بعد وصول مباحثات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي إلى طريق مسدود، وتوتر شديد في العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، يبدو أن بيت أردوغان الداخلي بدأت تعتريه بعض التوترات.

في تقرير نشره موقع «ذي إيكونوميست»، يقول الكاتب إن شعبية حزب الرئيس التركي بدأت في التراجع، إذ أظهرت استطلاعات الرأي مؤخرًا تزايد في أعداد الناخبين المترددين بشأن منح صوتهم لأي حزب. ويضيف أن أحد الأسباب ربما يكون تمادي الحكومة الحالية في الأفعال الاستبدادية، سواء اعتقالات أو إقالات لم يسلم منها حتى العمداء المنتخبين التابعين لحزب العدالة والتنمية نفسه.

يذكر التقرير أنه في وقت سابق من العام الحالي، استضاف «مليح غوكجك» -عمدة أنقرة المخضرم وعضو حزب العدالة والتنمية- مجموعةً من الصحافيين الأجانب في أحد العقارات في إحدى ضواحي العاصمة، وبدأ العمدة غوكجك كلامه بعرض (باوربوينت) «بشع» حول محاولة الانقلاب الفاشلة في الصيف الماضي، عارضًا خليطًا من الصور التي تظهر أجسادًا متشابكة مع الدبابات، مصحوبة بموسيقى تصويرية مأخوذة من الفيلم الهوليوودي «Requiem for a Dream» جنازة حلم.

وأنهى عرضه بالادعاء أن قوى الغرب تورطت في حمام الدم الانقلابي، وأن إدارة الرئيس الأمريكي السابق أوباما هي من خلقت تنظيم الدولة الإسلامية، وأن السفن الزلزالية الأمريكية والإسرائيلية هي من تسببت -عن عمد- في الزلازل الذي حدث بالقرب من ساحل إيجة التركي، وعندما تساءل المراسلون في حيرة عن مصادر غوكجك لتلك المعلومات، كانت إجابته صادمة: «لدي أفضل خدمة استخبارات في العالم تحت تصرفي»، واستكمل «تدعى جوجل». ويبدو أنه لم يكن يمزح.

حكومة استبدادية

يضيف التقرير أن حياة العمدة السياسية انتهت فجأة، بعدما أعلن استقالته في 23 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد قضائه عقدين من الزمان في منصبه.

جدير بالذكر أن العمدة يعتبر زعيم نظرية المؤامرة في تركيا، وهو منصب تكالب عليه العديد من أعضاء الدوائر الداخلية للرئيس أردوغان. وقد أثارت استقالته شعورًا بالحيرة على نطاق واسع؛ لأنه شغل منصبه لفترة طويلة، وجاء قراره بعد الضغط المتزايد طوال أسابيع من أردوغان والصحف الموالية للحكومة على السواء، إذ لمحت بعض الصحف إلى أن غوكجك سيواجه تهمًا جنائية إذا رفض التنحي، بالطبع لم تحدد أي من الصحف طبيعة تلك الاتهامات، لكن العديد من القراء فهموا القصد من التلميح، ففي عام 2015، اتهم نائب رئيس الوزراء السابق غوكجك بالفساد، لكن لم يقدم أي أدلة تثبت ادعاءاته، فضلًا عن أن العمدة أنكر جميع الاتهامات.

يبدو أن العمدة غوكجك ليس إلا واحدًا من المسؤولين الكثر الذين تنحوا من مناصبهم في مجالس البلدية في جميع أنحاء تركيا، فمنذ بداية سبتمبر (أيلول) تنحى حوالي ستة عمداء تابعين لحزب العدالة والتنمية، كان من المفترض أن تنتهي مدة ولايتهم في عام 2019، ويقال إن الرئيس أردوغان هو من أمر بسلسلة الاستقالات التي بدأت باستقالة عمدة إسطنبول.

يقول التقرير إن حقيقة أن الرئيس أردوغان صار بإمكانه إقصاء مسؤولين منتخبين، ما هو إلا دليل آخر على مدى استبدادية حكومته، جدير بالذكر أنه خلال العام الماضي ترأس عمليات اعتقال أكثر من 80 عمدة في جنوب شرق تركيا الكردي، واستعاض عنهم بأمناء عينتهم الحكومة، علاوة على تلاشي المعارضة داخل حزب العدالة والتنمية نفسه، إضافة إلى تقلص مساحات المعارضة في كل مكان آخر.

ويرى كاتب التقرير أن عمليات التطهير التي أطلقها الرئيس أردوغان منذ محاولة الانقلاب الفاشلة العام الماضي، كلفت حوالي 60 ألف شخص حرياتهم، و150 ألف شخص وظائفهم، وأشار التقرير إلى أن هناك الكثير من عمليات الاعتقال المحتملة، بيد أن الشرطة احتجزت بالفعل «عثمان كافالا» -هو رجل أعمال وناشط بارز في المجتمع المدني- في 18 أكتوبر (تشرين أول)، واعتقلت أيضًا «سابان كارداس» -رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية في الشرق الأوسط- قبل ذلك ببضعة أيام.

اقرأ أيضًا: «فورين بوليسي»: لماذا كان التحالف الأمريكي التركي من البداية مجرد أسطورة؟

قلق داخلي يشعل الخارج

يؤكد التقرير أن ذلك النوع من القمع في بيت أردوغان الداخلي يثير بعض القلق في الخارج، ففي أوائل شهر أكتوبر (تشرين الأول)، بعد أن ألقت قوات الشرطة في إسطنبول القبض على موظف تركي في القنصلية الأمريكية بتهمة الإرهاب، علقت الولايات المتحدة الأمريكية خدمة التأشيرات داخل تركيا، فكان رد حكومة أردوغان بأنها لن تصدر تأشيرات للأمريكيين، وهكذا، يبدو أن هذا الصدام بين عضوي حلف الناتو لا يتراجع.

يقول هنري باركي -مسؤول سابق في وزارة الخارجية- مشيرًا إلى مكان عمله القديم «إن الوضع متأجج هناك». جدير بالذكر أن «باركي» لم يتمكن من السفر إلى تركيا طوال العام الماضي؛ إذ تتحرى السلطات التركية بشأنه، جنبًا إلى جنب عدد من المسؤولين الأمريكيين الآخرين، من بينهم رئيس وكالة الاستخبارات الأمريكية السابق، وسيناتور ولاية نيويورك، لشبهة ارتباطهم بمحاولة الانقلاب الفاشلة.

أما في الاتحاد الأوروبي، يقول التقرير إن الوضع لا يقل بشاعة. عقدت قمة لدول الاتحاد الأوروبي الشهر الحالي، بحث زعماء الاتحاد الأوروبي خلالها قرارات تجميد المساعدات المقدمة إلى تركيا، وفي الخامس والعشرين من أكتوبر (تشرين الأول)، صوت برلمان الاتحاد الأوروبي على خفض المساعدات بمقدار 80 مليون يورو، أي ما يعادل 94 مليون دولار، بحجة وضع حقوق الإنسان في تركيا، وهكذا وصلت محادثات عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي إلى طريق مسدود.

الجنرال في المتاهة

أما عن الوضع الداخل التركي، يذكر التقرير أن بموجب حكم الطوارئ الذي تم تمديده مؤخرًا إلى ثلاثة أشهر أخرى، يتمتع الرئيس أردوغان بسلطات غير مقيدة، بيد أن تحويل حرب التطهير إلى استهداف عمدة حزبه، قد تكشف شعورًا بالقلق حول مستقبله. جدير بالذكر أنه في مطلع العام الحالي، بالكاد تم تمرير استفتاء منحه المزيد من السلطة، وعلى الرغم من محاولات حكومته في تذليل كل الصعاب لصالحه، كان التصويت بـ«لا» هو السائد في إسطنبول وأنقرة.

إلا أن كبار مسؤولي حزب العدالة والتنمية يدافعون عن حركة الإقالات الجماعية مبررين ذلك بأن الحزب يجب أن يجدد نفسه استعدادًا للانتخابات المحلية، والبرلمانية، والرئاسية في عام 2019.

ويشير التقرير ختامًا إلى ما أظهرته استطلاعات الرأي أن أعداد الناخبين «المترددين» تتزايد. يقول «ياسين اكتاي» أحد مستشاري الرئيس أردوغان: «نحن بحاجة إلى بعض التغيرات والوجوه الجديدة»، بيد أن ليس هناك ما يضمن أن تغيير العمدة سيصب في مصلحة الرئيس أردوغان، تعلق «أتيلا سيلادا» -محللة سياسية- على ذلك قائلة: «هو يظن أن ناخبي حزب العدالة والتنمية يشعرون بخيبة أمل من الإدارات المحلية»، في حين «ربما يكون هو من أصابهم بخيبة الأمل».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد