ما تنفك شخصية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تثير الجدل منذ وصوله إلى سدة الحكم في العام 2002 عبر حزب العدالة والتنمية حديث الإنشاء آنذاك.

ما تنفك شخصية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تثير الجدل منذ وصوله إلى سدة الحكم في العام 2002 عبر حزب العدالة والتنمية حديث الإنشاء آنذاك. وقد صعد نجم أردوغان في إحدى أصعب الفترات في تاريخ تركيا الحديث، وقد استطاع هو وحزبه السيطرة على ركائز الدولة التركية وتغيير مساراتها السياسية.

ثم أتت محاولة الانقلاب الفاشلة في الـ15 من يوليو (تموز) الماضي لتمنح الرجل زخمًا جديدًا وتحيله إلى بطل. في ذلك اليوم المشهود، واجه أردوغان أصعب أزمة على الإطلاق عندما حاولت ثلة من قادة الجيش التركي القيام بانقلاب عسكري للإطاحة به وبحزبه عن سدة الحكم، وقد سعى الانقلابيون إلى اغتياله وربما اغتيال عائلته أيضًا. ولولا أن الأقدار كانت رحيمة، فشلت المحاولة الانقلابية، التي لو أنها قد نجحت، لتلاها نظام ديكتاتوري إجرامي أو حرب أهلية شاملة ستأتي على الأخضر واليابس. وقد تمكن أردوغان بقوة وصرامة يحسد عليهما أن يغامر ويستقل طائرته عائدًا إلى إسطنبول، ويدعو أنصاره عبر مكالمة Facetime الشهيرة إلى النزول إلى الشوارع دفاعًا عن الديمقراطية في تركيا.

وقد شكلت تلك المحاولة الانقلابية الفاشلة «هدية من الله»، كما وصفها هو، فقد منحت الرجل مزيدًا من السيطرة على الدولة، ما سيمكنه من إنجاز المشروع الذي يسعى إلى تحقيقه؛ مشروع تركيا أردوغان.

منذ أن غادر أردوغان منصبه رئيسًا للوزراء وهو يشعر بالتهميش، حتى بعد توليه منصب رئيس الجمهورية. ينص الدستور التركي الحالي على أن مجمل الصلاحيات تكون في يد رئيس الوزراء. وأن منصب رئيس الجمهورية هو منصب شرفي لا يملك سلطة الاعتراض على قرارات رئيس الوزراء. وهذا لا يروق لأردوغان، لذا فهو يسعى لتحويل النظام التركي إلى النظام الرئاسي لضمان السلطة المطلقة لنفسه.

لكن أردوغان واجه معارضة شديدة في تنفيذ هذا المخطط، حتى من أكثر المقربين إليه، مثل أحمد داود أوغلو؛ عراب السياسة الخارجية التركية. تحدثت تقارير عن أن سبب استقالة داود أوغلو من منصبه رئيسًا للوزراء هو خلافه مع أردوغان حول إدخال تعديلات على الدستور. وقد حل بن علي يلدرم محل أوغلو في رئاسة الوزراء، ويبدو أن يلدرم يطيع أردوغان دون نقاش. كما أنه أظهر ولاءً مطلقًا لأردوغان إبان أزمة الانقلاب، وظهر أنه لا يمتلك أي موهبة قيادية ولن ينافسه على زعامة حزب العدالة والتنمية.

ورغم استتباب الأمر لأردوغان وحكومته، يقول التقرير، إلا أن تركيا ما زالت تواجه تحديات جسامًا. فمن عودة الصراع المسلح مع حزب العمال الكردستاني، مرورًا بتبعات الحرب الأهلية السورية الطاحنة، ووصولًا إلى الحوادث الإرهابية التي تضرب البلاد والتي ازدادت وتيرتها بشكل كبير مؤخرًا. ويرى المراقبون أن حالة التلاحم التي شهدتها تركيا بين الحكومة والمعارضة وقت الانقلاب لن تدوم، بل سيعود الانقسام في صورة أسوأ.

ولكن ماذا سيحدث بعد أن ينجح أردوغان في تمرير مشروعه؟ يتساءل التقرير.

إن استقالة داود أوغلو تحمل في طياتها الإجابة. فعلى ما يبدو أن أردوغان ماضٍ قدمًا في مخططه وأنه لن يتحمل أي معارضة للمسار السياسي الذي يرسمه للبلاد. وهذا يسد الباب أمام وجود خليفة له. وهنا يبرز سؤال ثانٍ، فماذا لو غاب أردوغان عن المشهد السياسي للبلاد لأي سبب كان؟

ثمة إجابتان لهذا السؤال، يقول التقرير. الاحتمال الأول هو أن أردوغان سيسعى إلى تعيين خليفة له ممن يثق به من عائلته ليكمل الطريق الذي بدأه هو، وحينها سيتحول النظام الديمقراطي إلى ملكية مستترة. ويرى التقرير أن هذا هو الاحتمال الأكثر ترجيحًا، رغم ما قد يثيره ذلك من جدل حتى بين أنصاره.

الاحتمال الثاني هو ألا يعين خليفة له. وإذا ما ظهرت أي علامات ضعف عليه أو فقد زمام السلطة بسبب مشاكل صحية أو غيرها، فقد يسبب ذلك حدوث انشقاقات في حزبه ويعيد الحياة إلى النظام البرلماني الذي يسعى أردوغان جاهدًا إلى هدمه.

ويرى الكاتب أن مستقبل تركيا مظلم، بصرف النظر عن أي البديلين سيحدث. فلو نجح أردوغان في مخططه، ستتحول تركيا إلى «سلطنة» في أحسن الأحوال. أما إذا فشل، فإنه لا يمكن التنبؤ بما ينتظر تركيا بعد انهيار نظامه. وفي ظل الانقسام السياسي الحاد في البلاد، فليس من المنطق التفاؤل.

ولكنّ ثمة بديلًا ثالثًا. فقد تنتصر الديمقراطية داخل الحزب وتحدث انتخابات تحدد خليفة أردوغان بشكل سلس، لكن هذا البديل مستبعد إلى حد كبير، يقول التقرير.

التحول إلى الملكية وصعود عائلة أردوغان

إن آلية عمل النظام الملكي تتسم بالبساطة، ولها فوائد للحاكم والمحكوم. فبالنسبة للحاكم، سيكون من السهل عليه توقع من أين ستأتيه المعارضة والتعامل وفقما يقتضيه الأمر. وبالنسبة للمحكوم، فلن يسود أي غموض حول من سوف يحكم. فببساطة، بمجرد أن يغيب الموتُ الملكَ، ويتوافق الجميع على خليفته، فلن تحدث أي قلاقل أو اضطرابات وسيحدث انتقال سلس للسلطة، وذلك على خلاف ما سوف يحدث إذا ما حدث تنافس على العرش.

أما في الديمقراطيات الراسخة، فإن عنصر الغموض وعدم اليقين يجري احتواؤه. يبقى الرئيس في منصبه حتى نهاية ولايته المنصوص عليها في الدستور، ولا يهتم بمرحلة ما بعد مغادرته المنصب. وبالنسبة للمواطنين، فإن إجراء انتخابات نزيهة وحدوث تداول سلس للسلطة يضمن عدم حدوث اضطرابات.

يرى الكاتب أن تركيا باتت أقرب الآن إلى الملكية عن الديمقراطية. لا ينكر أحد أن أردوغان أتى بانتخابات نزيهة، وأنه يحظى بشعبية خرافية الآن بعد أن حمى البلاد من الانزلاق في أتون ديكتاتورية فجة أو حرب أهلية طاحنة. إلا أنه يسعى بكل جهد إلى تجميع كل مراكز السلطة والنفوذ لنفسه، بما يهدد سلامة الديمقراطية التركية. يقول التقرير إن أردوغان قد تلاعب بالقوانين لصالح نفسه وأن نظام الحكم في تركيا بات أشبه بـ«نظام الفرد الواحد». وقد كوَّن أردوغان عداوات كثيرة بسبب أفعاله، لذا فهو يخشى مما قد يحل به وبعائلته حال فقدانه السلطة.

وإذا ما أقدم أردوغان على تحويل النظام في البلاد إلى شبه ملكي، فلن يكون أول حاكم يفعلها. فقد سبقه إلى ذلك كل من العقيد الراحل معمر القذافي والرئيس العراقي الراحل صدام حسين. وليس من اللازم الإشارة إلى أنه شتان بين أردوغان وهؤلاء الحكام الدمويين، ولكن نحاول فقط تسليط الضوء على التجارب السابقة لتحويل أنظمة الحكم الجمهورية إلى ملكية مستترة.

لكن أردوغان يواجه مشكلة مع الثقة في من حوله، بسبب المحاولة الانقلابية. فبعض من كبار مساعديه العسكريين كانوا من ضمن المتآمرين عليه. لذا لم يعد أمامه سوى اختيار فرد من عائلته حتى يحمل الراية. ولكن من سيكون؟ يتساءل الكاتب. لدى أردوغان أربعة أبناء. توارى أكبرهم عن الأنظار إثر قيامه بدهس شاب بسيارته في عام 1998، ولا يُعتقد أنه سيدخل المعترك السياسي في أي وقت قريب.

أما ابنه الأصغر بلال، فهو شخصية عامة في تركيا وحصل على تعليم من جامعات راقية على مستوى العالم. إلا أن ظهور اسمه ضمن المتهمين في فضيحة الفساد التي عصفت بتركيا في 2013، واتهامه في قضية غسيل أموال في بولونيا؛ يبددان من فرص خلافته لأردوغان.

كما تحمل ابنته الكبرى شهادة جامعية من جامعة إنديانا، ودرجة الماجستير من جامعة بيركلي. لكنها لا تبدي أي اهتمام يُذكر بالسياسة، لذا فمن غير المرجح أن تكون هي الخليفة المنتظر.

أما الأخت الصغرى، سمية أردوغان، فهي الأكثر نشاطًا من الناحية السياسية، وقد رافقته في العديد من سفرياته الخارجية، وقد عملت مستشارة لنائب رئيس حزب العدالة والتنمية سنواتٍ طويلة. ويقال إن أردوغان لطالما هيأها لتولي منصب سياسي.

ويتمتع صهرا أردوغان بحظوة سياسية، لذا يُعدّ كلاهما مرشحين قويين لخلافته. ويعتبر زوج الابنة الصغرى هو المرشح الأوفر حظًا لخلافة أردوغان. فهو ينحدر من عائلة بارزة، ويحمل درجة الماجستير في إدارة الأعمال من الولايات المتحدة، ورغم سنه الصغيرة نسبيًا، إلا أنه يتولى حقيبة وزارية بالفعل، فهو وزير الطاقة والموارد الطبيعية. وثمة إجماع، حتى في أوساط المعارضة، على أنه سياسي متمكن وقوي الشخصية. وكان هو الوحيد من بين الوزراء الذي ظهر بجوار أردوغان وقت أحداث الانقلاب.

أما زوج سمية، فهو رجل أعمال شاب له علاقات قوية مع المؤسسة العسكرية التركية. ويعمل حاليًا على استكمال درجة الدكتوراة من معهد جورجيا التقني في أمريكا. ويُعتقد أن زواجه من سمية قد يكون عاملًا آخر في تفضيل أردوغان له.

ماذا لو فشل أردوغان وانهار نظامه؟

خلق أردوغان الكثير من الأعداء في رحلته نحو التفرد بالسلطة في تركيا. وإذا فشل في تحديد خليفة له، فإن دولة أردوغان ستظل تحت رحمة حالته الصحية.

ولعل رغبة الانقلابيين في قتله قد تؤشر على أن أعداء أردوغان على استعداد لفعل أي شيء للتخلص منه وأنه لا يستهان بهم مطلقًا. ورغم أن أردوغان خرج من المحاولة الانقلابية الفاشلة أكثر قوة، إلا أن حملة التطهير الشرسة التي يشنها على كل مؤسسات الدولة، والتي طالت عشرات بل ربما مئات الآلاف من الأشخاص، قد أثارت قلقًا كبيرًا في الأوساط الشعبية. كما أن ذلك سلط الضوء على أن استقرار النظام يعتمد على سلامة أردوغان، وأن أعداءه لن يتورعوا عن محاولة التخلص منه مجددًا إذا ما ظهرت عليه أي بوادر للضعف.

ويرى التقرير أن تركيا ستدخل نفقًا مظلمًا إذا ما انهار النظام. لقد صب أردوغان المزيد من الزيت على النار بمحاولته السيطرة على كافة السلطات في الدولة التركية.

المؤكد الآن أن الربيع التركي قد انتهى، وأيًا كان قرار أردوغان، فإن تركيا مقبلة على فترة من الاضطرابات والانقسامات السياسية بين العلمانيين والإسلاميين.

وحتى لا تدخل تركيا هذا النفق المظلم، يتعين على حزب العدالة والتنمية التحول إلى الانفتاح والشفافية وضمان التنافسية على قيادة الحزب. لكن سجل أردوغان الأسود في عدم السماح بأي جهة تنافسه على قيادة الحزب، تجعل من هذا السيناريو مستبعدًا، إن لم يكن مستحيلًا.

لا يمكن التنبؤ بشكل تركيا في حقبة ما بعد أردوغان. لكن اختياره لمن يخلفه سوف يحدد مستقبل البلاد. وحتى ذلك الحين ستظل أسطورة أردوغان قائمة وتزداد تعقيدًا وتشابكًا مع تاريخ تركيا الحديث.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد