ما بين الديمقراطية واحتكار الدولة في تركيا

يتوجه الناخبون الأتراك في السابع من يونيو القادم إلى صناديق الاقتراع لاختيار الطابع المستقبلي للجمهورية التركية. ظاهريا يتبين أن الانتخابات البرلمانية ستضع رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو وحزبه الحاكم (حزب العدالة والتنمية) في منافسة ضد ثلاثة منافسين رئيسيين، إلا أن السؤال الحقيقي هو إذا ما كان الاقتراع سيُزوّد حزب العدالة والتنمية بـ 330 مقعدا في البرلمان، وهو ما سيمنح  الحزب الأغلبية العظمى وسيُمكّن رجب طيب أردوغان – رئيس وزراء تركيا لثلاث فترات سابقًا والرئيس الحالي للبلاد – من تغيير الدستور التركي وإقامة ما يُطلق هو عليه النظام الرئاسي “على الطريقة التركية”، وهي النتائج التي تحمل احتمالات كبيرة لتراجع التقدم الديمقراطي المُحرَز مع الفوز الأول لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات عام 2002.

أردوغان الذي تولى منصب رئيس الوزراء خلال الفترة من 2003 إلى 2014 يسعى إلى تحويل منصبه الجديد – والذي يعد حاليا منصبًا شرفيًا إلى حد كبير – ليلعب دور المسؤول الرئيسي عن إدارة البلاد، مما سيمنحه صلاحيات تنفيذية كبيرة بدون الضوابط والموازين التي يوفرها النظام الأمريكي المشابه. لذا من ناحية ما سيكون على الناخبين الأتراك اتخاذ القرار بشأن مستقبل الديمقراطية التركية وإذا ما كانت سلطة الحكومة المتزايدة على الشعب ستنتصر أم رغبة المواطنين المتزايدة في الحريات الشخصية.

ويبدو أن الاتجاهات الحالية لا تسير في صالح أردوغان، فمنذ ثلاث أسابيع ونصف أظهر استطلاع للرأي قامت شركة متروبول بإجرائه – وهي شركة تركية لاستطلاعات الرأي لديها أفضل سجل لتوقع نتائج الانتخابات – وجود أعداد متزايدة من الناخبين الذين سئموا حزب العدالة والتنمية. فقد تم سؤالهم عن آرائهم بشأن خطة أردوغان فيما يتعلق بالنظام الرئاسي، وتبين أن 55% من المجيبين يعارضونه، في حين أيده 32% فقط. وكذلك طُلب منهم الاختيار بين قائمة من الجمل التي تصف النظام الرئاسي “على الطريقة التركية” المقترح من قِبل أردوغان، وقد شملت القائمة جمل تنص على “شكل ديمقراطي للحكم” و”نظام أكثر كفاءة في الجوانب الإدارية”، اختار 59% من المجيبين الجملة التي تصف النظام المحتمل بأنه “نظام سيؤدي إلى الاستبداد”.

يتزايد حذر الناخبين أيضا بشأن الاتجاه الذي تسير فيه تركيا، حيث يرى 50% أن بلادهم تتغير للأسوأ، في حين أن 36% فقط يرون أنها تتغير للأفضل. وقد يُفسر هذا التشكك جزئيا طريقة معالجة الحكومة للجوانب الاقتصادية، فقد قاد حزب العدالة والتنمية أكثر من عامين من الركود، ويرى 55% تقريبا من المجيبين أن حزب العدالة والتنمية كان أداؤه سيئًا في محاولة تحسين الأوضاع، ولا عجب إذن في أن ما يقرب من 36% فقط أشاروا  إلى أنهم ينوون التصويت إلى حزب العدالة والتنمية، وإذا ما استمر هذا الاتجاه في يوم الانتخاب سيُترجم ذلك إلى ضربة جادة للحزب الحاكم الذي حظي بـ 50% تقريبا من الأصوات في عام 2011،عندما فاز أردوغان رئيس الوزراء وقتها بفترة ولايته الثالثة.

المنبر المتداعي

صعد كل من أردوغان وحزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم في انتخابات 2002 من خلال منبر يستند إلى أسس إسلامية يؤكد على زيادة مساءلة الحكومة والتعددية المدنية، وقد جذبت هذه الأجندة بعض الليبراليين العلمانيين المعارضين لتدخل الجيش التركي في السياسة الداخلية، كما أنها أثارت حماس الجمهور الرئيسي لناخبي حزب العدالة والتنمية: الفقراء العاملون والأسر في أدنى الطبقة المتوسطة في الريف والمدن الأصغر الذين شعروا بأنهم مهملون من جانب النخب وكانوا يتوقون إلى التمكين السياسي والاقتصادي، وكان جمهور الناخبين يتميز بأنهم أكثر محافظةً دينيا، وبالنسبة لهم كان انفتاح الحزب على الإسلام السني يشكل جزءا أساسيا من الفرص التي سبق لهم الحرمان منها، بالإضافة إلى وعد الحزب لتزويد الفئات الأكثر حرمانا منهم بخدمات الكهرباء والمياه، وهي التحسينات التي ساعدت على زيادة نمو تركيا في نهاية المطاف وتمدد الطبقة المتوسطة بها.

في 7 يونيو سيكون على الناخبين الأتراك اتخاذ القرار بشأن مستقبل الديمقراطية التركية وإذا ما كانت سلطة الحكومة المتزايدة على الشعب ستنتصر أم رغبة المواطنين المتزايدة في الحريات الشخصية “

إلا أن الطفرة الاقتصادية انتهت منذ ثلاث سنوات، وقد بدأ أردوغان في التخلي تدريجيا عن التعددية المدنية، وفي المقابل عمل على تمكين الجمهور الرئيسي من ناخبيه من خلال رأسمالية المحسوبية، وخاصة مشروعات البناء الضخمة المصممة لإثراء المشروعات التابعة لحزب العدالة والتنمية. وفي الوقت نفسه دفعت الحكومة في اتجاه تطبيق الدولة للأعراف الدينية المحافظة من خلال اتخاذ سلسة من التدابير الاستقطابية، وقد انفجر السخط المتصاعد في صورة احتجاجات عمت البلاد بسبب حادث جيزي بارك في مايو 2013 عندما قامت شرطة مكافحة الشغب بممارسة القمع العنيف تجاه الناشطين المتظاهرين احتجاجا على تدمير واحدة من آخر المساحات الخضراء في اسطنبول.

وفي رده على ذلك ضاعف أردوغان من الأزمة بتصويره للصدام بأنه صراع العلمانيين ضد المتدينين، وهو صراع على حد وصفه بين “الأتراك البيض” (النخب العلمانية الحضرية من الطبقة العليا) و”الأتراك السود” (المحافظين اجتماعيا وأدنى الطبقة الوسطى والمسلمون السنيون من الطبقة العاملة). لم تمر هذه الاستراتيجية دون ثمن: فقد أدت إلى فقدان حزب العدالة والتنمية لمصداقيته فيما يتعلق بمنبر التعددية المدنية، كما مزق النسيج المعقد للتقاليد التركية الإسلامية التي تميل إلى تحقيق الوفاق،  وفي النهاية أصبح الخطاب السياسي المبني على أسس دينية الذي تبناه الحزب أداة لسيطرة الدولة.

أما عن ناخبي يمين الوسط الأتراك وبخاصة الأصغر سنا، أدى تزايد سيطرة الدولة على حياتهم والمؤسسات الاقتصادية بالدولة إلى تصاعد القلق من جانبهم، وقد جاء رد أردوغان السريع ليلقي باللوم فيما يتعلق بالركود الاقتصادي على البنك المركزي للدولة، بالإضافة إلى شنه حرب رجل واحد بهدف القضاء على استقلاليته. وقد أدت هذه التطورات إلى إلحاق أضرار شديدة بالثقة في قطاع الأعمال حتى أن رئيس اتحاد الصناعة والأعمال بتركيا انتقد الوضع مؤخرا واصفا إياه بأنه “مثير للقلق” و”يؤدي إلى إرباك عقول مجتمع الأعمال وجمهور العامة”.

التصارع على المنصب

وما يزيد من تعقد الموقف بالنسبة لرؤية أردوغان للنظام الرئاسي الجديد وجود المنافسة السياسية الشديدة التي تشمل الأكراد الذين يشكلون ما يقرب من 20% من السكان،  وقد تعهد حزب الشعوب الديمقراطي الكردي بتجاوز العتبة الانتخابية ذات الـ 10% اللازمة للحصول على مقاعد بالبرلمان، وفي حالة نجاحه قد يحصل على 60 مقعدًا من إجمالي 550 مقعدًا. وحتى بدون حزب الشعوب الديمقراطي، فإن القوة البرلمانية المشتركة للحزبين المعارضين الرئيسيين في تركيا (حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية) تعادل قوة حزب العدالة والتنمية، وذلك وفقا لغالبية استطلاعات الرأي. وسيؤدي دخول حزب الشعوب الديمقراطي إلى البرلمان إلى استحالة حصد حزب العدالة والتنمية للـ 330 مقعدا التي يحتاجها لتحقيق الأغلبية العظمى من الناحية الحسابية، أما إذا لم ينجح حزب الشعوب الديمقراطي ينتصر بذلك حزب العدالة والتنمية. وينص قانون الانتخابات التركي بأنه إذا لم ينجح أحد الأحزاب في تجاوز العتبة الانتخابية (10%)، تذهب المقاعد المتبقية إلى الحزب التالي الأكثر شعبية في الدائرة الانتخابية للحزب الأول، وهو حزب العدالة والتنمية في هذه الحالة؛ لأنه يحظى بشعبية بين مزيد من الأكراد المحافظين.

يقود حملة حزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين دميرطاش المحامي ذو الكاريزما والذي حصد بعض الدعم بين اليسار التركي من غير الأكراد بسبب مناصرته للحقوق الديمقراطية في أنحاء تركيا. فأثناء الانتخابات الرئاسية في أغسطس 2014 خسر دميرطاش بعد حصوله بشكل مفاجئ على 9,76% من الأصوات، وهو إنجاز حفز حزب الشعوب الديمقراطي على التوقف عن تسجيل مرشحيه كمستقلين والتوجه بدلا عن ذلك نحو تجاوز العتبة الانتخابية ذات الـ 10% كحزب. وقد أظهرت مزيد من استطلاعات الرأي بما فيها استطلاع متروبول أن حزب الشعوب الديمقراطي  يحوم حول هذه النسبة السحرية بنسب أعلى أو أقل قليلا، ومن جانبه أكد دميرطاش على معارضته الشديدة لخطة أردوغان لتغيير الدستور.

موقف دميرطاش الفريد كقائد بإمكانه إدخال حزب يقوده الأكراد إلى البرلمان للمرة الأولى قد يؤدي إلى الفوز ببعض مؤيدي حزب العدالة والتنمية من الأكراد. وقد عمل أردوغان جاهدا لبناء هذه القاعدة من المؤيدين، فقد بادر بإطلاق “مبادرة الانفتاح الكردي” التي تدعو إلى تدريس اللغة الكردية في المدارس وإزالة الوصمة عن استخدام كلمة “كردستان” علنا. وبالإضافة إلى ذلك قام حزب العدالة والتنمية بإجراء محادثات مع عبد الله أوجلان الزعيم المعتقل لحزب العمال الكردستاني المحظور، وهو ما قد يؤدي إلى وقف التمرد الذي استمر لثلاثين عاما بعد إعلان أوجلان للسلام في مارس الماضي. إلا أنه بالنسبة للكثير من الأكراد الذين يطالبون بالحقوق الكاملة فيما يتعلق باللغة والثقافة بالإضافة إلى شكل ما من أشكال الحكم الذاتي المحلي يفشل التقدم البطيء لأردوغان في تحقيق توقعاتهم المتزايدة في الوقت الحالي، وقد يكون إحباط هذه الفئة في صالح حزب الشعوب الديمقراطي.

وهذا بالطبع لا يعني أن حزب الشعوب الديمقراطي سيصل إلى النصر، فواحدة من التحديات التي يواجهها دميرطاش هي تشكك العديد من المجموعات العرقية من الناخبين الأتراك – والذين فيما عدا ذلك سيميلون إلى دعمه – في انفصال المنبر الذي ينطلق منه عن تأثير أوجلان وحزب العمال الكردستاني. وبالإضافة إلى ذلك، حتى إذا نجح حزب الشعوب الديمقراطي في تجاوز العتبة الانتخابية، قد يفشل الحزب في أن يمنع أردوغان من تغيير الدستور، وفي الواقع هناك احتمالية حقيقية لأن ينجح رغم ذلك حزب العدالة والتنمية في حشد الـ 330 مقعدا اللازمة عن طريق إغراء حزب دميرطاش لتكوين تحالف سياسي. وعلى الرغم من كل الجوانب التي يعارضها دميرطاش في أجندة أردوغان قد يشعر بأنه مجبر على أن ينضم إلى تحالف إذا ما قدم أردوغان تنازلات كبيرة لحزب العمال الكردستاني وبخاصة إذا ما وعد بإطلاق سراح القائد الرمز أوجلان.

طموحات ذات نتائج عكسية

على الرغم من أنه لا ينبغي التقليل من قدر مهارات أردوغان الدعائية الكبيرة في حملته يصعُب تصوُّر أن حزب العدالة والتنمية سيحصل بسهولة على الأغلبية العظمى في انتخابات حرة ونزيهة، فمن الصحيح أن أردوغان قد ساعد في تغيير تركيا إلى الأفضل كرئيس للوزراء وبخاصة خلال السنوات الأولى من فترة ولايته، والمفارقة هي أنه قد أنشأ بالفعل “تركيا الجديدة” التي يتحدث عنها اليوم عندما كان تحت ستار موقعه كرئيس الوزراء التحويلي، وقد فعل ذلك عندما حطم احتكار النخبة القاسية المؤيدة لسيطرة الدولة والتي أساءت إدارة اقتصاد البلاد وأعاقت النمو.

إلا أن نسبة متزايدة من الناخبين بدأت في اعتبار حزب العدالة والتنمية كأحد هذه الأحزاب القاسية المؤيدة لسيطرة الدولة، وقد تفشل جهود أردوغان لزيادة تركيز السلطة عند صندوق الاقتراع في يونيو القادم بفضل القوى التي أطلقها بنفسه من خلال جهوده في مجال التمكين الاقتصادي والسياسي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد