ربما نكون قد وصلنا إلى نقطة تشبع واستقرار في مجال التطبيقات والخدمات الإلكترونية، واحتلت شركات مثل جوجل وفيسبوك وسناب الأسواق الأكثر أهمية في هذا المجال وأغلقت الباب وراءها.

في السبعينيات كانت آبل ومايكروسوفت. في الثمانينيات كانت AOL. في التسعينيات كانت أمازون وياهو وجوجل. وفي الألفينات كانت فيسبوك.

لكن يصعب أن تسمِّي شركة تقنية نشأت بعد العام 2010 وبلغت ما بلغه العمالقة السالف ذكرهم، وآخرهم فيسبوك. ربما يرد اسم شركة النقل التشاركي «أوبر» على ذهنك، وقد بدا بالفعل أنها في طريقها لتنضم إلى صفوف عمالقة «سيليكون فالي». لكن الاستقالة المخزية لمديرها التنفيذي «ترافيس كالانيك» وضعت مستقبل الشركة على المحك، وأدخلتها في أزمة لا يبدو أنها ستتعافى منها.

ما زالت هناك شركات جديدة تنشأ في «سيليكون فالي» بالطبع. لكن أغلبها لا يرقى إلى مستوى الشركات العملاقة التي أحدثت ثورة في مجالاتها.

في تقرير نشرته شبكة «Vox» تساءل تيموثي لي، ما الذي يحدث؟ وارتحل إلى «سيليكون فالي» ليطرح السؤال على عددٍ من المديرين التنفيذيين والمستثمرين: هل انتهى عصر شركات التكنولوجيا الناشئة؟ ولماذا؟

التعلم من الأخطاء

يقول المستثمر فين بارنز إن شركات التقنية العملاقة درست بعناية أخطاء السابقين، وعزمت على الابتعاد عنها وعدم تكرارها. يعرف الجميع في سيليكون فالي قصص شركاتٍ مثل AOL وياهو، التي سطع نجمها فترةً قبل أن تهوي بفعل تحولات كبرى في مجال التقنية.

واجهت شركة فيسبوك تحولًا مماثلًا كان هو اختبارها الأول الكبير، تمثَّل في شيوع الهواتف الذكية. بدأ فيسبوك بموقعٍ على شبكة الإنترنت، مثل ياهو. لكن بينما تسبب التحول إلى الهواتف الذكية في سقوط شركة ياهو، رأى مارك زوكربيرج مبكرًا أهمية الهواتف المحمولة المزودة بشاشات اللمس، ودفع بمهندسي الشركة تجاه صنع تطبيقاتٍ تناسب الهواتف المحمولة باعتبارها الأولوية الأهم.

لم يكتفِ زوكربيرج بالاستثمار في تطبيقات الهواتف المحمولة، بل مضى يحاول الاستحواذ لحساب فيسبوك على أي شركةٍ يُحتمل أن تنافس في شعبيته على الهواتف المحمولة. اشترى زوكربيرج تطبيق «إنستجرام» في 2012 بمليار دولار أمريكي، ثمَّ تطبيق المراسلة «واتساب» بعدها بعامين، بـ19 مليار دولار.

ما فعله فيسبوك ما كان إلا اتباعًا لنموذج جوجل، التي اشترت في 2006 موقع يوتيوب، واحدٌ من أكثر المواقع شعبية على الإنترنت، بـ1.65 مليار دولار. والاستحواذ الأهم على الإطلاق كان شراء جوجل لشركة برمجياتٍ مغمورة في 2005، اسمها أندرويد، ما أسس لهيمنة جوجل لاحقًا على عالم أنظمة تشغيل الهواتف الذكية.

اقرأ أيضًا: «الجارديان»: الجميع يكذبون.. كيف يكشف «جوجل سيرش» عن أعمق أسرارنا؟

الصغار في مواجهة العمالقة

أما الشركات التي رفضت عروض الاستحواذ فقد وجدت نفسها أمام إمكاناتٍ لا قبل لها بمواجهتها. لعل المثال الأبرز هو شركة سناب، صاحبة تطبيق سنابشات، التي رفض مديرها التنفيذي إيفان شبيجل عرض شراءٍ من مارك زوكربيرج بقيمة 3 مليارات دولار، وطرح الشركة للاكتتاب العام في 2017.

وكان رد شركة فيسبوك هو تطوير نسختها الخاصة من مزايا سنابشات. في غضون ستة أشهر، انتشرت خاصية «القصص» في تطبيق إنستجرام، المأخوذة من سنابشات، انتشارًا واسعًا، وتجاوز عدد مستخدميها يوميًا عدد مستخدمي تطبيق سنابشات. كذلك قدم تطبيق إنستجرام (الذي كانت فيسبوك قد استحوذت عليه) نسخته من عدسة سنابشات التي تسمح للمستخدمين بالتقاط صور سيلفي بآذان الأرانب والكلاب. وهذه المنافسة المباشرة كان لها أثرها في انخفاض قيمة أسهم شركة سناب.

لجأت أمازون، بعد فشلها مبدئيًا في شراء شركة كويدسي وموقعها الإلكتروني Diapers.com لمنتجات العناية بالطفل، إلى تخفيض أسعار الحفاضات على منصتها تخفيضًا يحقق لها خسارةً بلغت وفق بعض التقديرات 100 مليون دولار على مدار ثلاثة أشهر.

علاقة مماثلة نشأت بين جوجل وشركة «يِلب Yelp»، ومديرها التنفيذي جيريمي ستوبلمان الذي رفض عروضًا من جوجل وياهو. بعدها طوَّرت جوجل خدمة تقييمات محلية خاصة بها. بل يزعم سوبلمان أن جوجل استغلت هيمنتها على سوق محركات البحث في دفن نتائج البحث المتعلقة بصفحات يِلب، ما يصعِّب على الموقع اجتذاب مستخدمين جدد. وكانت النتيجة، من وجهة نظر ستوبلمان، هي فشل يِلب في التوسع خارج الولايات المتحدة، واقتصار نجاحه على السوق الداخلي.

أيضًا لجأت أمازون، بعد فشلها مبدئيًا في شراء شركة كويدسي وموقعها الإلكتروني Diapers.com لمنتجات العناية بالطفل، إلى تخفيض أسعار الحفاضات على منصتها تخفيضًا يحقق لها خسارةً بلغت وفق بعض التقديرات 100 مليون دولار على مدار ثلاثة أشهر. هي خسارة كانت أمازون العملاقة على استعدادٍ لتحملها، لكن شركة كويدسي الناشئة لم تكن بالتأكيد على استعدادٍ لتحمل تكاليف المنافسة. وانتهى المطاف بالشركة إلى الموافقة على عرض الشراء المقدم من أمازون في 2010.

كانت التكلفة زهيدة

ذهب مايك مابلز، أحد المستثمرين بشركة «فلودجيت»، إلى أن فيسبوك تمتع بأفضلية كبيرة، ذلك لأن الساعين إلى بناء شركة تقنية في وقتنا هذا يتعرضون لضغوطاتٍ شتى، بينما زوكربيرج كان مجرد شاب يعبث بالأفكار ويجربها. ولم يكلِّف إنشاء موقعٍ إلكتروني وإدارته، حتى وإن بلغ عدد مستخدميه الملايين، الكثير من الأموال كما هو الحال الآن. ومن ثمَّ بدأ الموقع يدر أرباحًا، وينمو ليدر أرباحًا أكبر استخدمتها الشركة في المبادرات الجديدة والاستحواذ على الشركات الصُغرى.

لكن في الأعوام الأخيرة أدرك المستثمرون مدى الربحية التي يمكن أن تحققها شركة تكنولوجية مهيمنة على السوق، وأظهروا استعدادًا لتسخير المزيد والمزيد من الموارد من أجل ضمان سيطرة شركاتهم الناشئة على الأسواق. والمثير للسخرية أن هذا جعل تحقيق أي شركة لأرباحٍ مستدامة أمرًا صعبًا على الجميع. يظهر هذا في الحرب المستمرة بين شركتي أوبر وليفت، والتي كلفت أوبر مليارات الدولارات وليفت مئات الملايين من الدولارات، بهدف الاستحواذ على السوق.

وهناك اختلاف آخر بين زمن ظهور فيسبوك وزمننا الحالي، هو أن فيسبوك وجوجل وشركات التقنية العملاقة القائمة بالفعل صارت تتحكم في سبل الوصول إلى المستخدمين. عن هذا يقول ستوبلمان، المدير التنفيذي لشركة يِلب «قام فيسبوك على طلب عناوين البريد الإلكتروني من المستخدمين، ثم إرسال رسائل بريدٍ إلكتروني لأصدقائهم من أجل تجربة فيسبوك. هل تسمح شركة فيسبوك بأمر مماثل على منصتها؟ بالطبع لا. هي تطلب دفع أربعة دولاراتٍ في المرة الواحدة لكي تساعدك في اجتذاب مستخدمٍ واحدٍ في كل مرة، لتجني الكثير من الأموال».

اقرأ أيضًا: مترجم: 9 مصريين يبدعون في وادي السيليكون

الطبيعة المتغيرة للابتكار

ينتهي الكاتب إلى أن لكل نقطة من هذه النقاط دورها، لكن يجب وضعها في حجمها الطبيعي، والتركيز على نظرية محدودية الفرص: الشركات التي جاءت أولًا قطفت الثمار المتدلية من الشجرة، ومن ثمَّ صار من الصعب على الشركات الجديدة العثور بسهولة على فرصٍ كبيرة ومربحة على شبكة الإنترنت.

وبالنظر إلى تاريخ الشركات التقنية نجد نمطًا مماثلًا. في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات كانت ثورة تصنيع أشباه الموصلات. وفي النهاية استقر السوق على عددٍ من الشركات الكبرى المهيمنة، منها إنتل وسامسونج. لكن الابتكار لم يتوقف، وفي الثمانينيات ظهرت شركات كبرى جديدة مثل مايكروسوفت وآبل في مجال تطوير برمجيات الحاسوب الشخصي. لكن السوق مرة أخرى تشبع واستقر.

الشركات التي جاءت أولًا قطفت الثمار المتدلية من الشجرة، ومن ثمَّ صار من الصعب على الشركات الجديدة العثور بسهولة على فرصٍ كبيرة ومربحة على شبكة الإنترنت.

ربما نكون قد وصلنا إلى نقطة مشابهة في مجال التطبيقات والخدمات الإلكترونية، واحتلت شركات مثل جوجل وفيسبوك وسناب الأسواق الأكثر أهمية في هذا المجال وأغلقت الباب وراءها. لكن هذا لا يعني أن عجلة الابتكار ستتوقف. الأرجح أنها ستتخذ شكلًا مغايرًا. ولنا في شركة تسلا التي تقدِّم نموذجًا جديدًا من الابتكار مثالٌ على تجدد الإبداع في مجالاتٍ ما زالت في أطوار نموها الأولى، مثل السيارات الكهربائية والمركبات ذاتية القيادة.

وعليه، ربما تكون الموجة القادمة مختلفة تمامًا عما اعتدنا عليه حين نتحدث عن سيليكون فالي، والإنترنت، والابتكار.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد