قال يوسي ميلمان في مقال له في صحيفة «هآرتس» إن وقف إطلاق النار الأخير مع حماس يشي باحتمال التوصل إلى «هدنة صغيرة» مع إسرائيل في المستقبل القريب. لكن الأمر منوط بموافقة إسرائيل على المشروعات الاقتصادية والإنسانية في غزة – بناء مستشفى، وإنشاء حديقة صناعية عند معبر إيرز الحدودي، وتطوير شبكة الكهرباء، وبناء محطة لتحلية المياه في القطاع.

وأوضح ميلمان أن هناك أيضًا قدرًا من التفاؤل بشأن احتمال انفراج العلاقات بين السلطة الفلسطينية وحماس، التي انتزعت السيطرة على قطاع غزة في 2007.

إذا حدثت مصالحة بين فتح وحماس – وهو ما يستبعده ميلمان – فستؤدي إلى إجراء الانتخابات الفلسطينية. وعندما يتعلق الأمر بالانتخابات، فإن السؤال الذي يُطرح على الفور هو من سيخلف الرئيس الفلسطيني المريض محمود عباس البالغ من العمر 85 عامًا؟

صعد اسم محمد دحلان، القيادي الفتحاوي المنفي، مرشحًا محتملًا، ويرى معظم الخبراء الإسرائيليين والفلسطينيين أن فرصه في خلافة عباس، الذي يكره دحلان، ضئيلة، لكن هذا لم يمنع الأتراك من أخذ الأمر على محمل الجد.

قبل أسابيع، أدرجت تركيا دحلان على قائمتها الخاصة بالإرهابيين المطلوبين. وعرضت وزارة الداخلية التركية مكافأة قدرها 700 ألف دولار لأي شخص يساعد في القبض عليه.

يكشف ميلمان أن لدى تركيا أسباب عديدة للنظر إلى دحلان بهذه الطريقة، أولها وأكثرها أهمية هو أن الرئيس التركي ينظر إليه على أنه حليف ومتعاون مع خصمه، رجل الدين التركي المنفي فتح الله جولن، الذي يصنف إرهابيًّا في تركيا، لأنه متهم بالتخطيط للانقلاب الفاشل ضد أردوغان قبل ثلاث سنوات ونصف.

بالإضافة إلى ذلك، فإن دحلان مقرب جدًّا من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وسواء أكان ذلك سببًا أم لا، فهناك رأي واسع في أنقرة بأن دحلان عميل للمخابرات الإسرائيلية.

رحلة القرن.. كيف حرفت اتفاقية أوسلو بندقية «منظمة التحرير» باتجاه الداخل؟

معذبون في سجون دحلان

يروي الكاتب أن دحلان كان طفلًا فقيرًا وُلد لعائلة لاجئة فلسطينية، لكنه أصبح مليونيرًا ورجل المهمات السرية؛ فحياته تعج بالمؤامرات، وتمزج السياسة العربية مع الخصومات الدينية والصفقات السرية.

ولد دحلان، البالغ من العمر الآن 59 عامًا، في مدينة خان يونس في غزة لعائلة من قرية بالقرب من مجدل، التي طُردت عائلته منها عام 1948 أثناء حرب قيام دولة إسرائيل.

وفي عام 1981، كان أحد مؤسسي تنظيم الشبيبة، التابع لحركة فتح. وخلال الانتفاضة الأولى (1987– 1993)، قُبض عليه عدة مرات وجرى ترحيله في النهاية إلى الأردن. ومن هناك، انتقل إلى تونس، حيث أصبح تحت جناح رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات.

في عام 1993 – يضيف ميلمان – بعد توقيع اتفاقات أوسلو، عاد دحلان إلى غزة وأصبح أحد قادة جهاز الأمن الوقائي التابع للسلطة الفلسطينية. وخلال «العصر الذهبي» للعلاقات بين السلطة الفلسطينية وحكومة رئيس الوزراء إسحاق رابين، كان دحلان أقوى رجل في غزة.

وحاله كحال جبريل الرجوب، نظيره في الضفة الغربية، عمل دحلان عن كثب مع الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن الشاباك. وأقام علاقات وثيقة مع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، التي ساعدته على إنشاء جهاز الأمن الوقائي في غزة، وزودته بمعدات للتنصت، من بين أشياء أخرى.

نسقت هذه الأطراف الثلاثة العمليات المشتركة، وأحبطت هجمات حماس والجهاد الإسلامي الإرهابية. حتى يومنا هذا، يتذكر كبار مسؤولي حماس التعذيب الذي تعرضوا له في سجون دحلان.

تربط دحلان علاقات ممتازة مع السياسيين الإسرائيليين بمن فيهم أفيجدور ليبرمان، بل إنه تحدث معهم في بعض الأحيان باللغة العبرية.

كما اهتم دحلان ورجوب بأنفسهم؛ فقد أبرما صفقات استثنائية لاستيراد الوقود من شركات إسرائيلية ومسؤولين سابقين في جهاز الأمن العام الإسرائيلي، مثل يوسي جينوسار وإسرائيل هاسون.

وتربط دحلان أيضًا علاقات ممتازة مع السياسيين الإسرائيليين – ينوه ميلمان – بمن فيهم أفيجدور ليبرمان، الذي يقود الآن حزب إسرائيل بيتنا. بل إنه تحدث معهم في بعض الأحيان باللغة العبرية، التي تعلمها في سجون إسرائيل. حتى اليوم، تشير تقارير إعلامية من حين لآخر بأنه يحتفظ بعلاقات مع السياسيين والعسكريين الإسرائيليين.

بدأ دحلان في جمع الثروة، لكن في عام 2007، بعد أن سيطرت حماس على غزة، اضطر إلى الفرار من القطاع. كان ينظر إليه في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة كواحد من المسؤولين بشكل أساسي عن هزيمة فتح المحرجة، وفي عام 2011، طُرد من حركة فتح. وأدانته محكمة فلسطينية فيما بعد بسرقة 16 مليون دولار من السلطة الفلسطينية.

في المنفى، استقر في دولة الإمارات العربية المتحدة، وحصل على جوازات سفر من صربيا والجبل الأسود. وفي أبو ظبي تحديدًا، عزز موقعه كرجل أعمال ثري، وأصبح مستشارًا في الشؤون الدولية لولي عهد أبو ظبي الأمير محمد بن زايد آل نهيان.

الثروة والنفوذ

أوكل بن زايد إلى دحلان بمهام حساسة في الدول العربية والبلقان وأماكن أخرى في أوروبا الشرقية – يواصل ميلمان حديثه. وخلال هذه العملية، ونتيجة لثروته، أقام دحلان علاقات وثيقة مع القادة العرب، وأولهم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. ويملك الآن محطة تلفزيونية في مصر بثت مؤخرًا مقابلة مع جولن، مما أثار غضب أردوغان.

تعكس علاقات دحلان مع العالم العربي تقسيم المنطقة إلى معسكرين عندما يتعلق الأمر بالمواقف تجاه الإخوان المسلمين. فالمملكة العربية السعودية، ومصر، والإمارات يعملون ضد الجماعة، في حين تدعمها كل من تركيا، وقطر، وحماس.

امتدت المنافسة أيضًا إلى ليبيا، التي شهدت مؤخرًا وصول المستشارين العسكرين الأتراك، الذين أشرفوا على الضربات التركية بطائرات بدون طيار على قوات الجنرال خليفة حفتر، المدعوم من مصر والإمارات للسيطرة على البلاد.

ووسط هذه الاضطرابات – يقول ميلمان – يشاع بأن إسرائيل تلعب دورًا مهمًّا. فقد ذكرت وسائل إعلام تركية الشهر الماضي أن دحلان عميل إسرائيلي، بسبب علاقاته مع مصر وخلفيته الغزاوية، وأنه يساعد إسرائيل في العثور على عملاء حماس الذين حصلوا على اللجوء في تركيا.

في مناسبات عديدة في الماضي، قال جهاز الأمن العام الإسرائيلي (شين بيت) إن لحماس مقر قيادة في تركيا يُرسل منه أموال وأوامر لمهاجمة إسرائيل، يديره نائب زعيم حماس صالح العروري، بمعرفة المخابرات التركية، التي كانت متحالفة ذات مرة مع وكالة التجسس الإسرائيلية الموساد.

ووفقًا لموقع «إنتلجنس أونلاين»، يجتمع دحلان بشكل دوري مع مسؤولين إسرائيليين، ويجري عمليات تقييم الموقف معهم. كما أفاد الموقع أنه الشخص المسؤول عن الاتصال بشركات التكنولوجيا الفائقة وتكنولوجيا المعلومات الإسرائيلية، التي أقامت متاجر في الإمارات العربية المتحدة في السنوات الأخيرة وتبيع مئات ملايين الدولارات من المعرفة والتكنولوجيا والمعدات هناك.

ووفقًا لصحيفة «نيويورك تايمز» – يختتم ميلمان بالقول – أخبر محمد بن زايد الضباط الأمريكيين في أكثر من مناسبة أنه ينظر إلى إسرائيل كحليف في المعركة ضد إيران والإخوان المسلمين. كما ذكر المقال أن إسرائيل تثق في ولي عهد أبو ظبي بما يكفي لبيعه تحديثات لطائرات F–16 وبرامج التجسس للهاتف المحمول.

إلى أين تصل المعركة بين تركيا ومحمد دحلان؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد