تشير زيارة الرئيس الإريتري إلى موقع بناء سد النهضة الإثيوبي، إلى تغيُّر في موقف إريتريا التي كانت دومًا داعمة لموقف مصر في أزمة سد النهضة.

نشر موقع «المونيتور» الأمريكي تقريرًا كتبته آية أمان، صحافية مصرية تعمل في صحيفة الشروق، سلَّطت فيه الضوء على زيارة رئيس الوزراء الإريتري لسد النهضة، التي توضح أن هناك تغيرًا في موقف إريتريا من النزاع حول السد بين مصر وإثيوبيا، مستشهدةً ببعض آراء عدد من الخبراء في هذا الصدد.

استهلت الكاتبة تقريرها بالقول إن زيارة الرئيس الإريتري، أسياس أفورقي، إلى موقع بناء سد النهضة الإثيوبي الكبير خلال زيارته الرسمية الأخيرة لإثيوبيا في 13 أكتوبر (تشرين الأول) أثارت عدة تساؤلات حول تأثير هذا التقارب في التحركات الدبلوماسية المصرية الرامية إلى كسب دعم دول الجوار في النزاع حول سد النهضة الذي تبنيه إثيوبيا على النيل الأزرق. ويدور الخلاف بين مصر وإثيوبيا حول إدارة مياه النيل والتعامل مع مخاطر سد النهضة المحتملة، وآثاره السلبية في أمن مصر المائي.

ومنذ إعلان إثيوبيا بناء سد النهضة لأول مرة في عهد رئيس الوزراء الإثيوبي، ميليس زيناوي، في أبريل (نيسان) 2011، أبدى أفورقي موقفًا سلبيًّا بشأن السد. إذ صرح أفورقي، خلال مقابلة تلفزيونية في يناير (كانون الثاني) 2016، قائلًا: «إن إثيوبيا لا تسعى إلى توليد الطاقة وتحقيق التنمية لشعبها. ولبناء السد مآرب سياسية أخرى، وهي استخدام مياه النيل لتهديد مصالح المصريين والسودانيين، كما فعلت تركيا مع سوريا والعراق».

دولي

منذ شهر
«فورين بوليسي»: هل أوصلت محاولات إثيوبيا لبسط النفوذ المنطقة إلى طريق مسدود؟

إريتريا.. من معارضة السد لدعمه

وذكرت الكاتبة أن موقف إريتريا المعارض لبناء السد كان بمثابة مسار للتنسيق والتقارب مع مصر، وهو ما أثار حفيظة إثيوبيا. وفي الواقع، اتهمت أديس أبابا القاهرة في عدة مناسبات بأنها تستخدم إريتريا للضغط على إثيوبيا وزعزعة استقرارها. وهذا الأمر صحيح، لا سيما في ظل الصراع الدائر بين إريتريا وإثيوبيا منذ حرب الاستقلال في تسعينيات القرن الماضي، واستمرار حالة اللاحرب واللاسلم بينهما بعد ذلك.

ومع ذلك، ظهرت مؤشرات على وجود تقارب بين إثيوبيا وإريتريا منذ تقلد رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، منصبه في عام 2018 وتوقيع اتفاق السلام بينهما في العاصمة الإريترية أسمرة في يوليو (تمُّوز) 2018. ونتيجة لـ«جهوده المبذولة لتحقيق السلام والتعاون الدولي، وخاصة مبادرته الحاسمة لحل النزاع الحدودي مع إريتريا المجاورة»، فاز آبي أحمد بجائزة نوبل للسلام في عام 2019.

واستدركت الكاتبة قائلة: بيد أن الفشل في تنفيذ بنود اتفاق السلام بين البلدين دفع إريتريا إلى الحفاظ على معارضتها لبناء سد النهضة؛ أي إن هذه المعارضة ظلت قائمة حتى زيارة أفورقي الأخيرة للسد، وهي التي أظهرت تغيرًا في مواقف إريتريا بإظهار دعمها لإثيوبيا، على خلاف ما اتُّفق عليه في إطار التنسيق مع مصر.

Embed from Getty Images

توترات إثيوبيا الداخلية

وأشارت الكاتبة إلى أن التحوُّل في موقف الرئيس الإريتري يأتي في خضم تصاعد التوترات داخل إثيوبيا؛ حيث تواجه حكومة آبي أحمد مشكلات بسبب معارضة إقليم تيجراي. وبينما كانت إثيوبيا تخطط لإجراء الانتخابات الوطنية في أغسطس (آب)، اضطُرت الحكومة الإثيوبية لتأجيلها بسبب جائحة فيروس كورونا المستجد، وهو ما رفضه قادة الجبهة الشعبية لتحرير إقليم تيجراي الواقع في المنطقة الشمالية على الحدود مع إريتريا، وأجرت الحكومة الانتخابات الإقليمية في سبتمبر (أيلول). وبالنظر إلى الخلاف بين إريتريا والجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، نجد أن إقامة علاقات جيدة مع أديس أبابا سيخدم مصالح أفورقي الخاصة.

وفي هذا الصدد، تحدث طارق فهمي، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة القاهرة لموقع «المونيتور» قائلًا: «إن زيارة أفورقي لموقع سد النهضة يحمل في طياته رسائل من إثيوبيا إلى مصر، مفادها أن الدول الأفريقية تدعم الموقف الإثيوبي حاليًا، خاصة وأن إريتريا كانت داعمة للمواقف المصرية ضد سد النهضة دائمًا».

وأضاف فهمي: «قد تسعى إثيوبيا لممارسة الضغوط من أجل دفع زعماء آخرين من الدول الأفريقية للقيام بزيارات إلى سد النهضة لحشد الدعم لموقفها مع الاتحاد الأفريقي، والذي يُنسق في الوقت الحاضر مفاوضات سد النهضة ويرعاها. لكن تغيُّر موقف إريتريا لا يعني بالضرورة حدوث تأثير سلبي في العلاقات المصرية الإريترية».

علاقات دافئة بين إريتريا ومصر

ونقل «المونيتور» عن مسؤول بوزارة الخارجية المصرية، اشترط عدم الكشف عن هويته، قوله: «إن دعم العلاقات مع إريتريا وتعزيزها من أولويات أجندة مصر الدبلوماسية في أفريقيا، في إطار دعم المصالح المصرية في القارة». وأضاف: «هناك عديد من برامج التعاون بين مصر وإريتريا على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية، والتي يعززها البلدان على نحو منتظم من خلال الزيارات الرسمية واللقاءات بين قادتيْهما».

ولفتت الكاتبة إلى أن الرئيس الإريتري أفورقي زار مصر، في 6 يوليو، للمرة الخامسة منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم في 2014، وأجرى محادثات ثنائية مع نظيره المصري، والتي ركزت على الخلاف بشأن سد النهضة.

وتحدث الصحافي الإثيوبي أنور إبراهيم لموقع «المونيتور» قائلًا: «إن زيارة أفورقي لموقع السد مرتبطة في الأساس بالظروف الداخلية في كلٍّ من إثيوبيا وإريتريا؛ أي المواجهة مع الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي التي تُهدد السلام بين البلدين، فضلًا عن المشهد السياسي المعقد في ضوء الانتخابات القادمة التي قد تكون الأسوأ في إثيوبيا خلال العقدين الماضيين».

مساندة آبي أحمد في مواجهة التوترات

Embed from Getty Images

وذكر إبراهيم أنه على الرغم من مواقف أفورقي السلبية السابقة بشأن سد النهضة مع الحكومات الإثيوبية السابقة، كانت هناك محاولات لكي تستفيد إريتريا من سد النهضة، وهذا قد يعني أن إثيوبيا ستتمسك بمواقفها خلال المفاوضات المتعلقة بملء السد وتشغيله.

من جهة أخرى، أخبر المحلل السياسي الإريتري، سليمان حسن، «المونيتور» قائلًا: «كان الهدف من زيارة الرئيس الإريتري إظهار الدعم لآبي أحمد وتوصيل رسالة إلى إثيوبيا بهذا المعنى، لا سيما في ظل تصاعد التوترات الداخلية نتيجة الانتخابات الأحادية التي أجرتها الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي في سبتمبر في الإقليم، ضاربين بقرار الحكومة الفيدرالية لتأجيل الانتخابات بسبب جائحة فيروس كورونا المستجد عرض الحائط».

وأضاف حسن أن الرئيس الإريتري ما يزال يتمتع بعلاقات جيدة مع مصر والسودان وإثيوبيا، ولديه القدرة على مواصلة الوساطة بين الدول الثلاثة من أجل التوصل إلى حلول للقضايا العالقة في مفاوضات سد النهضة.

السيناريو الوحيد  

وفي الوقت نفسه، قلَّل هاني رسلان، خبير الشؤون الأفريقية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، من قيمة دور إريتريا في الصراع بين القاهرة وأديس أبابا حول سد النهضة. إذ قال: «لم تكن إريتريا يومًا ما ورقة رابحة لمصر ضد إثيوبيا، ولم تمثل مطلقًا دعمًا حقيقيًّا لها. وأن الدور المهم الوحيد الذي قد تلعبه إريتريا يحين عندما تقرر مصر اللجوء لسيناريو العمل العسكري لحل أزمة السد. وهذا أمر بعيد تمامًا، خاصة أن الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، شدَّد على ضرورة حل الأزمة عبر المفاوضات، واستبعد اللجوء إلى الحلول العسكرية».

ويرى رسلان أن زيارة أفورقي لإثيوبيا تعكس المصالح المشتركة الداخلية مع إدارة آبي أحمد، ومن بينها حصار إقليم تيجراي الذي أصبح يُمثل تهديدًا لمصالح رؤساء إثيوبيا وإريتريا على حد سواء.

وأضاف رسلان قائلًا: «من غير الممكن اعتبار تغير موقف الرئيس الإريتري من معارضة سد النهضة إلى دعمه موقفًا نهائيًّا، بالنظر إلى ديناميكيات المنطقة الوثيقة الصلة بالمكونات التاريخية والمشكلات العِرْقية». ووصف رسلان الموقف المصري الحالي في ظل تعثر المفاوضات ومماطلة الاتحاد الأفريقي، بأنه «لم يصل إلى مستوى التعامل الحقيقي مع الأزمة التي تواجهها مصر في ظل التعنت الإثيوبي المستمر، واتخاذ قرارات أحادية الجانب لاستكمال بناء السد وملئه دون تنسيق مع مصر والسودان».

إثيوبيا عازمة على السد

وألمح رسلان إلى أن إثيوبيا استطاعت البدء من جانب واحد في المرحلة الأولى من ملء البحيرة خلف السد على الرغم من معارضة مصر والسودان. وهذا يدل على أن إثيوبيا لن تتراجع على الأرجح عن هذه السياسة في المرحلة الثانية لملء السد.

Embed from Getty Images

وأشارت الكاتبة إلى أن المحادثات بين مصر والسودان وإثيوبيا، بعد أسابيع من جولات المفاوضات المكثفة التي رعاها الاتحاد الأفريقي، انتهت في 28 أغسطس من دون التوصل إلى أي اتفاق بشأن البنود القانونية والفنية المتعلقة بمسائل الجفاف، ومدة الجفاف الطويلة، أو حتى الاتفاق على مدى التزام إثيوبيا بالاتفاقية، أو التوصل لآلية توافقية لتسوية النزاعات بين الدول المتنازعة. وكانت كل دولة قد قدَّمت إلى الاتحاد الأفريقي برئاسة جنوب أفريقيا مسودة اتفاقية تمثل رؤيتها للأزمة، في محاولة لإيجاد حل وسط بين الدول الثلاثة. ولم يتخذ الاتحاد الأفريقي قرارًا بشأن هذه المسألة.

واختتمت الكاتبة تقريرها بالقول إنه مع استمرار إثيوبيا في الإدلاء بالتصريحات وإرسال الرسائل بأنها ستمضي قدمًا في تشغيل السد، مع تجاهل نتائج المفاوضات الجارية مع مصر والسودان، تواصل القاهرة تمسكها بمسار المفاوضات بوصفه وسيلة للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم من دون اتخاذ قرارات أحادية الجانب قد تُؤثر سلبًا في الاستقرار بالمنطقة. وهذا تحديدًا ما أعرب عنه رئيس الحكومة المصرية، مصطفى مدبولي، في خطابه يوم 18 أكتوبر خلال أسبوع المياه في القاهرة، دون إعلان العودة إلى طاولة المفاوضات.

دولي

منذ شهر
«واشنطن. ب»: كيف ردت إثيوبيا على تصريح ترامب بشأن إمكانية تفجير مصر لسد النهضة؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد