كتب أيكن إيردمير، وهو مدير برنامج تركيا في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وجون ليشنر، وهو طالب دراسات عليا بجامعة جورج تاون، تقريرًا في مجلة «فورين بوليسي» حول تردد الرئيس أردوغان في طلب قرض من صندوق النقد الدولي لدعم الاقتصاد التركي الذي يعاني. ويرى الباحثان أن مثل ذلك القرض مع ما يصاحبه من تدابير مكافحة فساد ورقابة يمكن أن يهدد شبكة المحسوبية التي يرعاها الرئيس في البلاد والتي تضم المقربين منه.

ويستهل الكاتبان المقال بقولهما: الاقتصاد التركي يشبه سدًّا ينتظر الانهيار. إذ خسرت الليرة 90 في المئة من قيمتها مقابل الدولار خلال السنوات الثلاث الأخيرة، بينما استنفدت أنقرة اعتبارًا من الشهر الماضي احتياطياتها الدولية الصافية (باستثناء خطوط المبادلة) في دفاع غير فعال عن العملة.

وتواصل الشركات التركية غير المالية المثقلة بالديون، والغارقة بالفعل في مديونيات بالعملات الأجنبية تصل إلى 300 مليار دولار، دفع الثمن. غير أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ما يزال من غير المرجح أن يوقع اتفاق إنقاذ مع صندوق النقد الدولي على الرغم من حاجة البلاد إليه.

خط مبادلة الليرة التركية بالريال القطري

يعزو الكاتبان ذلك لتفضيل أردوغان عمليات الإصلاح السريعة. وأحد الأمثلة على ذلك هو توسيعه مؤخرا خط مبادلة الليرة بالريال مع قطر – وهو ترتيب مؤقت يزيد احتياطيات بنك تركيا المركزي على النقد – من 5 مليارات دولار إلى 15 مليار دولار بدلا من التفاوض حول ما يحتاجه الاقتصاد التركي المريض بشدة، وهو: «اتفاقات الاستعداد الائتماني» (أداة الإقراض الأساسية لبلدان الأسواق الصاعدة والبلدان المتقدمة) أو «تسهيل الصندوق الممدد» (برنامج يغطي فترة أطول، ويتيح مهلة أطول للسداد)، يمكن أن توفر للبلاد قرضًا متوسط المدى ومنخفض الفائدة من صندوق النقد الدولي مقابل الالتزام بإصلاحات هيكلية.

ويدفع الكثير من الخبراء في تركيا والخارج بأن العقبة الرئيسية أمام قبول برنامج صندوق النقد الدولي هي أيديولوجية أردوغان المقترنة بخوفه من رد الفعل العكسي لدى الناخبين على مثل ذلك البرنامج.

يرى الباحثان أن هؤلاء الخبراء يجانبهم الصواب، لأن العقبة بالنسبة لرجل تركيا القوي هي شروط الاقتراض من صندوق النقد الدولي واحتمالية أن تقوض نظام حكمه الذي يقوم على المركزية المفرطة.

Embed from Getty Images

وخلال العقد الأخير، رسخ أردوغان السلطة ببرنامج سياسي مبنى على سياسات اقتصادية غير تقليدية. واعتاد المستثمرون أن ينظروا إلى معتقدات الرئيس الغريبة – وهي أن أسعار الفائدة تؤدي إلى تضخم أعلى أو «لوبي لسعر الفائدة» يقوده اليهود الذين يهدفون إلى انهيار الاقتصاد التركي – باعتبارها محرجة ومثيرة للسخط.

غير أن هذه الأيام ولت من زمن. وبعد أن خسر البنك المركزي آخر مظاهر استقلاليته في عام 2019، أصبحت هذه المعتقدات جزءا من تفكير التيار العام. وإلى حد كبير، فإنها الآن تملي سياسة تركيا النقدية، التي أدت إلى الخروج الكبير من أسواق السندات والأسهم في البلاد.

اقتصاد الناس

منذ 5 شهور
«إندبندنت»: تركيا تكشف عن خطة لإنعاش السياحة بالرغم من فيروس كورونا

الدفاع عن الليرة استنفد احتياطي البنك المركزي

يتابع المقال: وليزيد الطين بلة، فإن الدفاع غير المُجدي عن سعر صرف العملة التركية، الذي كان في البداية عند مستوى ست أو سبع ليرات مقابل الدولار، أثبت أنه كارثي بالنسبة لاحتياطيات البنك المركزي. وأردوغان ضعيف هنا على نحو خاص لأن هذه الجهود نفذها صهره غير المؤهل، وزير المالية والخزانة بيرات البيرق، الذي ما كان يجب أبدًا أن يتولى المنصب في المقام الأول.

صحيح أن أردوغان أثبت أنه براجماتي من قبل، ولا سيما في وجه الأزمات. إذ حدث ارتفاع في سعر الفائدة، حتى عندما كان يعارضها في البداية. وبعد تصعيد الأزمة مع روسيا، ابتلع كبرياءه وأعاد العلاقات. غير أن هذه القرارات لم تستتبع تفويض السلطة. في الحقيقة، وبالنظر إلى سيطرته شبه الكاملة على وسائل الإعلام، يمكن لأردوغان أن يتراجع عن سياساته بسهولة تفوق ما يحدث في ديمقراطية حقيقية، طالما لم يستلزم ذلك منه تغيير قبضته على السلطة المستمرة منذ 18 عامًا، على حد قول الباحثين.

التعامل مع الصندوق يستلزم إصلاحات هيكلية وإجراءات للحكم الرشيد

يتابع المقال: السبب الحقيقي في أن أردوغان لا يمكنه أن يتوجه إلى صندوق النقد الدولي هو أن «اتفاقات الاستعداد الائتماني» أو «تسهيل الصندوق الممدد» يستلزم إصلاحات هيكلية، ومن ثم تقاسم السلطة وإجراءات الحكم الرشيد. ويستفيد حكم حزب العدالة والتنمية الذي يقوده أردوغان من الافتقار إلى الشفافية والمحاسبة.

يكمل الباحثان: ولا يخضع صندوق الثروة السيادية التركي، الذي يمثل ميزانية موازية للرئيس التركي، لرقابة البرلمان أو ديوان المحاسبة. وقال مراجع حسابات خاص أنه حتى لا توجد بيانات كافية لإجراء تقييم مناسب. كذلك فإن البيانات الاقتصادية المقدمة من معهد الإحصاء التركي تعد أيضًا موضع اشتباه. وحمل تقرير صدر من ثاني أكبر بنك ألماني في عام 2017 وهو بنك «كومرز بنك» حول أرقام النمو التركية المشكوك فيها عنوان «قطعًا ليس تركيا (هل تمزح؟!)». وينتعش اقتصاد أردوغان بموجب ترتيبات خارج كشوف الميزانية لأصدقائه في حزب العدالة والتنمية.

Embed from Getty Images

مطار ظافر نموذج لفساد المقربين

أحد الأمثلة الذي يستشهد بها الباحثان هو مطار ظافر الذي افتتح في 2012 في محافظة كوتاهية بغرب تركيا ويديره إمبراطور إنشاءات مقرب من أردوغان وساعده في الحصول على منافذ إعلامية حكومية.

وتوقعت الحكومة مرور 7.6 مليون راكب خلال السنوات السبع الأولى من تشغيل المطار: ولكن لم يستخدم المطار سوى 300 ألف مسافر حتى الآن. وفي ظل اتفاق عائدات مضمون من الحكومة ينتهي في عام 2044، من المقدر أن تتلقى الشركة 205 مليون يورو (228 مليون دولار) من الخزانة العامة لخدمة رحلات غير موجودة.

قرض الصندوق.. تهديد مباشر لحكم أردوغان

ومن المرجح أن يؤدي برنامج لصندوق النقد الدولي، مع الإصلاحات المصاحبة له، إلى القضاء على ضمانات العائد المرتفعة تلك والترتيبات الأخرى التي لا تحصي خارج كشوف الميزانية. كذلك سيتطلب تكنوقراطيين على درجة من الكفاءة والشفافية والمحاسبة ووكالات رقابية مستقلة، وبنك مركزي متحرر من الضغوط السياسية. يتابع الكاتبان: «لكن مع مثل تلك الإصلاحات، سيكون مطلوبا من أردوغان فعليا أن يتخلى عن سيطرته على كل المعاملات الغامضة التي يتوسط فيها هو ومحاسيبه بمرور الوقت. وبمعنى آخر، يعد اتفاق مع صندوق النقد الدولي تهديدا مباشرا لحكمه وشبكة المحسوبية المرافقة له».

وجلب برنامج صندوق النقد السابق في تركيا، والذي بدأ في 1999 وبلغ ذروته في أزمة 2001، شفافية أكبر ومحاسبة للبلاد، بحسب التقرير. وجاءت هذه الحزمة استجابة لمستويات غير مستدامة من الدين الحكومي وتعرض البنوك التركية لها. ودعا صندوق النقد الدولي إلى إصلاحات هيكلية لتقوية التمويل العام والشفافية المالية وإدارة جديدة كشرط للاقتراض. ونجحت الخطة؛ إذ استقرت تركيا وحققت نسبة نمو بلغت في المتوسط سبعة في المئة على مدار السنوات الست التالية.

وبينما يمكن أن يوفر برنامج لصندوق النقد الدولي فوائد مماثلة لتركيا اليوم، إلا أن أردوغان عازف عن الخضوع لشروطه. في المرة الأخيرة، أدت إجراءات التقشف المؤلمة التي فرضها صندوق الدولي إلى نتائج، ولكن ليس قبل أن يجري دولت بهجلي، الشريك القومي المتطرف في ائتلاف تركيا الثلاثي، انتخابات مبكرة في عام 2002، ليطيح بكل الأحزاب الممثلة في البرلمان، الحاكمة والمعارضة على السواء، ويدفع بأردوغان، المحافظ السابق لإسطنبول، إلى مقعد القيادة. وبهجلي نفسه، الذي لا يمكن التنبؤ به الآن كما كان آنذاك، هو الشريك الرئيسي في ائتلاف أردوغان اليوم.

Embed from Getty Images

يتابع المقال: «يكره أردوغان، الذي استفاد من تقلب بهجلي في عام 2002، أن يكون آخر ضحاياه قبل انتخابات الرئاسة المقبلة في عام 2023، لا سيما وأن عمدة اسطنبول الحالي، أكرم إمام أوغلو – وهو شخصية تتزايد شعبيتها ونجح في لم شمل المعارضة التركية المنقسمة – يبرز باعتباره أكبر منافسيه. غير أن الانتخابات ستحل بعد ثلاث سنوات – وهي تعتبر فترة طويلة في السياسة التركية – وأردوغان بحاجة إلى الحفاظ على تدفق الغنائم ليس فقط لشبكة المحسوبية في حزب العدالة والتنمية ولكن أيضًا لبهجلي وعملائه اليوم».

ويختتم الكاتبان مقالهما بالقول: «لهذه الأسباب سيكون صندوق النقد الدولي هو المحطة الاخيرة على الإطلاق التي يمكن أن تتوقف فيها الحكومة التركية. وإذا أجبرت متاعب تركيا الاقتصادية ومعاناة مواطنيها أردوغان بصورة ما للجلوس على الطاولة، لا يجب على صندوق النقد الدولي أن يمنحه بطاقة دخول مجانية.

بل يتعين على صندوق النقد الدولي أن يطالب بالشفافية المالية ووضع نهاية للترتيبات خارج كشوف الميزانية وتوظيف تكنوقراط من ذوي المقدرة بدلا من أفراد الأسرة، وفرض تدابير صارمة لمكافحة الفساد ومكافحة غسيل الأموال. ويمكن أن يكون عدد سكان تركيا الكبير والذي يغلب عليه الشباب والحيوية محركا للنمو الاقتصادي لكل من أوروبا والشرق الأوسط. إنهم يستحقون أن يمنحوا هذه الفرصة».

اقتصاد الناس

منذ 5 شهور
مترجم: رغم معاناة الاقتصاد التركي.. لماذا يرفض الشعب قرض صندوق النقد؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد