4,629

إنه مستقبل يقلق الأسواق التركية بالتأكيد. إنها إشارة إلى أن أردوغان يخسر الحرب الاقتصادية التي يقول إنه يحارب فيها، ولكنه يحارب ضد الواقع.

ربما تكون أفضل طريقة لإظهار فشل سياسات الحكومة هي لوم بقية العالم على شن «حرب اقتصادية» ضدها. هذا ما بدأه الآن رجب طيب أردوغان، مثلما كان يقول نيكولاس مادورو في فنزويلا لشعبه منذ سنوات. الجاني الحقيقي هما الحكومتان اللتان أجبرتا البنك المركزي للبلاد على اتباع سياسات غير مثمرة، إن لم تكن مدمرة تمامًا. ولكن بغض النظر، الحقيقة قد تواجه صعوبة في التنافس مع كبش فداء أجنبي. هكذا استهل مات أوبراين الصحافي الاقتصادي تقريره بصحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية.

ويقول الكاتب: «قد تبدو مقارنة ظالمة، ولكن أردوغان قال إنه يضغط على البنك المركزي ليحافظ على أسعار الفائدة منخفضة جدًا؛ فارتفع التضخم إلى نسبة 15.9%، بدلًا عن نسبة 5% التي يفترض أن يحتفظ بها. ومادورو فعل أمرًا آخر مختلفًا تمامًا؛ فقد جعل مصرفه المركزي يطبع الكثير من المال؛ حتى وصل التضخم لنسبة 40 ألف% وفقًا لبيانات حسابات ستيف هانك، الأستاذ بجامعة جونز هوبكنز، ولكن أردوغان يخادع ويقدم نفس نوع الأعذار التي كان يقولها مادورو، ولن يتوقف على الأرجح في أي وقت قريب، حتى يتحول الأمر إلى أزمة كاملة. وهو ما سيحدث».

كيف ولماذا حدثت الأزمة؟

المشكلة أن البنوك والشركات التركية قد اقترضت الكثير من الدولارات (ديون العملات الأجنبية حوالي 30% من ناتجها المحلي الإجمالي) التي يصعب تسديدها الآن؛ لأن عملتها تتراجع كثيرًا. وبالفعل فقدت الليرة التركية منذ بداية العام 27.7% من قيمتها مقابل الدولار. ويرجع جزء من ذلك إلى رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لسعر الفائدة؛ مما يجعل الاحتفاظ بالمال في الولايات المتحدة أكثر جاذبية؛ بالإضافة إلى أن العقوبات الأمريكية ضد بعض كبار المسؤولين الأتراك قد أثار شبح إخراجها من أسواق الديون الدولية. إلى جانب سياسات أردوغان التي جعلت الاستثمار في تركيا يبدو أقل جاذبية. والنتيجة أن الكثير من الناس كانوا يحاولون التخلص من الليرة التي كانت تنخفض أسرع من أية عملة أخرى، عدا عملات إيران، والأرجنتين، وفنزويلا.

وتابع الكاتب: هذا هو الخبر السيئ. والخبر السار هو أن إصلاح هذا من شأنه حل مشكلاتهم الأخرى أيضًا. وهو ما يعني أن عملة تركيا تحتاج إلى نفس الشيء الذي يفعله اقتصاد تركيا: أسعار فائدة أعلى.

أردوغان يحيي مؤيديه في أحد المؤتمرات الانتخابية

في كثير من الأحيان تظل البلدان التي تحتاج إلى دعم عملاتها من خلال رفع نسبة الفائدة – عالقة في وضع تحتاج فيه أيضًا إلى دعم النمو من خلال تخفيضات أسعار الفائدة، لكن تركيا لا تواجه هذه المعضلة. هي تحتاج بالفعل إلى رفع أسعار الفائدة لخفض معدل التضخم المرتفع للغاية والعجز الكبير في الحساب الجاري. ويسهل حدوث ذلك بقرارات سياسية.

لكن أردوغان لطالما توعد ضد «ضغط سعر الفائدة»؛ لمحاولة إسقاط ما يسميه «أساس كل الشر» – أي معدلات الفائدة المرتفعة بالبلاد. في نظام يحصل فيه على المزيد من السلطة مع كل عام يمر، جعل البنك المركزي يؤجل أي ارتفاعات في سعر الفائدة إلى أن يفوت الأوان تقريبًا. ويبدو أن أردوغان لم يعد يتحمل هذا الاستقلال المحدود جدًا للبنك المركزي. وقال خلال حملته الانتخابية الأخيرة: «لا يستطيع البنك المركزي أن يأخذ هذا الاستقلال، وأن يتجاهل الإشارات التي قدمها الرئيس».

ويعلق الكاتب: «لن يسمح أردوغان بذلك. فقد استخدم آخر انتخابات لمنح نفسه السلطة لتعيين محافظ البنك المركزي للبلاد، وتعيين صهره وزيرًا للمالية. إن النتيجة التي يمكن التنبؤ بها هي مزيد من الإصرار على سياسات رفض رفع أسعار الفائدة في مواجهة التضخم الذي يتصاعد إلى أبعد من هدفها المزعوم».

هل ستدخل تركيا حلقة الانهيار؟

يبدو أن تركيا ستختبر بالفعل نظرية أردوغان الخاطئة للغاية خلافًا لجميع الأدلة التجريبية – بحسب الكاتب – التي تقول: إن أسعار الفائدة المنخفضة هي التي تسبب انخفاض التضخم. ومن المحتمل أن تختبر هذه الفكرة لفترة طويلة. لذلك قال إنهم في منتصف «حرب اقتصادية»: كان يطلب من الناس بيع دولاراتهم للمساعدة في دعم الليرة، بدلًا عن رفع البنك المركزي لأسعار الفائدة للقيام بذلك.

إسطنبول – تركيا

مع أن ذلك لن يتسبب في حدوث أزمة الشهر المقبل، فقد يحدث ذلك في العام المقبل. ويقدر بنك جولدمان ساكس – على سبيل المثال – أنه إذا انخفضت الليرة عن مستواها الحالي البالغ 5.2 لكل دولار إلى حوالي 7.1 دولار لكل دولار (أي ما يعادل 25% من الانخفاض)، فقد تلتهم الأزمة كل رأس المال الإضافي الذي بنته البنوك التركية كمخزن احترازي. وهذا لا يعني أنها ستنهار في هذه المرحلة، بل قد تبدأ بالدخول في مشكلة حقيقية. ونفس الشيء مع جميع الشركات التركية التي أقرضت الدولارات. في أسوأ الحالات قد يتحول هذا إلى حلقة هلاك؛ إذ تسقط الليرة لأن الشركات تتخلف عن سداد ديونها بالدولار، والشركات سوف تتخلف عن سداد ديونها بالدولار؛ بسبب انخفاض الليرة.

وفي النهاية يختتم الكاتب تقريره قائلًا، إنه مستقبل يقلق الأسواق التركية بالتأكيد: لقد تأثرت أسهمهم وسنداتهم وعملاتهم بشدة خلال الأشهر القليلة الماضية. إنها إشارة على أن أردوغان يخسر الحرب الاقتصادية التي يقول إنه يحارب فيها، ولكنه يحارب ضد الواقع.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك