يُعتبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رئيسًا لا يقهر، كما يصفه ستيفن كوك، الزميل الأقدم في زمالة «إيني أنريكو ماتي» في دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا بـ«مجلس العلاقات الخارجية» في مقاله بمجلة «فورين بوليسي» الأمريكية. مشيرًا إلى أنَّ أحدًا لم يفلح في التنبؤ بالنهاية السياسية لأردوغان، غير أنَّ الرئيس التركي وحزب العدالة والتنمية يبدو أنَّ موقفهما ضعيف في الانتخابات المحلية المقرر إجراؤها نهاية الأسبوع.

«بلومبرج»: كيف تغيِّر تركيا شكل الشرق الأوسط وماذا يمكن أن تفعل أمريكا؟

لو أن أردوغان لم يشعر بالضغط السياسي – يستدرك كوك – ما كان عرض الفيديو الخاص بمذبحة كرايست تشيرش البشعة على الجمهور في التجمعات الانتخابية، ولا اتهم المعارضة بدعم أولئك الذين يرغبون في تقسيم تركيا، وما كان وزير داخليته قد صدح بحقيقة معارضة تركيا للتدخل الأمريكي في سوريا واستيلائها على عفرين.

يشير كوك إنَّ التشديد على كراهية الغرب للإسلام، وتخوين حزب المعارضة الرئيس، ومقاومة الولايات المتحدة كلها أساليب ممتازة لحشد الناخبين الأتراك لدعم مرشحي حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية.

ولفت الكاتب إلى أهمية البلديات التي سيجري الاقتراع على اختيار رؤسائها في الانتخابات المحلية يوم 31 مارس (آذار)، مرجعًا ذلك إلى أنَّ النجاح في هذه البلديات التي يبلغ عددها 81 مدينة ونحو ألف بلدة يعني الحفاظ على نظام المحسوبية الذي يُبقى على قاطرة عمل حزب العدالة والتنمية دائرة لأنَّه ليس من المنطقي أن يستمر أي من رجال الأعمال في كسب ود «حزب العدالة والتنمية» طالما أصبح عمدة البلدية من حزب آخر.

وينبع القلق المتزايد لأردوغان، بحسب كوك، من الأخبار الاقتصادية السيئة مؤخرًا؛ فالاقتصاد التركي يشهد حالة ركود، والتضخم بلغ 20%، ومعدل البطالة ارتفع إلى 13.5% خاصة بين الشباب، وتراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي. ومع ذلك، بالنظر إلى المهارات السياسية لأردوغان، واستعداد حزب العدالة والتنمية للتلاعب بنتيجة الانتخابات، وضعف خصوم الحزب، وانعدام الشجاعة بين المعارضة المحتملة، فمن المرجح أن يظفر الحزب الحاكم بنصر انتخابي آخر، وفقًا للكاتب.

أردوغان سياسي عظيم

وصف كوك أردوغان بأنَّه  «سياسي عظيم»، مشيرًا إلى أنَّ ذلك الأمر يجب أن يكون واضحًا لأي شخص تابع تاريخه السياسي. لكنه استنكر الطريقة التي استخدم بها أردوغان لقطات مجزرة نيوزيلندا في التجمعات الانتخابية الأسبوع الماضي ووصفها بأنَّها «تكتيك سياسي بشع ورخيص».

لكنه وصف ذلك بأنها محاولة ذكية، سمحت لأردوغان بتسليط الضوء على الأفكار المتعلقة بالتضامن مع المسلمين، والقيادة التركية، والغرب «الماجن» الذي لا يمكن الاعتماد عليه، والذي كان منذ فترة طويلة جزءًا من المرجع السياسي لأردوغان ولحزب العدالة والتنمية، مضيفًا أن الرئيس التركي يُدرك جيدًا أنَّ الدعوات السياسية التي تلعب على وتر الهوية قد تكون لديها القدرة على التغلب على الأخبار الاقتصادية السيئة.

وذكَّر الكاتب كيف أنه العام الماضي عندما أدى سوء الإدارة الاقتصادية للحكومة إلى تراجع حاد في قيمة الليرة، وكان المحللون يتوقعون لجوء أردوغان إلى صندوق النقد الدولي طلبًا للمساعدة، ألقى الزعيم التركي باللوم على الولايات المتحدة و«استعان بالله»؛ مما جعل الأمر يبدو كأنه فضيلة قومية ودينية في مواجهة منطق سوق الأسهم. وعزز ذلك دون شك موقف أردوغان حتى وإن كان على المدى القصير.

ولهذا السبب، وقبل حوالي أسبوعين من انتخابات 2019، يشير الكاتب إلى أن أردوغان وجه الأسئلة التالية إلى الشعب التركي: «لماذا يصمت الغرب؟ ولماذا يصمت الإعلام الغربي؟» ليجيب هو نفسه عنها قائلًا: «لأنَّهم هم من أعدوا (بيان الإرهابي المشتبه به) وسلموه إليه»، ثم حذر الرئيس التركي النيوزيلنديين والأستراليين (ممن لديهم نية في ارتكاب أعمال عنف) من أنَّهم إذا زاروا تركيا، فسوف يعودون مثلما حدث مع أجدادهم في الحرب العالمية الأولى في أكفان.

تلاعب لا مفر منه

ويقول كوك إنَّه حتى لو لم ينجح أردوغان لكسب أصوات الناخبين باستغلال هذا الحادث الذي حصد أرواح 50 شخصًا من إخوانه المسلمين، فهناك سبب وجيه للاعتقاد بأنَّ حزب العدالة والتنمية سيفعل كل ما بوسعه لضمان أن تكون النتيجة في صالحه.

مشيرًا إلى أن أحدث مثال على تلاعب الحزب في الانتخابات حدث في أبريل (نيسان) 2017، عندما طُلب من الأتراك الموافقة على التعديلات الدستورية التي تمنح أردوغان سلطات جديدة، فعندما أصبح جليًا أن معسكر المؤيدين للتعديلات قد يخسر، قام الحزب وعملاؤه باحتساب الأصوات غير المختومة؛ مما يعد مخالفًا للإصلاحات الانتخابية التي كان يتبناها حزب العدالة والتنمية.

وفي الانتخابات العامة التي جرت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، وهي عبارة عن إعادة لانتخابات أجريت في يونيو (حزيران) 2015 لم يُعجب أردوغان بنتيجتها، قال المراقبون الدوليون: «إنَّ حزب العدالة والتنمية ومؤيديه والحكومة انخرطوا في ترهيب المعارضة، وممارسة العنف ضدها – بحسب كوك – على الرغم من أنَّ التصويت كان خاليًا من المشكلات. وقبل ذلك بعام، اتهمت المعارضة على نحو موثَّق الحزب الحاكم بالتدخل في نتائج انتخابات بلدية أنقرة؛ مما أثر على السباق لصالح مرشحه».

معارضة هشة

ويقول كوك: «إن المزايا المصاحبة لتنظيم حملات ضد المعارضة غير البارعة دائمًا هي من الجوانب التي يجري تجاهلها غالبًا في فترة هيمنة حزب العدالة والتنمية على مدى عقدين تقريبًا على السياسة التركية».

وأشار إلى حقيقة تقدم مرشح حزب الشعب الجمهوري لمنصب عمدة إسطنبول في استطلاعات الرأي ضد بينالي يلدريم، رئيس الوزراء السابق والرجل المؤيد لأردوغان، مضيفًا أن الموقف يبدو أفضل في أنقرة أيضًا بالنسبة لمرشح حزب الشعب الجمهوري، منصور يافاش.

وقال: «إن مثل هذه التنافسات تُعتبر أمرًا مميزًا بالنسبة لحزب عانى من هيمنة حزب العدالة والتنمية، والذي غيَّر المشهد الإعلامي في تركيا إلى حد كبير لصالحه، واستخدم قوة جهاز الدولة لصالحه»، وعلى الرغم من هذا التقدم يشير الكاتب إلى أنه لا يبدو أنَّ قادة حزب الشعب الجمهوري جاهزون لتوصيل أي رسالة، على الرغم من وفرة القضايا التي يمكن أن يُهاجم على أساسها حزب العدالة والتنمية ومنح مستقبل أفضل للأتراك.

وفي صيف 2017، في ما كان يُعتبر بلا شك ضربًا من الحظ السيئ، تطرق كمال كيليتشدار أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض إلى قضية سياسية قد تكون رابحة عندما بدأ “مسيرة العدالة” احتجاجًا على سجن أحد أعضاء الحزب وصحافي سابق.

وبينما كان كيليتشدار أوغلو يسير في طريقه من أنقرة إلى إسطنبول، استقطب عشرات الآلاف من المتابعين واهتمامًا إعلاميًا كبيرًان وفقًا لكوك. وبعد 25 يومًا و450.6 كيلومترًا، دخل كيليتشدار أوغلو إلى أكبر مدن تركيا وأهمها على الصعيد السياسي، وأحد معاقل حزب العدالة والتنمية في الوقت نفسه، حيث كانت الجماهير المحتشدة في استقباله. لكن بعد ذلك، وبعد تفريق أنصار كيليتشدار أوغلو، لم يحدث أي شيء على الإطلاق.

ويقول الكاتب: إنه «في ظل  أن أحدًا لا يعارض العدالة، كان ينبغي أن تكون المسيرة بداية لحملة لاستعادة سيادة القانون وضمان الحقوق وإنهاء الفساد، لكنه أوضح أن السبب في ذلك يرجع إلى أن كيليتشدار وممثلوه لم يتمكنوا من إدارتها حتى بعد نجاح مسيرته الملهمة لوقت قصير».

ونتيجة لذلك أصبح حزب الشعب الجمهوري الذي كان حزب الرئيس التركي الأسبق مصطفى كمال أتاتورك، أكثر بقليل من مجرد حزب إقليمي متمركز في ساحل بحر إيجة بتركيا، ويلقى ما يتراوح بين 20 و25% من التأييد الشعبي.

أما بالنسبة للأحزاب الأخرى، يرى كوك أنه كان من المفترض أن ينقذ حزب الخير تركيا من حزب العدالة والتنمية في الجولة الأخيرة من الانتخابات العامة والرئاسية لكنه أخفق بشكل كبير، إذ حصل على 43 مقعدًا فقط في البرلمان التركي المكوَّن من 600 مقعدٍ.

أما في ما يتعلق بحزب الشعوب الديمقراطي، يشير كوك إلى أنه كان هدفًا لقمع الحكومة على مدار سنوات، إذ يقبع معظم قياداته في السجن بتهم دعم الإرهاب، وهو اتهام ملائم من منظور سياسي، لكن «متهور» من جانب حزب العدالة والتنمية بالنظر إلى أن الحزب نشأ من المجتمع الكردي، رغم أن قاعدته تمتد لما هو أبعد من الأكراد.

فوز شبه مؤكد

ويرى كوك أن أردوغان وحزب العدالة والتنمية يتمتعان بميزة أيضًا؛ إذ الأشخاص الوحيدين الذين قد يكونوا قادرين على تحديهم أثبتوا أنهم جبناء. ولفت إلى أن شائعات تخرج بصورة دورية تشير إلى أن الرئيس التركي السابق عبد الله جول سيعود من التقاعد ليتحدى شريكه السياسي في وقت من الأوقات، لكن مجتمع المراقبة التركي تعلم كيفية الانتباه لمثل هذه الخدع.

واعتبر الكاتب أن الأقاويل الأخيرة إن صحت عن تكوين حزب من المحتمل أن يضم أحمد داوود أوغلو الذي عمل مستشارًا للسياسة الخارجية ووزيرًا للخارجية ورئيسًا للوزراء مع أردوغان، بجانب علي باباجان نائب رئيس الوزراء ووزير الاقتصاد السابق وغيرهم من أنصار حزب العدالة والتنمية الذين تخلص منهم أردوغان، بمثابة أخبار سارة للناخبين الأتراك.

لكنه رأى أن المشكلة تكمن في أن داود أوغلو ورفاقه لن يلتزموا بأي شيء حتى يروا نتيجة الانتخابات المحلية، مشيرًا إلى أنه أتضح أن المبادئ مهمة طالما يفوز حزب العدالة والتنمية بفارق صغير فقط. وفي هذه الحالة، قد لا يكونون حزبًا أيضًا؛ لأنه لن تكون هناك حاجة إليهم حتى.

وخلص كوك في نهاية مقاله إلى أن أردوغان بالتأكيد يبدو أضعف من أي وقت آخر في السنوات السبعة عشر الأخيرة، لكنه قال: «إن هذا لا يعني أنه في خطر، إذ يسيطر هو وحزبه على تركيا منذ عقدين تقريبًا، ونتيجة لذلك يسيطرون على الصحافة وموارد البلاد، ويسيطرون على العملية السياسية على كل المستويات».

وقال: إن الأتراك قد يسألون أنفسهم بوضوح «هل هناك بديل؟» وستكون الإجابة قطعًا بالنفي، مشيرًا إلى أن الرئيس التركي يعمل بجد ويقول أشياء صادمة لأنه سياسي بارز، ويعامل كل انتخابات وكأنها آخر انتخابات له وأنه متخلف بـ10 نقاط في استطلاعات الرأي قبل أسبوع من الانتخابات.

وأضاف أنه في حين أن الرهان على خسارة حزب العدالة والتنمية هو أمر مغري، وأن المراقبين يتوقعون أن يلقى الحزب جزاءه العادل أو أنه سيتمزق في الانتخابات الثلاثة على الأقل، فهذا لن يحدث هذه المرة، لكنه قد يحدث مستقبلًا، وبالتالي فإن التحول السياسي في تركيا مستمر.

«الجارديان»: من إصلاحي إلى «سلطان جديد».. كيف تطورت خطابات أردوغان منذ 2007؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات