نشرت جريدة واشنطن بوست مقالةً للكاتبة «آن أبلباوم»، تحدثت فيها عن أسباب التقارب التركي الروسي بعد محاولة الانقلاب الأخيرة الفاشلة في تركيا، وأوجه الشبه بين «أردوغان» و«بوتين».

وتبدأ الكاتبة بقصة سمعتها عبر مكالمة سكايب متقطعة من أنقرة، تبدو جديدة ومألوفة على حدٍّ سواء، رواها أكاديمي تركي يؤمن بالحرية والأسواق الحرة. كان يخبرها عن حالات الاعتقال والاحتجاز والطرد التي تعرض لها زملاؤه. منهم «شاهين ألبي» (72 عامًا)، وهو صحافي ليبرالي له اتصالات أوروبية واسعة، و«أورهان كمال جنكيز»، صحافي وناشط في مجال حقوق الإنسان، و«إحسان داغي»، أستاذ علاقات دولية ومنظر ديمقراطي، و«لال كمال»، صحافية تكتب عن الجيش والأمن.

أخبرها الأكاديمي بأن لا أحد من هؤلاء دعم الانقلاب الفاشل في يوليو (تموز). لا أحد منهم من أتباع رجل الدين المنعزل «فتح الله كولن»، الساكن في ولاية بنسلفانيا والذي يحمّله الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» مسؤولية محاولة الانقلاب. البعض منهم كتب في الماضي لصحيفة أغلقت الآن، كان يملكها أتباع «كولن»، والبعض الآخر لم يكتب. ما يربطهم معًا شيء مختلف: جميعهم من «الديمقراطيين» أو «الليبراليين»، من حيث الوصف التركي، وهم فئة يعتبرها الرئيس التركي تهديدًا. سبق لليبراليين التشكيك في هجمات «أردوغان» على وسائل الإعلام والقضاء، وحققوا معه بتهم فساد. يريد الليبراليون الحد من سلطة الدولة التي يديرها «أردوغان».

تحديد وإزالة طبقة من «الأعداء» هي ممارسة سلطوية قديمة، وكذلك اعتقال الناس بناءً على آرائهم، وليس أفعالهم. هذه ليست من علامات القوة؛ بل على العكس، هذا ما يفعله الديكتاتوريون عندما يكونون خائفين أو مضطربين، عندما يشعرون بالعزلة، عندما يشعرون بالقلق من أن المتملقين حولهم ربما يخططون سرًّا لإطاحتهم. يستخدم الديكتاتوريون العنف لأنهم يخافون حقيقة أنهم يخسرون الدعم.

وتقول الكاتبة إن الديكتاتوريين الذين يخشون أعداءهم يبحثون أيضًا عن حلفاء. لكنهم لا يريدون حلفاء ينتقدون أفعالهم، سواء جهرًا أم بالمثال. وهكذا في أعقاب الانقلاب الفاشل والحملة الأمنية الناجحة، سعى «أردوغان» بشكل طبيعي شراكة الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين». شملت إعدادات اللقاء بين الرجلين في سان بطرسبرج هذا الأسبوع مأدبة غداء مع لوحات خزف مزينة بصورهما.

وتشير الكاتبة أن نموذج «بوتين» في القمع يختلف عن إستراتيجية «أردوغان»، على الأقل حتى الآن. بدلًا من الاعتقالات الجماعية، يستخدم «بوتين» العنف الموجه؛ لترهيب الصحافيين، يتضمن القتل في بعض الأحيان. ولتخويف القلة يحبس واحدًا منهم لعقد من الزمن. ويسيطر «بوتين» على الاقتصاد من خلال نظام محسوبية ورشاوى على نطاقٍ هائل.

ولكن كحال «أردوغان»، يحتاج «بوتين» إلى شراكة. كلا الرجلين لديهما خوف من أعداء لا يرونهم. كلاهما يعرف أن نسبة كبيرة من الشعب الروسي والتركي يكرههما. كلا الرجلين يعرف أن الأكاديميين والمثقفين الذين اعتقلوا في أنقرة أو تحت الحصار في موسكو سيعارضونهما دائمًا، حتى لو تم إسكاتهم بالقوة. كلا الرجلين يعرفان أن أكبر الأخطار التي تهدد سلطتهما الشخصية هي الأفكار والقضايا التي يدافع عنها هؤلاء الناس: ليست الديمقراطية فحسب؛ بل سيادة القانون، واستقلال القضاء، وحرية الإعلام، وحقوق الإنسان.

كلا الرجلين كان أيضًا على شفا حرب مع الآخر قبل عدة أشهر. في نوفمبر/ تشرين الثاني، أسقط الأتراك طائرة مقاتلة روسية دخلت مجالهم الجوي. والبلدان على طرفي نقيض تمامًا في الصراع السوري. خشي العديد من قادة الناتو من أن تقوم تركيا، وهي عضو في التحالف منذ عقود، بجرهم إلى حرب مفتوحة.

الحسابات الجيوستراتيجية والعسكرية وحتى التاريخية ينبغي أن تجعل تركيا وروسيا خصمين. لكن اجتماعهما يوضح شيئًا يجد كثير من الساسة الغربيين والمفكرين «الواقعيين» صعوبةً في فهمه: وهو أن الأفكار والأيديولوجيات عاجلًا أم آجلًا تتفوق على «المصالح». إن كانت تركيا ما تزال دولة ديمقراطية، سيلجأ «أردوغان» إلى حلفائه الغربيين لمساعدته في صد روسيا. لكن التواصل مع الغرب يعني التواصل مع الأفكار الغربية. الاعتماد على الغرب يعني الاعتماد على الدول التي تؤمن بالقواعد القانونية التي يريد «أردوغان» قمعها. الدول التي قد تدعم الناس الذي يريد «أردوغان» حبسهم.

وتختتم «آن أبلباوم» مقالتها بأننا نستطيع أن نقول لأنفسنا ما نشاء، في هذا العالم الساخر، ، ينبغي على الولايات المتحدة وأوروبا تحقيق أهداف سياسة واقعية ومصالح مالية. يمكننا القول إن طبيعة الأنظمة التي ندعمها لا تهم، وأن الحساب الموضوعي يجب أن يحدد سياستنا الخارجية. لكن عندما يختار الطغاة آخرين مثلهم فوق كل شيء آخر، يجب على الديمقراطية الانتباه.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد