يُحدثنا الكاتب بوير دنج عن اللُغة الإنجليزية, وكيف اصبحت اللغة الاولى للعلم, ولكن هناك صعوبات لاولائك الذين لا يتحدثونها كلُغة أم.

يقول الكاتب أنه تعلم الإنجليزية كَلُغة ثانية, وفيما بعد تبين له انها كانت ميزة كبيرة لِمستقبلهُ المِهنيّ, فهو يقول ان اللُغة الإنجليزية من الضروريات – وخاصة للعلماء -, فأكثر من (%٧٥) من الأبحاث العلمية تُنشر باللُغة الإنجليزية, وفي بعض المجالات تصل النسبة لأكثر من (%٩٠), طبقاً لما ذكرهُ الكاتب سكوت منتجمري في كتابه

(Does Science Need a Global Language?)

ويُضيف انه كان محظوظاً, اذ استطاع ان يستَفيد من زميل المسكن الناطق بالألمانية, ليُسهّل عليه إستيعاب المُصطلحات المكتوبة باللُغة الألمانية المُستَخدمة في مجال دراسته (الكيمياء العُضوية), التي كان أصحاب فكرة أستخدام الّلُغة الألمانية في مصطلحات قوانينها, هم ثلاثة علماء ليسوا ألمان في الأساس (عالمان من برطانيا, وثالثهما سويسري الجنسية). وما هذا إلا مثال آخر يشير الى تفوق الألمان واللُغة الألمانية في الكيمياء في ذلك الوقت.ويضيف على ذلك أنه حينما كان صغير السن, قال له احد العلماء في الأكاديمية الفِرنسية للعلوم: “إن كل الطلبة المُجتَهدين يتعلمون الّلُغة الألمانية”.

ويقول انه في الستينيات من القرن الفائت, كان يُنشَر ما يُقارِب من (%٤٠) من الأبحاث العلمية باللُغة الفِرنسية, الألمانية, اوالروسية. والمعروف ان رموز الترقيم كانت تُكتب بأحرُف لاتينية. وكانت أسماء النجوم في علمِ الفلك موسومة بأسماء عربية وفارسية ( وهذه تذكرة دائمة ببلدان كانت في وقت من الاوقات مليئة بصفوة العلماء في العالم).

ويضيف انه بالرغم من ذلك تبقى اللُغة الإنجليزية هي النجاح الاكبر, فلم تصل لُغة أخرى لما وصلت إليه الإنجليزية من الانتشار, وجزء من الفضل في ذلك يعود للأنتصار في حربين عالميتين. فيقول الكاتب (مايكل جوردين), وهو من الكُتّاب المهتمين باللُغات المُستخدمة في كتابة المواد العلمية, أنه بقدوم عام ١٩١٥ كانت نسبة الأمريكيين الّذين يقومون بتَدريس وتَعلّم اللُغات الأجنبية, تتساوى مع تلك النسبة لنظرائهم في القارة الأوروبية. ولكن بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى (بحلول عام ١٩٢٠) , كانت الأنعزالية ما يميز العلاقات بين الأمم, ومن مظاهر هذا الأنعزال على سبيل المثال أن تم تجريم أستخدام اللُغة اللألمانية في ٢٣ ولاية في الولايات المتحدة الأمريكية. مما ادي الى أن الجيل التالي من العُلماء هناك لم يتعرض لتجربة تعلّم وأستخدام لُغات أخرى غير الإنجليزية, اضف الى ذلك العُلماء الفارين من الدول الاوروبية في فترة الحرب الى الولايات المتحدة, الّذين بدأوا هم الآخريين في تعلّم اللُغة الإنجليزية بالطبع. وعامل ثالث آخر هو ان تلك الفترة كانت بداية ازدهار البحث العلمي في الولايات المتحدة, ازداد عدد العُلماء العملين في الولايات المتحدة منذ ذلك الحين الى الآن, فبمقارنة بسيطة نجد أن في عام  ١٩٠٢ تخرج  ٢٩٣ (مائتان وثلاث وتسعون) طالب لدرجة الدكتوراة في الولايات المتحدة, اما  بحلول عام ١٩٩٠ فقد اصبح عدد الطلبة الحاصلين على درجة الدكتوراة هو ٣٠٠٠٠ (ثلاثون

الفا) سنويا , بحسب ما نشره مجلة

)The National Science Foundation)

ما يعني أن اكثر من مليون باحث علمي جديد في الولايات المتحدة – جميعُهم يتحدث ويعمل باللُغة الإنجليزية – قد ساعد في  ازدهارها كلُغة للتواصل بين الشعوب.

وينوه الكاتب انه بالرغم من أن (%٥) فقط من تعداد سكان العالم هم من يتحدثون بالأنجليزية كلُغة أم, فانه يجب على آلاف العلماء تعلم هذه اللغة. وعندما نتحدث عن درجة الصعوبة في تعلّم اللُغات, فان الطلبة يُعانون في السيطرة على اي لُغة تماماً مثل صُعوبة دِراسة اي مادة علمية. (منزوان هيي) طَالبة في قسم (علم النفس) في جامعة بركلي الغنية عن التعريف, تقول: “من الصعب ايجاد الكلمات الصحيحة دائما, فعندما احاول القيام بكتابة جملة معينة معتقدةً في ذهني أنها التعبيرالصحيح عن افكاري, اكتشف فيما بعد انها لا تعبر بشكل سليم عما يدور في ذهني”. تبدو الافكار صلبة ومتماسكة في ذهنها عندما تفكر فيها بلُغتِها الأم (الصينية), ولكن فجأةً تفقد تلك الافكار جزء كبير من الترابط المنطقي عندما تُترجم للإنجليزية.إنه ليس من السهل أبداً توصيل الفكرة الأصلية,لأنه اولاً يجب بذل مجهود كبير في تعلّم ترجمة كل فكرة. وحتى العُلماء القادرين على الكتابة باللُغة الإنجليزية بطلاقة, يَجدون انفسهم متعثرين في المحادثات الشفهية. وسواء في المحادثات الشفهية او الكتابية, فانه يَصعُب دائما توضيح الفروق البسيطة بين ما قيل بالفعل وما كان مقصوداً.

ويُعطي الكاتب نَبذه عن تاريخ ذلك الصراع بين العُلماء واللُغة, مشيراً إلى أنه قديمُ الأزل.على سبيل المثال, الأكاديمية الفِرنسية للعلوم, لم يقم مؤسسوها باعفاء الطلبة الفرنسيين (الغير قادريين على التحدث بلُغات اجنبية) من ارتياد الجامعات الناطقة بلُغات غير الفرنسية مما وضع امامهم صعوبات في الدراسة. وفي مثال آخر يُشير إلى جاليليو, موضحا انه أول عالم أوروبي يقوم بكتابة أباحثه وكتبه بلُغته الأم (الإيطالية), ويتسائل هل فقدنا اجزاء من علمه عندما تمت ترجمته من الايطالية الى اللاتينية؟ (التي كانت هي اللُغة المُنتشرة في الاوساط العلمية انذاك).

هناك اصوات في الوقت الحاضرتنادي بضرورة تقييم العُلوم بُناءاً على الجودة العلمية واخراج الجزء الخاص بكيفية كتابتها من تحت مِظلة التقييم. “يجب على المُحكّمين النظر الى ما هو ابعد من الأخطاءاللُغوية عند تقييم العلوم”, هكذا قال محرر في مجلة

(Molecular Biology of the Cell)

 

ويعطي الكاتب مثالاً حدثَ في الماضي القريب ايضاً فيقول, انه فى احد المرّات أساء الحظ مجموعة من الطلبة الصينيين القائمين على بحث علمي معين عندما اختاروا اختصار لُغوي معين لأسم البحث تسهيلاً لمناقشة الموضوع العلمي, كان المصطلح سيئا للغاية لدرجة تدعو للضحك في بعض الأحيان. وزيادة على ذلك, ارتبط هذا المصطلح في اذهان الناس, وتم استخدامه في المجلات العلمية الصينية عند الاشارة لهذا البحث. ويعلق الكاتب انه في تلك الأوساط العلمية الغير مُتمرسة في اللُغة الإنجليزية ولا تدرك المعني المشار الي من المصطلح, لم يستنفر المصطلح احداً من العلماء, ومن كان على دراية كافة واستطاع ادراكه اعتبره نوعا من التسلية العلمية. ولكن في واقع الامر, لا يساعد هذا المصطلح نهائياً مجموعة من العلماء يهدفون ان تأخذ الأوساط العلمية الدولية أعمالُهم على محملِ الجدية.

ويُنهي الكاتب قائلاً, على العلماء المُتحدثين باللُغة الإنجليزية, أن يُظهروا نوعاً من التعَاطف والصبر تجاه نُظرائهم في الخارج من فرنسا, الصين, او روسيا مثلا. فبطبيعة الحال, لا أحد يُعطي مجال تعلّم اللُغات الكثير من المجهود, حتى وان كان هذا شرطا من الشروط لقُبوله في إحدى الجامِعات الناطقة بلُغة غَير لُغته الأم. ضف الى ذلك أن بعض العُلماء المُتحدثين بالإنجليزية كلُغة أولى, وفي ذات الوقت يُجيدون التَحدُث بلُغات أجنبية, يميلون للتَحدُث بالإنجليزية, وهذا ليس إلا لأنهم لا يُريدون ان يَبذلوا ذَلِك المَجهود المُضني في تَرجمة افكارِهم للُغة أُخرى خِشية الاخطاء.

صحيح ان وجود لُغة موحدة لكيان كبير وعالمي مثل كيان العلم هو امر من الحسنات وليس السيئات, ولكن إن كُنت احد اولائِك الذين لا يتحدثونها كلُغة أم, فإن ذلك يُعتبر تحدياً كبيراً لك.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد