نشر مركز «ستراتفور» الأمريكي للدراسات الإستراتيجيَّة والأمنيَّة تقريرًا استعرض فيه موقف جماعة الإخوان المسلمين بعد إسدال الستار على حصار قطر الذي دام لأكثر من ثلاث سنوات، وماذا يعني ذلك بالنسبة للجماعة التي تقهقرت أوضاعها في عدد من الدول، وتحاول التكيَّف مع الظروف المحيطة في المنطقة؛ ما دفع قطر إلى تبني إستراتيجية جديدة لكسب النفوذ السياسي، بدلًا عن الاعتماد على علاقاتها مع جماعة الإخوان.

تأثير جماعة الإخوان المسلمين يتضاءل شيئًا فشيئًا

استهل المركز تقريره بالقول: مع خروج قطر من حالة العزلة والإقصاء التي كانت تعيشها بسبب الحصار الذي فُرِض عليها، سيُجبِر تضاؤل سلطة جماعة الإخوان المسلمين السياسية وتدنِّي الإقبال عليها بسبب انطفاء جاذبيتها الأيديولوجية دولة قطر على الاعتماد بدرجة أقل على علاقاتها مع الجماعة والاعتماد بدرجة أكبر على بذل جهود دبلوماسية لكسب النفوذ في الخارج.

Embed from Getty Images

وأوضح التقرير أن المملكة العربية السعودية، ومصر، والبحرين، والإمارات العربية المتحدة، خفَّفوا من حصارهم المفروض على الدوحة بعد سنوات من محاولتهم الضغط على قطر لكي تُوقف دعمها الذي تقدمه لجماعة الإخوان المسلمين، وذلك بسبب المخاوف من أن تكون الجماعة سببًا في إلهام المعارضة في بلادهم، بل في إثارة الانتفاضات الشعبية.

ومع ذلك لم تُقدِّم قطر أي ضمانات بأنها ستُغير من نهجها المستمر في رعاية جماعة الإخوان المسلمين وتوفير الملاذ الآمن لها. إلا أن دول الحصار السابق لم تعد ترى الحركة الإسلامية العابرة للحدود الوطنية تُشكِّل أي تهديد عليهم كما كانت في السابق، في ظل ما يعتري الجماعة من نقاط ضعف أيديولوجية، وما تواجهه من إجراءات أمنية مشدَّدة تحد من تأثيرها على السياسة الإسلامية العالمية.

قناة الجزيرة القطرية.. المنبر الذي يطل منه الإخوان

ويُشير التقرير إلى أن قطر لم تزل تسمح لكوادر الحركة الإسلامية العابرة للحدود الوطنية أن يطلوا على المشاهدين عبر شبكة قنوات الجزيرة ذات التأثير الواسع من أجل نشر آرائهم وأفكارهم. وكانت قطر قد قدَّمت للحكومة المصرية، التي كان يقودها الرئيس المصري السابق والقيادي الإخواني محمد مرسي في المدة من 2012 حتى 2013، مساعدات مالية تُقدَّر بـ7.5 مليار دولار قبل أن يُطيح الانقلاب العسكري بقيادة الجيش المصري بمرسي من السلطة. وبالإضافة إلى ذلك ظل يوسف القرضاوي، المرشد الروحي البالغ النفوذ وأحد المصادر الأساسية للترويج لفكر الإخوان المسلمين، ضيفًا على الدوحة منذ عام 1961. 

Embed from Getty Images

ولفت التقرير إلى أن دعم قطر لجماعة الإخوان المسلمين كان سببًا في تمكين الجماعة من أن تصبح ذات نفوذ واسع، وأن تكون مؤثرة تأثيرًا خاصًا خلال ثورات الربيع العربي، الذي شهد الإطاحة بعدد من الحكومات العربية التي ظلت في السلطة لمدة طويلة في مصر، وليبيا، وتونس، واليمن. كما ساعدت تغطية قناة الجزيرة لبعض هذه البلدان في تشكيل التحوُّلات السياسية التي حدثت في أعقاب الانتفاضات الشعبية.

الجماعة لم تتطور وتدنَّت شعبيَّتها

ونوَّه التقرير إلى أن جماعة الإخوان المسلمين، التي كانت ذات يوم عاملًا حيويًّا في اتساع نفوذ دولة قطر عالميًّا، واجهت تحديات اجتماعية وسياسية واقتصادية في السنوات الأخيرة أدَّت إلى الحد من تأثيرها في العالم الإسلامي. وأصبح بريق أيديولوجية الإخوان المسلمين العابرة للحدود الوطنية يتضاءل؛ لأنها لم تعد تتسق كثيرًا مع الرأي الإسلامي العالمي، إذ لا تُقدم سوى القليل من الحلول الاقتصادية لتحفيز النمو ومعالجة بطالة الشباب، لا سيما في ظل حقبة جائحة كوفيد-19.

مجتمع

منذ 4 سنوات
الإخوان العدميون: من ورق البنا لورق «البفرة».. ماذا تبقى من مشروع أستاذية العالم؟

وإلى جانب ذلك أدَّى تمسُّك الجماعة بالقيود الاجتماعية القديمة إلى تدني شعبيتها شيئًا فشيئًا، خاصة في أوساط الشباب الأكثر تحررًا وانفتاحًا في الخليج العربي. كما فشلت الجماعة، في الدول النفطية مثل: السعودية، والإمارات، والبحرين، في ابتكار صيغة خطاب مؤثر يمكِنُهُ التغلغل بين شعوب هذه الدول لزعزعة ولائها التقليدي الذي يتكون بسبب أنظمة الرعاية الاجتماعية والرفاهية السَّخِية التي توفرها هذه الممالك الخليجية لمواطنيها. ونتيجةً لذلك ظلت الانتصارات السياسية لجماعة تتضاءل رويدًا رويدًا منذ وصولها إلى ذروتها على الصعيد الإقليمي في عهد مرسي في مصر.

وبحسب أرقام البنك الدولي الرسمية، بلغ متوسط معدل البطالة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للأيدي العاملة، الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا، حوالي 30%.

حالة من الركود السياسي للإخوان

وأبرز التقرير أن جماعة الإخوان المسلمين لم تزل محظورة في معظم دول الخليج العربي. وحتى في حالة الدول التي تتعامل مع الجماعة بتسامح، مثل الكويت وقطر، يحظر عمل الأحزاب السياسية التي تدعم أيديولوجية الإخوان، وهو الأمر الذي يحد من قدرتها على التنظيم. كما منعت حكومة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي المدعومة من الجيش فرع جماعة الإخوان المسلمين في مصر «حزب الحرية والعدالة» من المشاركة في الانتخابات وأعلنتها منظمة إرهابية.

وحتى في الأردن، وتونس، وتركيا، حيث يُسمح لجماعة الإخوان المسلمين أو الأحزاب التابعة لها بالترشح في الانتخابات، اعترت الأحزاب التابعة للجماعة، خلال الانتخابات الأخيرة، حالة من الركود السياسي أو تغيَّرت آراؤهم من أجل تبنِّي وجهات نظر تتناسب مع وجهات النظر السائدة عالميًّا.

Embed from Getty Images 

وألمح التقرير إلى الشعبية الكبيرة التي تحظى بها الخطوات الإصلاحية الاجتماعية التحررية التي تقودها الحكومات في السعودية، والإمارات، والبحرين، والتي تتعارض مع آراء جماعة الإخوان المسلمين الأكثر تمسُّكًا بالتقاليد والمتعلقة بالجنس، والأسرة، والدين؛ مما يؤدي إلى مزيد من تلاشي جاذبية الإخوان المسلمين في عيون أجيال الشباب في الخليج العربي.

وخلُص التقرير إلى أنه نظرًا لأن المناخات السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتغيرة تُجبر فروع جماعة الإخوان المسلمين المحلية على التأقلم مع الأوضاع الجديدة بتعديل برامجها ورسائلها لتتمكن من الاستمرار، ستصبح الإخوان المسلمين أداة أقل فاعلية لتوسيع نفوذ قطر على الصعيد العالمي. وكانت جماعة الإخوان المسلمين قد قامت في السابق بتعديل أسسها الأيديولوجية ردًا على الحملات القمعية التي تُمَارَس ضدها وسعيًا وراء الاستفادة من الفرص الممكنة. 

التكيُّف مع ظروف المنطقة

وعلى ما يبدو أن جماعة الإخوان المسلمين قد تفعل ذلك مرةً أخرى – بحسب ما يرجحه التقرير – من خلال التخفيف من حدة المبادئ المشهورة، التي لم تعد تحظى بشعبية كبيرة على المستوى الإقليمي، مثل موقفها التقليدي المناهض لإسرائيل. وربما تسعى الجماعة أيضًا إلى تحديث آرائها بشأن العلاقات بين الجنسين ومحاولة العثور على ذرائع اقتصادية جديدة لإقناع الشباب المسلمين أنه بمقدورها توفير فرص العمل لهم. إلا أن تحقيق الجماعة للنجاح السياسي سيتطلب محاولة فروع الجماعة التكيُّف إقليميًّا مع ظروف المنطقة غير المسبوقة، وتحويلها إلى فروع أكثر محلية بقواسم مشتركة تتوافق بدرجة أقل مع آراء الإخوان المسلمين العالمية التي لطالما استفادت منها قطر لبناء قوتها الناعمة.

وأوضح التقرير أن فرع جماعة الإخوان المسلمين في مصر لجأ في ثمانينات القرن الماضي إلى تغيير أساليبه المنطوية على العنف نظير أن تسمح له السلطات المصرية في القاهرة بتقديم مرشحين في الانتخابات البرلمانية الخاضعة لسيطرة الحكومة. كما تبنى حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، وهو أحد أنجح الأحزاب المنبثقة عن جماعة الإخوان المسلمين، أيديولوجية قومية أكثر تركيزًا على مصالح تركيا، ودمَجَ بين التقاليد التركية والإسلامية لخلق نوع فريد من الإسلام السياسي، وابتعد عن الأيديولوجية ذات المبادئ العابرة للحدود الوطنية. 

ويستدرك التقرير قائلًا: ولكن في الوقت الذي بدت فيه جماعة الإخوان المسلمين أكثر ذكاءً ومرونة لتغيير تكتيكاتها السياسية، كان تغيير برامجها الأيديولوجية، وخاصة في الميدان الاجتماعي، أكثر بطئًا. وبينما تُخطط الدول المحافظة المتشددة سابقًا مثل السعودية والسودان حاليًا بفاعلية لتوفير مزيد من المساواة بين الجنسين، لا زالت جماعة الإخوان المسلمين تحافظ إلى حد كبير على آرائها التقليدية بشأن المرأة، وتصر على إبعادها عن تولي المناصب القيادية، وتدعُ إلى عدم الاختلاط بين الجنسين في شؤون التعليم. 

قطر تغيِّر من إستراتيجيتها

وشدد التقرير على أن النتيجة المترتبة على ما سبق ذكره ستتمثَّل في أن إستراتيجية القوة الناعمة الدولية لقطر ستعتمد على تقديم المساعدات والحلول الدبلوماسية أكثر من اعتمادها على النجاح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين. حتى إن الدول التي لديها فروع تابعة للإخوان المسلمين ناجحة إلى حد كبير، مثل تونس وتركيا، ستُحدِّث من تكتيكاتها بعيدًا عن مبادئ الإخوان المسلمين المركزية، مما يجعل قطر مضطرة للاعتماد بدرجة أكبر على تقديم المعونات النقدية والاستثمار والمساعدات للمحافظة على إقامة روابط وثيقة مع الأحزاب الإسلامية التي يتزايد تباينها من الناحية الأيديولوجية.

Embed from Getty Images

كما ستحتاج قطر إلى الاعتماد على التسويات الدبلوماسية مع الدول وقادتها لتحقيق الأهداف السياسية، بدلًا عن الضغط على الدول من خلال التغيير الاجتماعي الذي تقود لواءه القواعد الشعبية.

وفي الختام أشار التقرير إلى أن قطر أجرت مع تركيا عملية مقايضة للعملات تصل إلى 15 مليار دولار لمساعدة أنقرة على استقرار الليرة التركية في خضم أزمة فيروس كورونا المستجد، وبذلك حافظت قطر على الموقف السياسي لحلفائها في تركيا والمتمثل في الحزب الحاكم، وهو حزب العدالة والتنمية، الذي بدأت جاذبيته الإسلامية في التضاؤل بسبب ضغوط الانكماش الاقتصاد في تركيا. 

وفي السياق ذاته قدَّمت الدوحة أيضًا منذ عام 2014 قرابة مليار دولار لقطاع غزة للاحتفاظ بتأثيرها على حركة حماس، والتي تعد فرعًا لجماعة الإخوان المسلمين في فلسطين. كما حاولت قطر مؤخرًا التوسط لتيسير إجراء محادثات المصالحة بين تركيا والسعودية، وبين السعودية وإيران، في محاولة لتحسين العلاقات مع الرياض بعد الحصار. لكن هذه المساعي والاتصالات لم تؤتِ ثمارها بعد.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد