غير منظمة.

عندما انهارت الإمبراطورية، كان ذلك نظرًا للأزمات المستمرة والحرب الأهلية بدلًا من غزوها من قبل القبائل الجرمانية.

3- الخلافة

كانت الإمبراطورية العربية، والمعروفة أيضًا باسم الخلافة، كيانًا سياسيًا أسسه النبي «محمد»، والتي شملت معظم الجزيرة العربية قبل وفاته عام 632 ميلاديًا. من المنطقي أكثر أن نسمي هذه الإمبراطورية العربية بدلًا من الإمبراطورية المسلمة، لأنه في حين أن الاسلام ظهر وانتشر بسبب هذه الإمبراطورية، كانت هناك العديد من الإمبراطوريات اللاحقة، التي كانت مسلمة قانونًا أو يحكمها مسلمون ولكنها لم تكن عربية.

بعد النبي «محمد»، جاء الخلفاء الراشدون الأربعة، الذين تم اختيارهم بالتوافق حتى عام 661 ميلاديًا. ثم حكمت الخلافة الأموية حتى عام 750، تلتها الخلافة العباسية.

انتهت الإمبراطورية العربية بشكل فعال حوالي عام 900، على الرغم من أن العباسيين حافظوا على دورهم الديني وخلفائهم في بغداد حتى تدمير تلك المدينة على يد المغول عام 1258. بعد عام 900، بدأت الإمبراطورية تنهار سياسيًا مع ظهور السلالات المتنافسة، وكثير منهم أتراك وفارسيون في الأصل، وكذلك الخلفاء المنافسون في الأندلس ومصر.

ومع ذلك، كانت الإمبراطورية العربية غير عادية في وقتها، سواء بسبب نجاحها العسكري، أوبسبب إرثها.

من المدهش أن يقوم أبناء قبائل غير منظمة، على هامش الحضارة العالمية، بهزيمة الإمبراطورية البيزنطية والساسانية والإطاحة بالإمبراطورية الفارسية.

الفتوحات العربية هي مثال جيد على كيف يمكن للحماسة العقائدية أن تصل في بعض الأحيان لأوجه القصور التكنولوجية والتنظيمية، وجنرالات العرب في هذه الفترة يستحقون أن يصنفوا من بين أعظم العباقرة العسكريين في العالم، وخصوصًا في عهد الخليفة الثالث «عمر بن الخطاب»، الذي غزا المنطقة من مصر إلى بلاد فارس في عشر سنوات. في 100 سنة، نمت الإمبراطورية العربية لتكون أكبر بعدة مرات من الإمبراطورية الرومانية في أوجها.

نظرًا لموقعها، فقد ربطت الإمبراطورية العربية، مثل الإمبراطورية الفارسية قبل ذلك، ربطت غيرها من مراكز الحضارة العالمية في أفريقيا وأوروبا وآسيا الوسطى والهند والصين. ونتيجة لذلك، كانت السلع والمعرفة من جميع هذه المناطق قادرة على التمازج للمرة الأولى، مما أدى إلى مفاهيم جديدة مثل الجبر.

الإرث النهائي للإمبراطورية العربية، بالطبع، هو دين الإسلام، الذي يتبعه أكثر من مليار شخص اليوم.

4- الإمبراطورية المغولية

كانت الإمبراطورية المغولية إمبراطورية أخرى نشأت على الهامش، ورغم كل الصعاب، فقد هزمت أعداء أقوى منها بكثير. كانت الإمبراطورية المغولية هي الإمبراطورية الأكبر التي تضم أراضي متجاورة في العالم، وأدخلت الرعب في قلوب أعدائها. تأسست من قبل القائد العسكري المغولي «جنكيز خان» عام 1206 بعد الميلاد. نمت الإمبراطورية المغولية بالسيطرة على أجزاء من الصين.

ولكن اللحظة الفارقة في تاريخ الإمبراطورية المغولية كانت عندما قُتل سفراؤها على يد قادة الإمبراطورية الخوارزمية المجاورة، والتي شملت إيران وأفغانستان وآسيا الوسطى. اعتبر هذا بمثابة إهانة مؤلمة للخان الأعظم وانتقام المغول اللاحق دمر آسيا الوسطى وانتهى عصرها الذهبي.

على الرغم من أنه كان هناك فقط حوالي مليوني مغولي في العالم كله، فقد غزوا معظم دول الشرق الأوسط وروسيا، والصين في عهد أحفاد «جنكيز خان». أثناء أوجها، فقد عانت الإمبراطورية المغولية بعض الانتكاسات وفشل غزوها لليابان وهُزمت في معركة عين جالوت ضد المماليك المصريين.

كيف كان المغول قادرين على إنجاز هذه النجاحات؟ 

على الرغم من تعداد سكانهم الصغير، إلا أنهم كانوا قادرين على حشد جيوش كبيرة ضد أعدائهم.

قتلت الفتوحات المغولية الملايين من الناس ولكنها أسست بعد ذلك حقبة قصيرة من السلام والازدهار مع انتشار التجارة عبر مساحة كبيرة. على المدى الطويل، ومع ذلك أثبت المغول عدم كفاءة في إدارة إمبراطوريتهم، التي انقسمت في نهاية المطاف إلى 4 إمبراطوريات صغيرة قبل أن تتراجع كل منها في نهاية المطاف أو تواجه مزيدًا من الانقسام.

5- الإمبراطورية البريطانية

أسس البريطانيون العالم الحديث. ألهمت المؤسسات البريطانية الديمقراطية فلاسفة التنوير الفرنسيين مثل «مونتسيكيو» لاستنباط نظريات الحكم الحديثة، التي أثرت على الدول الأوروبية الحديثة الأخرى.

كانت الخصائص الرئيسية للإمبراطورية البريطانية –  الالتزام بالليبرالية، وسيادة القانون، والحقوق المدنية، والتجارة – مفيدة في مساعدة الإمبراطورية لتنمو وتزدهر باستمرار مهما كان حجم الأراضي التي تسيطر عليها.

وعلاوة على ذلك، تم الاحتذاء بنموذج الإمبراطورية البريطانية على نطاق واسع، سواء كان ذلك لبراعتها المالية أو لقوتها البحرية. في ذروتها في أوائل القرن العشرين، امتدت الإمبراطورية البريطانية عبر ما يقرب من ربع العالم، أكبر من أي إمبراطورية في التاريخ.

كان هذا الإنجاز ممكنًا بسبب الإنجازات التنظيمية والبراعة المالية وليس من خلال الجيش الضخم في إنجلترا. على سبيل المثال، الغزو البريطاني للهند تم من قبل القوات الهندية، التي اختارت خدمة البريطانيين بسبب الرواتب المنتظمة والفوائد التي تقدم لهم. كما أظهرت لندن قدرة ملحوظة على التعامل مع حروب متعددة في وقت واحد. وعلى الرغم من أنهم خسروا أحيانًا معارك، فإن البريطانيين نادرًا ما خسروا الحروب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد