أعدَّ المراسلان سودارسان راجافان وميسي ريان تقريرًا نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية حول التطورات الأخيرة في ملف السياسية الخارجية الأمريكية بعد تولي جو بايدن الرئاسة، لا سيما فيما يتعلق بنهج أمريكا الجديد تجاه الحرب في اليمن المتمثل في وقف الدعم الأمريكي للتحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، ووقف مبيعات الأسلحة للرياض وأبوظبي، والسعي إلى حل الصراع من خلال الجهود الدبلوماسية.

يقول المراسلان في مستهل تقريرهما: في يوم واحد من أيام الأسبوع الماضي وصل ضلوع الولايات المتحدة في حرب اليمن الكارثية التي استمرت ست سنوات إلى موقف درامي كبير؛ إذ أنهى الرئيس الأمريكي جو بايدن يوم الخميس بقايا الدعم الأمريكي لعمليات التحالف الهجومية، والذي تقوده السعودية في الصراع، وتعهَّد بتكثيف الجهود الدبلوماسية لوقف القتال، وعيَّن مبعوثًا خاصًا جديدًا إلى اليمن يحظى بتقدير كبير. ولكن هذا هو الجزء السهل في القصة، والآن يبدأ الجزء الصعب.

عربي

منذ 4 شهور
هل يكون 2021 عام انتهاء الحرب اليمنية؟

يشير التقرير إلى أنه منذ عام 2015 عندما دخل التحالف الإقليمي المدعوم من الولايات المتحدة بقيادة المملكة العربية السعودية الحرب وسرَّع وتيرتها أصبح اليمن مسرحًا لصراع معقَّد ومستعصٍ أودى بحياة عشرات الآلاف، ودفع الملايين إلى شفير هاوية الموت جوعًا.

صراعات متعددة ومتداخلة

واليوم أضحى اليمنُ ساحةً لصراعاتٍ متعددة ومتداخلة حول السلطة والنفوذ والأيديولوجية، تغذِّيها جهات إقليمية فاعلة تسعى إلى تعزيز مصالحها الإستراتيجية والأمنية. وحتى في الوقت الذي تصارع فيه اليمن أزمةً إنسانيةً حادةً، أصبحت أفقر دولة في الشرق الأوسط أكثر انقسامًا من أي وقت مضى على أسس سياسية وقبَلية وإقليمية ودينية. كما أنها لم تزل ملاذًا لأحد فروع تنظيم القاعدة الذي استهدف الولايات المتحدة وأوروبا، واستفاد من حالة عدم الاستقرار الناجمة عن الصراع الدائر على أراضيها.

كتب بيتر سالزبري، الخبير في الشؤون اليمنية والمحلل البارز في مجموعة الأزمات الدولية، في تغريدة على «تويتر»: «إنهاء الدعم الأمريكي لا يعني نهاية تلقائية للحرب على الإطلاق. وهناك توازن دقيق بالفعل يتعين تحقيقه في هذا الصدد، والذي يتمثل في إيجاد طريقة لإنهاء الحرب يمكن أن تقتنع بها الفصائل المسلحة، والفصائل السياسية، والجماعات المحلية، والمجتمع المدني، وهذا ليس بالأمر السهل على الإطلاق».

الإعلان رمزي وسياسي إلى حد كبير

في الواقع بدا إعلان يوم الخميس سياسيًّا ورمزيًّا إلى حد كبير؛ مما زاد من أهمية إنهاء حرب اليمن، باعتبار ذلك أولوية في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، والابتعاد عن نهج إدارة ترامب، والإفصاح عن نية الإدارة الجديدة بذل جهد دبلوماسي كبير للتوصل إلى اتفاق سلام.

وتضع حرب اليمن المتمردين الشيعة الشماليين، المعروفين باسم الحوثيين، في مواجهة ضد السعودية، والإمارات، والقوى السنية الإقليمية الأخرى، التي تسعى ظاهريًّا إلى استعادة حكومة اليمن المُعترف بها دوليًّا. والصراع إقليمي أيضًا يسعى فيه السعوديون والإماراتيون إلى منع إيران المتحالفة مع الحوثيين من توسيع نفوذها في المنطقة.

Embed from Getty Images

يلفت التقرير إلى أن هناك أيضًا حرب مكافحة الإرهاب التي تقودها الولايات المتحدة ضد «تنظيم القاعدة» في جزيرة العرب (يتَّخذ من جنوب اليمن مقرًا له)، ويمثِّل هذا الفرع وجودًا أصغرَ لـ«تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» في اليمن. وهنا تساعد الإمارات والوكلاء المحليون البنتاجون، لكنهم ضالعون أيضًا في صراعات محلية أخرى. ومما يجعل الأمر أكثر إرباكًا أن الحوثيين يقاتلون أيضًا ضد «تنظيم القاعدة» و«الدولة الإسلامية».

ويضيف التقرير: هناك أيضًا انقسامات عميقة داخل التحالف. وأدَّت الخلافات بين الانفصاليين الجنوبيين، المدعومين من الإمارات، والقوات الموالية للحكومة اليمنية المدعومة من السعودية، إلى اشتباكات عنيفة على مدار السنوات القليلة الماضية. 

ومنذ مدة طويلة يشكك الانفصاليون الذين يسعون إلى فصل جنوب اليمن عن شماله في الحكومة اليمنية التي يحكمها الشماليون منذ عقود، رغم أنهم ظهروا مؤخرًا وكأنهم يتعاونون مرةً أخرى. ولا يوافق الانفصاليون والإمارات على تحالف الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي مع «حزب الإصلاح»، وهو حزب إسلامي مؤثر له صلات بجماعة الإخوان المسلمين، والتي تعُدَّها القيادة الإماراتية تهديدًا داخليًّا وقوة راديكالية في العالم العربي.

اليمن لم يعد دولة واحدة

وألمح التقرير إلى فشل جهود دبلوماسية عديدة بذلتها الأمم المتحدة والقوى الإقليمية، بما في ذلك محادثات السلام التي ترعاها الأمم المتحدة التي أجريت في الكويت عام 2016. ومنذ ذلك الحين ظهر المزيد من الجماعات المسلحة، وعزز الحوثيون قوتهم في الشمال، حيث يعيش غالبية سكان اليمن الذين يبلغ تعدادهم نحو 30 مليون.

يقول جريجوري جونسن، المحقق السابق للأمم المتحدة، في تغريدة يوم الخميس: «لم يعد اليمن دولة واحدة. واليمن وضْعٌ يستحيل إصلاحه، وليس من الواضح على الإطلاق أنه يمكن إعادة توحيده مرةً أخرى».

Embed from Getty Images

وأضاف جونسن، وهو مؤلف كتاب «الملاذ الأخير: اليمن والقاعدة وحرب أمريكا في الجزيرة العربية»، أنه «لا توجد جماعة مسلحة في اليمن لديها ما يكفي من الرجال أو الأسلحة لفرض إرادتها على بقية البلاد، ولكن كل جماعة مسلحة لديها تقريبًا ما يكفي من الاثنين لتكون بمثابة عامل إفساد للأمور إذا جرى في النهر ماءٌ على عكس رغباتهم».

وعيَّنت إدارة بايدن تيم ليندركينج، وهو دبلوماسي محترف يحظى بتقدير كبير من جانب الأمم المتحدة والمحللين وجماعات الإغاثة، بصفته مبعوثًا خاصًّا جديدًا لها في اليمن. وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض في بيان: «هدفنا الأساسي هو التقريب بين الأطراف للتوصل إلى تسوية تفاوضية تنهي الحرب ومعاناة الشعب اليمني. وسيكون هذا صعبًا، لكن علينا أن نضعه ضمن أولويتنا».

نهج مختلف لمبيعات الأسلحة للسعودية

يشير إعلان يوم الخميس أيضًا إلى أن الإدارة الأمريكية الجديدة ستتبع نهجًا مختلفًا بشأن مبيعات الأسلحة إلى السعودية، إذ سيقيِّم المسؤولون الصفقات المقترحة باستخدام الحرب في اليمن باعتبارها منظورًَا أساسيًّا. وهذا يعني أنه لم يعُد من المتوقع المضي قدمًا في عمليتي بيع الأسلحة اللتين أعلنت عنهما إدارة ترامب الكونجرس في ديسمبر (كانون الأول)، واللتين تضمنتا ما يصل إلى ثلاثة آلاف قنبلة صغيرة القُطْر GBU-39 من شركة بوينج الأمريكية وأكثر من 7 آلاف من ذخائر «بيفواي (Paveway)» من شركة «رايثون» الأمريكية لتصنيع الأسلحة.

وتناشد مجموعات الإغاثة الأمريكية والغربية العاملة في اليمن الإدارة الجديدة الإسراع في إلغاء تعليق إدارة ترامب الجزئي للمساعدات في العام الماضي للمناطق التي يسيطر عليها الحوثيون. وأخطرت إدارة بايدن الكونجرس يوم الجمعة بأنها ستلغي أحد قرارات سياسة ترامب الأخرى، وهي تصنيف الحوثيين باعتبارهم منظمة إرهابية أجنبية؛ مما قد يحسِّن من وصول المساعدات إلى الملايين.

يقول ديفيد ميليباند، رئيس لجنة الإنقاذ الدولية، في بيان: «يمكن لإدارة بايدن أن تحدِث تأثيرًا كبيرًا على الكابوس الإنساني في اليمن من خلال إلغاء تعليق المساعدات على الفور». وأضاف أن: «التحول من إستراتيجية الحرب الفاشلة إلى نهج دبلوماسي شامل لا يمكن أن يحدث بين عشية وضحاها».

Embed from Getty Images

وتقول مجموعات الإغاثة: إن التراخيص التي صدرت مؤخرًا سمحت لنشاط المساعدات بالاستمرار في الوقت الحالي، لكنها تشير إلى المزيد من المؤشرات المقلقة في قطاع التمويل في اليمن والواردات الحيوية، بما في ذلك الوقود والأدوية. وقال سكوت بول، مسؤول السياسة الإنسانية في منظمة أوكسفام أمريكا: إن «تحركات الرئيس بايدن حتى الآن مرحب بها ومشجعة، ولكن كل يوم تبقى فيه المخصصات الإغاثية في مكانها دون حراك هو يوم آخر من عدم اليقين، ويزيد على نحو كبير من خطر تفاقم أزمة مدمرة بالفعل».

والسؤال الرئيس يتمثل في ما إذا كانت الأطراف المتحاربة في اليمن ستقبل بالتحول الحاد في سياسة الولايات المتحدة وتنظر إلى واشنطن على أنها وسيط دبلوماسي محايد وجدير بالثقة.

وأوضح التقرير أن القنابل الأمريكية التي بِيعت للسعودية وحلفائها تسببت في مقتل آلاف اليمنيين أو إصابتهم، وفقًا لجماعات حقوق الإنسان وشهود عيان. وفي المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، يُنظر إلى الولايات المتحدة على أنها محرض رئيس على الحرب. وفي صنعاء والحديدة ومدن أخرى، غُطيت الجدران بنقوش تصوِّر قنابل وطائرات مقاتلة أمريكية تقتل يمنيين، من بين صور أخرى غير سارَّة.

وستظل الولايات المتحدة منخرطة في عمليات مكافحة الإرهاب ضد القاعدة في شبه الجزيرة العربية، وهو أمر من المرجح أن يعمق المشاعر المعادية لأمريكا بين عديد من اليمنيين. يقول المحللون: إن القضية الكبرى تتمثل في مدى وقف الولايات المتحدة لدعمها للسعودية.

تأثير ضئيل على عمليات التحالف في اليمن

ويرجِّح التقرير أنه من المتوقع أن يكون للإعلان تأثير عملي ضئيل على العمليات العسكرية الأمريكية المتعلقة بحرب التحالف ضد اليمن، والتي ألغي الجزء الأكبر منها بالفعل. وفي عام 2018، ووسط احتجاج في الكونجرس من الحزبين على سقوط ضحايا مدنيين ومقتل جمال خاشقجي كاتب العمود في صحيفة «واشنطن بوست» على يد عملاء سعوديين، أوقفت إدارة ترامب تزويد الطائرات السعودية والإماراتية في الحملة على الحوثيين بالوقود في الجو.

بينما قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض: إن التحوُّل سيشمل «فرض تقييدات على الترتيبات المتعلقة بمشاركة المعلومات الاستخباراتية مع السعودية والتحالف الذي تقوده»، وكانت تلك المشاركة تقتصر بالفعل على تزويد المسؤولين السعوديين بمعلومات حول التهديدات المباشرة الموجهة ضدهم، وفقًا لمسؤولين عسكريين. ولم يتضح على الفور ما الذي سيحدث بشأن العقود الأمريكية لصيانة معدات عسكرية أمريكية الصنع في اليمن، بما في ذلك طائرات إف-15، وإف-16.

Embed from Getty Images

ومن المفترض أن تستمر إدارة بايدن في مساعدة السعوديين في أنظمتهم الدفاعية على طول الحدود اليمنية والدفاعات الجوية ضد هجمات الحوثيين بالصواريخ والطائرات دون طيار، وفقًا لما ذكره جيرالد فييرستين، سفير الولايات المتحدة السابق في اليمن.

وقال فييرستين في رسالة عبر البريد الإلكتروني: «إن تأثير القرار في الحقيقة يتعلق بالمواقف والإشارات الأمريكية أكثر مما يتعلق بإعاقة القدرات السعودية في اليمن. وسيوضِّح الرئيس أن الولايات المتحدة ستؤكد على إستراتيجية سياسية لإنهاء الصراع وهو يريد دعمًا سعوديًّا لتحقيق ذلك». وأضاف: «من وجهة نظري، يدعم السعوديون أيضًا إنهاء الصراع، طالما أن القرار يعكس متطلباتهم الأمنية الأساسية».

التسوية السياسية غير مواتية

لكن محللين آخرين حذَّروا من تكرار جهود السلام السابقة التي تعرَّضت لانتقادات واسعة؛ لأنها تجاهلت مظالم الجنوبيين وغيرهم من السكان اليمنيين.

واختتم المراسلان تقريرهما بقول ندوى الدوسري، وهي باحثة غير مقيمة في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، على «تويتر»: «تحتاج إدارة بايدن إلى فهم أن حرب اليمن أكثر تعقيدًا ولن تُحَل من خلال تسوية سياسية بين الحوثيين وحكومة هادي».

وقالت في تغريدة أخرى: «إن تسوية سياسية في ظل الظروف الحالية ستكون مكسبًا سريعًَا للدبلوماسية الغربية. لكنها ستعزز ديناميات القوة التي أدَّت إلى نشوب الصراع، وتمكين مجرمي الحرب على حساب اليمنيين، وتقويض فرص بناء سلام حقيقي ومستدام».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد