هل تُرهبك فكرة البقاء وحيدًا، أم تبدو أمرًا رائعًا؟ وكيف تشعر في أوقات وحدتك؟ نشرت «الجارديان» البريطانية تقريرًا تحدثت فيه «إيريكا بويست» إلى خمسة أشخاص دفعهم نمط حياتهم إلى عزلة رائعة. فكيف كانت حياتهم بمعزل عن الآخرين وفي كنف الطبيعة؟ للعزلة والوحدة ككل الأشياء مميزات ومساوئ، هل استحقت مميزاتها تحمل مساوئها أم ندموا على قراراتهم؟

تبدأ الكاتبة تقريرها بالتمييز بين العزلة والوحدة، فتقول: «ربما نخلط بين معنى الكلمتين؛ لأننا نشأنا منذ الصغر على التفكير فيهما من نفس المنطلق، فبإرسال الأطفال إلى غرفهم على سبيل العقاب، نعلمهم دون قصد أن الوحدة حرمان». تقول «سارة مايتلاند»، مؤلفة كتاب «كيف تكون وحيدًا» (How To Be Alone) – الذي يدور حول كيفية الاستمتاع بالوحدة -مشيرة لهذا التصرف بأنه «يجب أن يكون مكافأة»، وتضيف «يجب أن يُؤخذ على أنه: لقد كنت جيدًا بما فيه الكفاية، لتذهب إذًا إلى غرفتك في الحال؛ لتختلي بنفسك، وتفعل كل ما يحلو لك».

لا شك أن العزلة الاجتماعية أمر محفوف بالمخاطر: فحسب ما قاله «ستيف كول»، الباحث في علوم الجينات، وأستاذ الطب بجامعة كاليفورنيا لوس أنجلوس «إذا نُظر إلى الأمر من الناحية المرضية – الوبائية – فإنها أمر سيئ للغاية لدرجة صادمة»؛ إذ توصل من خلال بحثه إلى أنها عامل خطورة جوهري يؤثر في مرض وموت الناس، ويضيف «يبدو أن كل شيء يُهلك جسد الشخص الذي يشعر بالوحدة بشكل أسرع».

كتاب (How To Be Alone)، رابط أمازون من هنا

ولكن الوحدة ببساطة حسب وصف «مايتلاند»، أن تكون وحيدًا وكارهًا للوحدة؛ فبينما يوجد أكثر من تسعة ملايين شخص بالغ في بريطانيا يدَّعون أنهم عادةً أو حتى دائمًا ما يشعرون بالوحدة، لا تعتقد أن بريطانيا تعاني من وباءً الوحدة كما يدعي العلماء، وتوضح قائلة: «فمصطلح وباء يعني مرضًا معديًا، وهو ما يُعد توصيفًا غير دقيق ومُشوِّه»، بل تعتقد أيضًا أن البريطانيين بالأحرى «غير ماهرين» في التعامل مع الوحدة، معللة ذلك بأنهم حُرموا من اكتساب تلك المهارات في مرحلة الطفولة، وتقول: «الجميع يزعمون أن الجنس البشري اجتماعي بطبيعته، وعلى الرغم من ذلك، نبذل جهدًا هائلًا في تدريب أطفالنا حتى يكونوا اجتماعيين؛ ننصحهم بألا يتشاجروا، ويشكرون الناس، ويشاركون ألعابهم مع غيرهم، ونرسلهم كذلك إلى ساحات اللعب، نحن نحرمهم من مهارات الوحدة».

تقول «مايتلاند»: إن هناك أيضًا «شيئًا غريبًا» حيال ثقافة التقدير المفرط للذات، في حين تثنينا عن قضاء الوقت مع الشخص الذي يجب أن نحبه أكثر، وتشير «مايتلاند» – التي تعيش في قرية ريفية نائية تبعد 70 ميلًا عن أقرب محطة قطار – إلى أن الناس يشعرون بالأسف حيالها؛ لأنها لا تذهب أبدًا إلى أي حفلات أو تجمعات، وتقول: «أنا لا أشعر بالأسف على نفسي، يجب أن نستمع إلى الأشخاص الذين يستمتعون أكثر بالوحدة، ولا نفترض جدلًا أنهم مجانين أو أنانيون بشكل ما».

تقول الكاتبة: إن العزلة بمثابة «الجائزة الكبرى» للبعض، وهي لهم مفتاح السعادة. فما الجميل إذًا في العيش وحيدًا؟ وجهت «إيريكا بويست» هذا السؤال إلى خمسة أشخاص لا يتوقون إلى أكثر من عزلتهم.

صورة: «سارة دروموند» هي مؤلفة كتاب  (The Sound )، و (Salt Story: Of Sea-Dogs And Fisherwomen)

«أتمتع بحرية أن أحلم»

تقول «سارا» إنها خلال أيام العمل الأسبوعية، تتسلق كل صباح جبل فرانكلاند كي تصل إلى برج مراقبة على القمة الجرانيتية، يوجد بالبرج نوافذ من كافة الاتجاهات؛ ما يمنحها رؤية تمتد لأميال عديدة من التلال المشجرة، وتقول: إنها في الأيام الصافية تستطيع رؤية سلسلة جبال ستيرلينغ الواقعة على بعد 145 كيلومتر، تتضمن مهام عملها متابعة وتحديد مواقع الحرائق خلال موسم حرائق الغابات، سواء باستخدام المنظار، أو عينيها المجردتين، وفور رؤيتها دخان يتصاعد، تحدد موقعه على الخريطة، ثم ترسل الإحداثيات عبر الراديو بالتنسيق مع المكتب الرئيس، فيرسلون بدورهم طائرة استطلاع، أو شاحنة للتحقق، إذا اتضح أن الوضع خطير، يتصلون على الفور بالإطفاء الجوي.

تذكر «سارا» أن من الممكن أن تمر ساعات دون مقابلة أي شخص، وتضيف أنها تعيش وحدها؛ لذا تمضي وقتها في الكتابة أو القراءة عندما تكون خارج أوقات المراقبة. ويبدو أن الأمر لايؤرقها؛ إذ تردف قائلة: «أنا أتمتع بحرية الأحلام والخيال»، تشعر كأنها تستطيع تشكيل عوالم في مخيلتها، وعلى الورق دونما أدنى مقاطعة أو تشتت، وذلك على الرغم من الفارق الضئيل بين الضجر والذعر؛ فتحرص بين الحين والآخر على مراجعة أفكارها وتدبراتها الفكرية، حتى لا تنزلق إلى الجنون؛ فهي حسب وصفها التفاعل مع الناس، وتحب إجراء محادثات هادفة، لذا تخاف أحيانًا من تدهور مهاراتها الاجتماعية بسبب نقص الممارسة.

صورة: «سارة دروموند»

تحب «سارا» الاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية، فهي تعتبرها موسيقى تأملية، وتقول: «قد يزورني بعض أفراد العائلة أو الأصدقاء أحيانًا»، ولكن لسوء الحظ، بعد تسلقهم ذلك الجبل لزيارتها، غالبًا لا يكررونها ثانيةً، فعلى الرغم من أنه يرتفع 700 متر فحسب، يمتلئ الطريق بالمرتفعات والسلالم التي تكاد بسببها تنقطع أنفاس الناس لدى وصولهم إلى القمة. تود «سارا» لو أن لها حبيبًا، لكنها تدرك أن نمط حياتها ناردًا ما يفضي إلى لقاء شخص مميز.

تؤكد «سارا» أنها تلتقي ببعض السائحين الذين يأتون إلى المنطقة، لكنهم عادةً لا يمكثون أكثر من 20 دقيقة، تتبادل خلالها الأحاديث معهم أحيانًا، بيد أنها إذا ما استشعرت أنها عُرضة لالتقاط الصور، تختفي على الفور، تصف عملها بأنه له مميزات ومساوئ، على سبيل المثال، عندما ترى أناس يلتقطون الصور بعد أن خلعوا ملابسهم على قمة الجبل، تتمنى بالطبع، لو أنها لم تكن تنظر من خلال عدساتها في تلك اللحظة.

إلا أنها على الرغم من المساوئ، تقول: «أجد سكينتى في الطبيعة من حولي؛ فالجبل والبحر يعزفان على أوتار الحياة، وهناك زوج من النسور اليافعة التي تطير حول البرج كل يوم، وهناك أيضًا صقر «الننكين» الذي يطير خلال السحاب كالفراشات البرتقالية الساطعة. أقرأ باستمرار عن الطقس، وأتعلم أمورًا جديدة عن النار، والريف، بينما تحيطني الطيور والحيوانات والأشجار من كل جانب».

صورة: «ألكسندر كومر»، طبيب استكشاف يبلغ من العمر 34 عامًا، من لندن، ومن جميع أنحاء العالم

«أنت بحاجة لبعض الإبداع للحفاظ على كفاءة عقلك»

يعرف «ألكسندر» نفسه بأنه يعمل تحت مظلة الصحة العالمية، في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل بشكل أساسي، شملت أحد مهامه تقييم التطبيب عن بعد في غانا، وعمل قبلها على تقييم ارتفاع ضغط الدم في فيتنام، أما عن مشروعه القادم، فسوف يكون في أقصى الشمال الشرقي لكمبوديا، حيث سيتابع حالات المصابين بالجذام، وإعطائهم المضادات الحيوية كجزء من تجربة مستمرة لمعرفة ما إن كان بالإمكان القضاء على المرض أم لا. يقول ألكسندر: «أن تكون طبيب استكشاف ينطوي على عزلة رهيبة»، فعندما كان طالبًا، مكث في القطب الشمالي لإجراء أول بحث عن مرض الإيدز بين شعب الإنويت – الإسكيمو – كانت الحياة مكلفة للغاية هناك، لذا نشر إعلانًا طلبًا لتأجير منزل في صحيفة محلية، ومن ثم انتهى به الحال للعيش في خزانة نوم تمتلكها إحدى السيدات، بها فراش موضوع على الأرض يجب أن يحركه كي يستطيع فتح الباب، وسرعان ما تعود على نمط حياة السفر وحيدًا، والاعتماد بشكل كلي على نفسه.

يقول إنه في وقت لاحق، أمضى 11 شهرًا في القطب الشمالي للعمل مع بعثة كونكورديا للمريخ، تتلخص مهمته في فهم الآثار النفسية والفسيولوجية لإرسال البشر من وإلى المريخ، مستعينًا في ذلك بالقطب الشمالي، والقارة القطبية الجنوبية في الشتاء، كبيئة نظيرة للفضاء، يذكر أن درجات الحرارة كانت تصل أحيانًا إلى 80 درجة فهرنهايت تحت الصفر – أي أقل من 62 درجة مئوية تحت الصفر – وكانوا يعيشون ثلاثة شهور كاملة في ظلام دامس؛ ففي ظل ظروف كتلك، يقول: «تلاحظ عدم تماسك العقل البشري؛ إذ يعاني واحد من كل 10 أشخاص يعيشون في القارة القطبية الجنوبية خلال فصل الشتاء من اعتلال نفسي».

صورة له أثناء عمله في مشروع بعثة كونكورديا للمريخ

يؤكد «ألكسندر» أنه من الأهمية بمكان في تلك الظروف أن ينشغل الإنسان بأمر ما طوال الوقت؛ إذ يحتاج المرء بعض الابتكار حتى يحافظ على سلامة عقله. التقط «ألكسندر» الكثير من الصور خلال شتاء القطب الجنوبي، فكان بمثابة علاج بالفن؛ يقول إنه اعتاد التجول في الأرجاء في الواحدة صباحًا لالتقاط بعض الصور، ولم يسبق له أن كان في مثل تلك الحالة من الوحدة؛ بيد أنه استمتع بتلك «العزلة». يقول «أعتقد أنني سعيدٌ للغاية عندما أخلو بنفسي؛ كنت الأخ الأصغر، وغالبًا ما كنت أُترك وحدي. لقد ورثت طبيعة والدي الودودة والاجتماعية جدًا، لكنني لطالما وجدت أن العزلة تحرمك وتوسع أفقك بشكل يجعلك أكثر إبداعًا».

يرى «ألكسندر» أن الانسان قد يشعر أحيانًا بعزلة شديدة في ظل وجود الآخرين، أكثر مما يشعر بها عندما يكون وحده، فيذكر إحدى التجارب التي مر بها خلال مسيرة عمله، وكانت الأكثر وحدة على الإطلاق حسب وصفه، كان يعمل في مركز علاج الإيبولا، وفي اليوم الأول لعمله في سيراليون، جلس أمام سيدة في مثل عمره، مستلقيةً على سريرٍ تلفظ أنفاسها الأخيرة، وبصفته طبيب، يقول إنه تدرب على التفكير في الشخص الذي أمامه أكثر من تفكيره في نفسه، لكنه يقول: «غمرني شعور بالأسى الشديد؛ إذ لم أستطع الاقتراب منها ولمسها، كانت على بعد مترين ونصف فقط مني. وكنا نفقد نصف عدد المرضى في جناح المستشفى كل ليلة».

يعتقد أن الأمر الأهم في تواجد الإنسان وحده يتمثل في أن يكون هناك ما يشغله؛ فيخلق لديه شعورًا بالإنجاز والهدف. ويضيف: «وجودك منفردًا في شقتك دون عمل تقوم به، ربما يكون أكثر عزلةً من تواجدك في القارة القطبية الجنوبية، حيث لا يوجد أي شخص على بعد أميال».

«راثيكا راماسامي»، مصورة براري تبلغ من العمر 47 عامًا، من تشيناي بالهند

«أستعيد طاقتي عندما أكون بمفردي.. ولا أشعر بالضجر أبدًا»

تقول «راثيكا» إنها إذا كنت بصدد تصوير نمر في البراري، فلابد أن تجلس وحدها تنتظر وتراقب خروجه من بين الأدغال الكثيفة؛ ما قد يستغرق نصف ساعة أو ساعة أو حتى عدة ساعات؛ لذا فهي بحاجة إلى الكثير من الصبر، لكنها تحب الطبيعة، فضلًا عن حبها الانفراد بنفسها. تذكر أنها لطالما كانت منفردة بنفسها؛ ربما لأن والديها كانا يعملان منذ صغر سنها.

تقول «راثيكا»: «عندما أكون في الأدغال، يبدأ يومي في الرابعة والنصف صباحًا، بينما تُفتح الحدائق الوطنية في الهند في السادسة صباحًا، لكنني أُحب أن أكون أول الوافدين»، وتضيف أن إشارة الهاتف المحمول تنقطع في بعض الأماكن؛ ما يتيح لها فرصة الانقطاع التام عن العالم خارج البقعة المتواجدة فيها، عادة ما يسألها الناس حول كيفية تعاملها وتأقلمها مع قضاء كثير من الوقت بمفردها، لكنها لا تجد غضاضة في ذلك؛ فهي تحب ذلك، ويشعرها بالسكينة، وتضيف أنها تجد قربها من الناس أمرًا مرهقًا أحيانًا؛ «فأنا أستعيد طاقتي عندما أكون بمفردي، وأشعر أنني مفعمة بالحياة عندما أختلي بأفكاري – والطبيعة».

تقول إنها إذا كان لديها وقت فراغ في المساء، تمضيه في القراءة؛ إذ يساعدها ذلك في شحذ ذهنها للعمل من جديد، فضلًا عن أن التفكير في أماكن جديدة لتزورها، أو تلتقط صورها يجعل ذهنها نشطًا على الدوام. تعتقد أن من المهم قضاء بعض الوقت بمعزل عن الناس، والتلفاز، والإنترنت. وتصف حالها – على الرغم من حبها للوحدة – قائلة: «لم أُصب بالضجر على الإطلاق؛ فدائمًا ما يوجد كتاب، أو صور التقطتها أقوم بفحصها».

يزدحم جدول أعمالها في الفترة ما بين أكتوبر (تشرين الأول)، ومارس (آذار)، وبالتالي بالكاد تستطيع التفرغ لأسبوع واحد فقط؛ كي تقضيه مع عائلتها في المدينة، وعلى الرغم من ذلك، تقول: «أبدأ في الاشتياق إلى طيوري، وأفتقد الغابة بعد قضائي أسبوعين بالكاد مع عائلتي، ومن ثم ينتابني القلق، وتتملكني الرغبة في الخروج إلى التصوير».

عندما تكون في المدينة، تقول إنها تحرص على تصفح الأخبار حتى تكون على اطلاع بمستجدات الأمور؛ لأنها عندما تخرج للتصوير في البراري، لا يكون لديها أدنى فكرة عما يدور في العالم. تقول: «يمر عليّ في بعض الأحيان أيامًا، دون التحدث إلى أحد على الإطلاق، ولكن إذا توفرت لي فرصة الاتصال بالهاتف، أحب الاتصال بأمي وبزوجي. فإذا استطعت سماع أصواتهم، لا أشعر حينها بالوحشة. كانت أطول فترة قضيتها دون التحدث معهما 10 أيام، وكان ذلك صعبًا عليّ حقًا».

وتردف قائلة إن لديها ذكريات كثيرة لا تُنسى، على سبيل المثال: في إحدى المرات أثناء التقاطها بعض الصور للنمور، صادفت ثلاثة أشبال صغار، وكانت تلك المرة الأولى التي ترى فيها أشبال في نفس المكان، دون وجود أمهم. فما كان منها إلا أن قضت ما يقرب من نصف ساعة معهم، وتقول: «شعرت بتواصل حقيقي معهم»، وتذكر موقفًا آخر عندما كانت في حديقة سيرينغيتي الوطنية بتنزانيا، حيث رأى أكثر من 17 أسدًا ينامون في سكينة كالأطفال فوق شجرة، كان مشهدًا «يفوق الخيال» على حد تعبيرها. وتختم قصتها مؤكدة: «أنا أستمتع بالعزلة، لكن الحقيقة أنني لم أشعر بوحدة حقيقية على الإطلاق: أنا مع الطبيعة».

أنا لا أشعر بالوحدة إلا عندما أشتاق إلى أطفالي. *«جوردان فارمري»، سائق شاحنة يبلغ من العمر 32 عامًا، من جنوب إيرشاير باسكتلندا

يقول «جوردان» إنه يقضي معظم أيامه في القيادة في جميع أنحاء أوروبا وحده داخل شاحنته، وأحيانًا يقضي 11 ليلةً متتالية في العمل، يتبعها بثلاث ليالٍ في المنزل، يذكر أنه عندما يقود شاحنته، عادة يفكر في عائلته، وما سيفعله في أيام إجازته، بيد أنه أغلب الوقت ينشغل بالتفكير في العمل نفسه، وفي وجهته التالية، وبالتالي «ينصرف تركيزك بالكامل إلى القيادة، ولا يمكنك فقدانه أبدًا».

يعمل «جوردان» لصالح شركة «بي آند سي هاملتون»، ومقرها جنوب غرب اسكتلندا، تقدم الشركة خدمات الشحن تحت درجة حرارة معينة في المملكة المتحدة وأوروبا، تشمل مهامه نقل أي شيء، بداية من اللحوم، وصولًا إلى منتجات التنظيف، ويعمل في جميع أرجاء اسكتلندا، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وبلجيكا، وهولندا، وسويسرا، وألمانيا. أما عن حياته قبل القيادة، فيقول: «أتيت من خلفية زراعية، وتُعد وظيفة منعزلة أيضًا – إذ نادرًا ما تقابل أناسًا آخرين. لذا فقد تعودت على الوحدة؛ إنها لا تزعجني أبدًا».

يصف «جوردان» ظروف عمله قائلًا إنه لا يمكنه قيادة الشاحنة أكثر من ستة أيام متواصلة؛ إذ يجب عليه حينئذ التوقف وأخذ راحة لا تقل عن 24 ساعة، وخلال فترة الراحة تلك، يوقف شاحنته في مرآب شاحنات أو محطة خدمات في أي مكان، ومن ثم يذهب لتناول وجبة طعام في أحد الفنادق، أو يتوجه إلى إحدى الحانات ويشاهد المباريات الرياضية، أما في المساء، يقضي الوقت أمام جهازه اللوحي، إذ أستطيع تحميل برامج التلفاز عليه. ويضيف أنه يحاول الحفاظ على لياقته البدنية من خلال ممارسة المشي كل ليلة؛ بسبب صعوبة أداء الكثير من التمارين الرياضية، إلا أن ممارسة المشي تكون أكثر صعوبةً في فصل الشتاء.

صورة: جوردان فارمري

أما أيام إجازته الثلاثة، فيقضيها مع أبنائه الثلاثة – يبلغون من العمر 10، وثمانية، وأربعة أعوام. وكذلك يقوم أيضًا ببعض الهوايات اليدوية كما يفعل الجميع في أيام راحاتهم، ويذهب أحيانًا إلى الحانة المحلية لتناول بعض المشروبات إن تثنى له ذلك، لكنه يؤكد على أنه يقضي فترة إجازته مع عائلته بشكل أساسي. أما عن موقف زوجته من ظروف عمله تلك، يقول إنها لا تعارضها، فقد اعتادت عليها، ويذكر أنه يتصل بها مرة واحدة على الأقل يوميًا، لكنه بالطبع يفتقد أطفاله عندما يكون في عمله بعيدًا، لاسيما عند مغادرة المنزل حتى أول ليلتين بعد عودته للعمل؛ إذ تكونان غاية في الصعوبة بشكل خاص.

إلا أنه يستمتع بحياته العملية، ويُحب القيادة، ويقول: «ربما أُفضل الحصول على وظيفة قيادة تسمح لي بالتواجد بالمنزل ليلًا، لكن العائد المادي ليس بنفس الجودة. لا أقول إنني شخص انطوائي؛ فأنا اجتماعي جدًا، ولكن ربما أظل يومين أو ثلاثة أيام خلال الأسبوعين لا أتحدث فيهم إلى أحد على الإطلاق. لا يزعجني ذلك الأمر»، فإذا أراد تبادل الحديث مع أحد، فبإمكانه دائمًا التحدث مع السائقين الآخرين عند التوصيل أو تفريغ الحمولة، إذ بالكاد يمكن الحصول على فترات هدوء عندما يجتمع سائقين أو ثلاثة معًا.

عمل «جوردان» في هذه الوظيفة لمدة تسعة أشهر، ويود لو يستمر فيها بقية حياته، ويضيف أنه إذا استطاع توفير المال الكافي، يود امتلاك شاحنته الخاصة. ويختم تجربته قائلًا «اشتاق لإجراء المكالمات الهاتفية، وبقائي في المنزل، لكنني اعتدت على البقاء وحيدًا. لا أشعر بالوحدة حقًا، إلا عندما أشتاق إلى أبنائي، لكنني متأكد أنني سوف أعود إلى المنزل قريبًا، لذا أتطلع إلى ذلك بفارغ الصبر».

صورة: «إيان ويليامز»، حارس مرتفعات يبلغ من العمر 57 عامًا، من جزيرة سان ميغيل بولاية كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأمريكية

«العزلة منحة وامتياز. من الصعب جدًا أن تجدها في العالم المعاصر»

كان «إيان» الحارس الوحيد على جزيرة سان ميغيل طوال 25 عامًا، أقصى غرب جزر القناة، ولب وظيفته هو تطبيق القانون؛ إذ تواجه الجزيرة أحيانًا بعض مشاكل تهريب المخدرات، إلا أن الشاغل الأساسي لمعظم السكان هو البحث عن الآثار، يذكر أن هناك موقع أثري يرجع إلى 13 ألف سنة، كما توجد الكثير من الآثار القديمة المكتشفة التي ترجع إلى حقبة ما قبل التاريخ، وكانت وظيفته في ذلك المكان تثقيف وحث الناس على عدم أخذ هذه الأشياء التي لا تقدر بثمن، يصف «إيان» طبيعة عمله قائلًا «يختلف كل يوم عن الآخر، وهو على الأرجح سبب بقائي هنا لفترة طويلة جدًا».

يذكر «إيان» أن هيئة الحدائق الوطنية تحيل الموظفين إلى التقاعد الإلزامي عند عمر 57 عامًا بموجب القانون، وقد أكمل 57 عاما منذ أسابيع قليلة، إلا أنهم كانوا كرامًا بما فيه الكفاية بالسماح له بالبقاء فترة إضافية، ويعمل الآن موظفًا متخصصًا في إجراءات السلامة، ولديه مهجع صغير ومكتب، وهي بيئة تختلف أيما اختلاف عن بيئة عمله السابقة.

يردف «إيان» قائلًا: إن جزيرة سان ميغيل تبعد عن البر الرئيس بقرابة 25 ميلًا، ومتوقع أن يحل محله موظف آخر في خلال أيام قليلة، وتنقله طائرة إلى مقر عمله الجديد، إذا ما كانت الظروف مواتية. يذكر «إيان» أنه كان يمضي في عمله بعض أسابيع، دون أن يرى شخصا آخر، أو حتى قاربًا يقترب من الشاطئ، إلا أنه لا يتذكر أنه شعر في أي وقت مضى أنه مجبرٌ على «التأقلم» مع وضع كهذا، فحسب وصفه: «تلك العزلة ما هي إلا جزء من الوجود على هذه الجزيرة، وتتقبل ذلك ببساطة». يقول «إيان» إنه كلما ابتعد ناحية الغرب، اشتدت قساوة الطقس؛ ما يعني بالضرورة عزلة أكثر، ويقص أنه عاصر أيامًا وأسابيع يكون فيها الطقس سيئًا بحيث يقضى على أية فرصة لاقتراب قارب أو طائرة من الجزيرة، وبالتالي: «أكون بمعزلٍ تام عن الحضارة لوقت طويل، فالطبيعة تفرض شروطها».

يؤكد «إيان» أنه لم يشعر أنه بمعزل كامل عن الآخرين على الإطلاق، لكنه بطبيعة الحال كان منعزلًا جسديًا، حتى وإن كان عمله يشمل العمل مع الآخرين في مشاريع مختلفة واللوجستيات عبر اللاسلكي، يقول: «يمكننا إجراء اتصال في الصباح، ويعاودون الاتصال لاحقًا للاطمئنان علينا، ليتأكدوا أننا مازلنا على قيد الحياة». يذكر أنه عندما تواعد وزوجته للمرة الأولى، كان لديهم تراخيص اتصال لاسلكي خاص بالهواة؛ ما سمح لهم بالتحدث ليالٍ عديدة، إلا أنه كان خط اتصال مشترك، أي أن الجميع كان على اطلاع بالمحادثة، لكنها كانت الوسيلة الوحيدة المتاحة للتواصل. ومع مرور السنين، تمكن من الحصول على اتصال إنترنت، فكان تواصلهم عن طريق الرسائل الإلكترونية؛ ما جعل الأمر أكثر سهولة، يضيف «إيان» أنه التقى بزوجته بعد حصوله على الوظيفة على الجزيرة بالفعل، لذا كان بقاؤه بعيدًا لمدة أسبوع كل مرة على حد وصفه هو «الحياة الوحيدة التي عرفتها»، و«كانت العودة إلى المنزل بعد البقاء بعيدًا لبعض الوقت سببًا في تقديرنا الإضافي للوقت الذي نقضيه معًا».

ويختم قصة عزلته الطويلة قائلًا: «إذا توفر لدي وقت فراغ، كنت أقضيه بشكل رائع في القراءة، أو عزف الموسيقى، أو مجرد المشي والاستمتاع بالمنظر. لقد شعرت أن العزلة منحة رائعة. من الصعب جدًا أن تجدها في العالم المعاصر».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!