بعد تراجع «حزب العدالة والتنمية» في انتخابات البلديات التركية، نشرت صحيفة «فاينانشال تايمز» تحليلًا ترى فيه أنَّ التراجع فاقم التحديات التي يواجهها الزعيم التركي أردوغان ومعه بلاده.

أشارت الصحيفة إلى أنَّ أردوغان سعى إلى استخدام نغمة الطمأنة حين خاطب مؤيديه من شرفة مقر حزبه الحاكم، في الساعات الأولى من صباح الاثنين.

«بلومبرج»: كيف تغيِّر تركيا شكل الشرق الأوسط وماذا يمكن أن تفعل أمريكا؟

لكن بحسب تقريرها، وراء هذا الوجه المتفائل، كان الرئيس التركي يدرك جيدًا أنَّه عانى للتو أسوأ نتائج انتخابات خلال 16 عامًا عمل خلالها في السياسة. وقال أردوغان للحشد في اعترافٍ ضمني بالخسائر: «إذا كانت لدينا أوجه قصور، فمن واجبنا إصلاحها».

وبعد فقدانه أنقرة، عاصمة البلاد، ومواجهته نزاعًا مريرًا في نتائج إسطنبول، ترى الصحيفة أنَّه بات واجبًا على أردوغان الآن إضافة أزمة تراجُع قاعدة دعمه إلى التحديات المحلية والدولية التي يواجهها بالفعل.

اقتبست الصحيفة تعليق بيرك إسين، الأستاذ المساعد في العلاقات الدولية في جامعة بيلكنت في أنقرة، والذي قال: «إنَّها نتائج سيئة للغاية بالنسبة لأردوغان، إذ هناك أزمة اقتصادية وأزمة دولية بسبب المواجهة المستمرة مع الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، هناك هزيمة انتخابية تظهر لحلفائه الدوليين وخصومه المحليين أنَّه هش للغاية».

لم يكن أردوغان أحد المرشحين في انتخابات أمس الأحد، لكنه ناضل في الحملة للسيطرة على 81 مقاطعة تركية وكأنها الانتخابات العامة. فبحسب الصحيفة، سعى لصرف الانتباه عن الشكاوى المتعلقة بارتفاع أسعار المواد الغذائية وزيادة معدلات البطالة من خلال قولبة التصويت كأنه معركة للبقاء الوطني في مواجهة التهديدات الخارجية. ووضع وجهه على الملصقات في جميع أنحاء البلدات والمدن التركية، ولف بلاده وفقًا لجدولٍ زمني مرهق من التجمعات الانتخابية.

وتعتقد الصحيفة أنَّ الزعيم التركي قاتل بشدة هكذا لأنَّه يعلم من تجربته الشخصية كيف أنَّ الفوز على المستوى المحلي يمكن أن يكون له تأثيرٌ مثل تأثير الدومينو. إذ انتُخب رئيسًا لبلدية إسطنبول عام 1994، في أعقاب موجة من الدعم للإسلام السياسي، وبعد ثمانية أعوامٍ، اكتسح حزب العدالة والتنمية، الذي أسسه، الحكم.

لكنَّ «فاينانشال تايمز» تعتقد أنَّه لا أحد يتوقع سقوط أردوغان الوشيك، إذ لا يزال الرئيس البالغ من العمر 65 عامًا إلى حدٍ كبير أكثر السياسيين شعبيةً في الدولة، ووجد طريقه للخروج من الأزمات مراتٍ عديدة، لكنَّ خسارة أنقرة وسلسلةٍ من القلاع الاقتصادية على امتداد الساحل الجنوبي للدولة، بما فيها مدينة أضنة الصناعية، ومركز السياحة في أنطاليا، يُرسل رسالةً واضحة إلى التحالف السياسي بقيادة حزب العدالة والتنمية.

تشير الصحيفة أيضًا إلى تصريح أسلي أيدينتاسباس، عضو مركز أبحاث المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، والذي قال فيه: «لقد نجوا، لكنَّهم لا يتمتعون بثقة الناخبين في المدن الكبرى، بما فيها الأفضل والأقوى، النخبة الصناعية والطبقة الوسطى».

وأضافت أنَّ استعادة ثقة هؤلاء الناخبين ستكون نقطةً رئيسة بالنسبة لأردوغان وهو يتطلع إلى حلمه بترؤس الاحتفالات بالذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية في 2023.

لكنَّها ترى أنَّه يجب على الرئيس التركي أولًا مواجهة بعض التحديات الأكثر إلحاحًا. ففي الأسابيع والأشهر المقبلة، سيواجه تحديًا مرتقبًا مع واشنطن حول الخطة التركية لشراء نظام الدفاع الجوي «إس-400» من موسكو. وكذلك يجب عليه أن يجد مخرجًا من أزمة مستقبل شمال سوريا، بعد وعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخفض الوجود الأمريكي فيها.

تشير الصحيفة أيضًا إلى أنَّ العرض القوي الذي قدمته مساء الأحد مجموعةٌ من القوميين المتعصبين المتحالفين مع حزب العدالة والتنمية قد يؤدي إلى تعقيد كلتا المسألتين. فحزب الحركة القومية يتبنى شكوكًا عميقة تجاه القوى الأجنبية، ويتخذ موقفًا متشددًا من المقاتلين الأكراد في سوريا؛ مما يحد قدرة أردوغان على الوصول إلى تسويةٍ في المسألة.

لكنَّ المهمة الأكثر صعوبة التي يواجهها الرئيس التركي بحسب الصحيفة هي الحاجة الملحة لإصلاح المشكلات المتأصلة في الاقتصاد، والتي تفاقمت بعد أزمة العملة العام الماضي، إذ انخفضت الليرة نهاية 2018 بنسبة 30% بالنسبة للدولار. وانخفضت الليرة بنسبة 2.5% مقابل الدولار لتصل إلى 5.6939 ليرة، في وقتٍ مبكر من يوم التداول في لندن.

لهذا تحرك أردوغان سريعًا يوم الأحد لطمأنة المستثمرين بعد أسبوعٍ شهدت فيه الأصول التركية اهتزازًا في الأيام التي سبقت التصويت. وفي تناقضٍ صارخ مع خطابه في الحملة الانتخابية، عندما انتقد المضاربين الأجانب وارتفاع نسبة الفائدة، وعد الرئيس التركي بـ«الالتزام بقواعد اقتصاد السوق الحرة»، والتركيز على دعم التكنولوجيا والصادرات.

مع ذلك، ترى الصحيفة أنَّ أردوغان وصهره وزير المالية بيرات البيرق سيحتاجان إلى توضيح خططهم بالتفصيل سريعًا وبوضوح، لاستعادة ثقة المستثمرين الذين أذهلتهم الأساليب المستخدمة لدعم الليرة في العد التنازلي النهائي للتصويت.

وعبر البعض عن قلقهم قبل النتائج من إمكانية أن تقلل النتائج السيئة لحزب العدالة والتنمية وشركائه في الائتلاف من نطاق الإصلاحات الجريئة. وصرّحت إستر لو، مديرة الاستثمار البارزة لديون الأسواق الناشئة في شركة «أموندي» للتمويل: «أسوأ نتيجة للمستثمرين ستكون إذا أظهرت الانتخابات مزيدًا من الضعف في تحالف العدالة والتنمية؛ ما يجعل الحكومة تبدو أكثر قلقًا».

لكن وسط هذا كله، أشارت الصحيفة إلى أنَّ إحدى النتائج الإيجابية في انتخابات ليلة أمس الأحد، والتي قوبلت بارتياحٍ عالمي، هي تعهُّد أردوغان بعدم إجراء انتخاباتٍ أخرى حتى عام 2023.

فبعد 13 استطلاعًا خلال الأعوام الاثنى عشر الماضية، استُنفد الناخبون الأتراك، وأُرهق الحلفاء الغربيون من شعارات الحملات الانتخابية، وأصبح المستثمرون يتوقون لوضع حدٍ لتحقيق النمو المعتمد على الإقراض، والذي لا يُلقي بالًا لأي شيءٍ آخر. لكنَّ أردوغان وعد الناخبين ونشطاء حزبه المتعبين: «من الآن فصاعدًا، لن نكون مستغرقين في إجراء انتخاباتٍ دورية، وسنتطلع للأمام فقط».

«الجارديان»: من إصلاحي إلى «سلطان جديد».. كيف تطورت خطابات أردوغان منذ 2007؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد