عاش بابلو إسكوبار، بارون المخدرات الكولومبي وإمبراطور الكوكايين الذي ترأس قائمة أغنى وأكثر المطلوبين في العالم في الثمانينيات وأوائل التسعينيات، لعدة سنوات في مبنى يدعى موناكو في مدينة ميديلين، وهو مبنى ضخم أبيض مكون من ستة طوابق نقش عليه اسم عائلته. تعرض هذا المبنى للتفجير بسيارة مفخخة عام 1988 من قبل منافسي بابلو، وهجر بابلو وعائلته البيت منذ ذلك الحين حتى نبتت الأعشاب في تشققات جدرانه وأرضيته، وعلى سطحه قرص استقبال أقمار صناعية يجمع الأوراق المتساقطة. وقد يبدو لوهلة أن مدينة ميديلين قد نسيت موناكو المهجور وتاريخه. إلا أن ذلك تغير في الآونة الأخيرة.

هكذا بدأ نيكولاس كيسي تقريره الذي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية والذي يتناول مآل أسطورة بابلو إسكوبار. ويقول نيكولاس إن الاهتمام بموناكو قد ازداد في الفترة الأخيرة بعد فيض من الكتب والمسلسلات والأفلام التي تتناول قصة بابلو ووصوله إلى ما وصل إليه من غنى وإجرام. يتزاحم السياح إلى أبواب موناكو ليلتقطوا الصور وينشروها على إنستجرام، ويتوقف المرشدون السياحيون للحديث عن المبنى، كما تنتشر فيديوهات يوتيوب وكتب وأقراص DVD لرجل العصابات والقاتل المحترف السابق «بوباي» وأحد أهم مرافقي بابلو.

ويذكر الكاتب كيف توعد عمدة المدينة في أبريل (نيسان) -وبعد أن طفح كيله من اهتمام السياح بموناكو- بهدم «رمز الشر» هذا وبناء ضريح لذكرى ضحايا إسكوبار عوضًا عنه.

مبنى موناكو.. من مبنى غامض إلى معلم سياحي ثم مشروع هدم

تحول مبنى موناكو من غموض نسبي، إلى نقطة جذب سياحية عالمية، ثم إلى واحد من أكثر مشاريع الهدم شهرة في كولومبيا ينبئنا عن العلاقة الصعبة التي تربط مدينة مديلين بالسيد إسكوبار، ابن المدينة الأكثر شهرة. فبعد 25 عامًا من مقتله في تبادل لإطلاق النار من قبل الشرطة على سطح أحد مباني ميدلين، لم تستطع المدينه أن تنساه على الرغم من رغبتهم دفن أسطورته بعيدًا، كما يشير الكاتب.

وتمثل الاستجابات المتضاربة للمبنى – إحراج للبلدية أو فرصة لالتقاط الصور الفوتوغرافية – أيضًا مثال مهما يوضح كيف ان ميدلين لا زالت في حرب رويات حول إسكوبار. فمن يستطيع أن يقول ان هذا التاريخ هو تاريخ حروب المخدرات؟ وأين يقال ذلك – هل في الشوارع أم في المتاحف؟ ومن هم الأخيار – الأشرار أم الضحايا؟

يقول الكاتب إنه جاء للعيش في هذه المدينة قبل ثمانية أشهر، لكنه تعرفت في البداية على ميدلين عندما كان طفلًا في أوائل التسعينيات، وفي ذروة حملات السيد إسكوبار الإرهابية لحماية أعماله التجارية والتي كانت تقدر بمليارات الدولارات، انعكست نتائجها المروعة على الأخبار المسائية في الولايات المتحدة. وبعد مضي عدة عقود، يقول نيكولاس إنه انجذب إلى ميدلين مرة أخرى لتغطية رحلة المدينة لطي صفحة ماضيها العنيف.

سياح خارج مبنى موناكو، المنزل السابق لعائلة إسكوبار والذي جرى تفجيره من قبل منافسيه في عام 1988. (المصدر: نيويورك تايمز)

ميدلين.. مدينة تطورت في عصر الكوكايين

أصبحت المدينة الآن مدينة مزدهرة -بحسب الكاتب- حيث يتنافس المهندسون المعماريون الدوليون على بناء مشاريع فخمة، كما تنتشر الشركات الناشئة ذات التكنولوجيا المتطورة بشكل جيد بجوار المطاعم العصرية، ويمتد مترو كولومبيا على طول المدينة، وتوجد السلالم المتحركة على أطراف وجانبي الوادي الخصب حيث توجد المدينة.

كثيرًا ما يتحمس سكان المدينة الفخورون لذكر كيف تطورت مدينتهم، ولكن آخر ما يذكرونه هو من أين تطورت؟، أي من أعماق حقبة الكوكايين التي لم تجلب الرعب فقط، بل جلبت أيضًا الأموال التي بنت سماءها المليئة بالبنيان، بما في ذلك مبنى موناكو.

شقيق السيد إسكوبار، روبرتو، على طاولة غرفة الطعام التي استخدمها بابلو إسكوبار للاحتفال بعيد ميلاده الأخير، في الليلة السابقة لوفاته في عام 1993 (المصدر: نيويورك تايمز)

يقول سكان ميدلين: «يجب غسل الملابس القذرة داخل المنزل»، وعندما سأل الكاتب لماذا يتجنب السكان المحليون ذكر موناكو كان الجواب أنه كان قصر رعب.  فلم تكن عائلته تعيش هناك فقط «بل قتلوا وعذبوا الناس، كما خططوا لضربات تجاه المدينة».

ولو أرادت المدينة أن تحتفظ بغسيلها المتسخ بعيدًا عن أعين الناس، فإن مسلسل نتفليكس الشهير «ناركوس Narcos»، والذي عرض في أول موسمين له صعود ونهاية بابلو إسكوبار، قد عرضها لملايين المشاهدين حول العالم.

قاومت ميدلين المسلسل منذ البداية، وواجهت فرق التصوير مشكلة في الحصول على تصاريح للعمل في المدينة، ومجرد سماع اسم المسلسل يثير الخوف عند الناس. إلا أن المدينة نفسها كانت شخصية رئيسية في «ناركوس»، ومحبو المسلسل يتوافدون إلى ميدلين بأعداد كبيرة بحثًا عن المزيد من القصص عن حياة إسكوبار.

ناطحات سحاب ميدلين، والتي بني معظمها في فترة الكوكايين (المصدر: نيويورك تايمز)

ويذكر الكاتب كيف بدا دانيال فاسكيز، والذي يرأس هيئة التوعية العامة في متحف ميموري هاوس في ميدلين، غاضبًا عندما سأله عن سبب اهتمام الزائرين بحياة الشرير الأشهر في المدينة أكثر من زيارة هذه المؤسسة المكرسة لضحايا نزاعات المدينة المسلحة على مدار الخمسين عامًا الماضية.

قاتل محترف ينظم جولات سياحية!

ويقول فاسكيز: «لقد أصبح بابلو إسكوبار رمزًا لهذه القصة، ولم تكن المدينة بحاجة لرواية هذا الجزء من تاريخها، لم يكن الأمر ذا أولوية بالنسبة للحكومة، إلا أن أصبح هناك فجأة جولات لتاريخ حرب المخدرات بقيادة بوباي».

«بوباي»، الاسم المستعار لـجون خايرو فيلاسكيز، هو قاتل محترف تابع لبابلو إسكوبار، بدأ في بيع أقراص DVD واستضافة جولات سياحية في المدينة بعد إطلاق سراحه من السجن في عام 2016. كما أنشأ قناة على يوتيوب تحت اسم «التائب بوباي».

يقول الكاتب إن الأمر أشبه بالسماح لأعضاء القاعدة بتقديم جولات سياحية حول تخطيطهم لتفجيرات برجي التجارة العالميين في 11 سبتمبر (أيلول)، ولفت إلى أنه في مدينة ما زالت تتألم من جروح إسكوبار، بدا أن الرجل لا يشعر بأي ندم. ففي واحدة من سلسلات الفيديو، وتدعى «مقابر شهيرة»، يذهب بوباي إلى قبور ضحاياه، ويروي كيف قام بقتلهم.

يروي بوباي وهو يقف على رأس المدعي العام الكولومبي السابق «هنا لدينا كارلوس ماورو هويوس، قمنا باختطافه في عام 1988»، موضحًا كيف أصيب السيد هويوس في ساقه عندما تعرض لكمين وقتل فيما بعد.

وقال لويس هرناندو ميخيا، والذي يمثل رابطة الجيران التي تشمل موناكو أن «الأمر أشبه بالسماح لأعضاء القاعدة بتقديم جولات سياحية حول تخطيطهم لتفجيرات برجي التجارة العالميين في 11 سبتمبر». ويذكر الكاتب أنه أعيد اعتقال بوباي في مايو (أيار)  الماضي بتهم شملت الابتزاز.

سياح يقفون على أسوار موناكو (المصدر: نيويورك تايمز)

يتذكر الكاتب ما أخبره إياه هيكتور آباد، وهو واحد من الروائيين الأكثر شعبية في البلاد، في زيارة لشقته حول مقتل والده على يد مجموعة عسكرية قبل عام من الهجوم على موناكو، وذكر هيكتور إن إحدى صديقاته عرضت عليه الندوب على ظهرها التي أصابتها من إحدى تفجيرات إسكوبار.

كما عرض هيكتور منزله دليلًا على أنه لا يوجد أي مبنى في ميدلين لم يتأثر بالجرائم السابقة. ويقول إنه بعد فترة قصيرة من شرائه الشقة، وجد مخبأ لسبائك الذهب وأموال مزيفة مخبأة في جدار. يقول هكتور: «من الممكن أن تحرك طوبة هنا أو هناك وتجد هيكلًا عظميًا خلفها».

قابل الكاتب عمدة ميدلين، السيد غوتيريز، والبالغ من العمر 43 عامًا، وسأله عن شعوره حول تفجير موناكو فأجاب: «ماذا شعرت؟ شعرت بالخوف. ليس فقط مما حدث بل مما كان على وشك أن يحدث».

سياح عند قبر بابلو إسكوبار في ضواحي المدينة (المصدر: نيويورك تايمز)

ويكمل العمدة قائلًا أنه سأل نفسه لماذا يريد أن يهدم مبنى موناكو، فكان الجواب أن لذلك رمزية لولادة جديدة للمدينة، ولانتصار القانون على الفوضى. إضافة إلى أن المدينة أنهكت من رواية قصة هذا المجرم مرارًا وتكرارًا.

كان أحد آخر الأشخاص الذين سعى الكاتب للتحدث معهم عن موناكو هو ابن إسكوبار، المولود باسم خوان بابلو إسكوبار. كان غادر كولومبيا بعد مقتل والده وغير اسمه إلى سيباستيان ماروكين، ويعمل الآن مهندسًا معماريًا في بوينس آيرس. كان السيد ماروكين الشخص الوحيد الذي يمكن من العثور عليه ممن كان هناك في اليوم الذي تم فيه تفجير المبنى.

في البداية قال إنه يريد التحدث إلى الكاتب، لكنه توقف عن الرد على رسائله الإلكترونية بعدها. يقول الكاتب: «بدأت أفكر في نفسي، كيف شعر طفل ابن أغنى رجل في البلاد، مع جميع الطوابق الستة في موناكو لعائلته، ولكن مع العديد من التهديدات خلف جدرانه رغم ذلك». في النهاية، أرسل السيد ماروكين ردًا للكاتب، وظن أنه ربما يوافق على مقابلته. لكن على ما يبدو أن ابن إسكوبار قد اكتفى من هذا الموضوع. قال ماروكين: «أشكرك على صبرك، كنت مسافرًا خلال الأشهر الماضية. اعتقد أن علينا ترك هذه المقابلة لوقت آخر».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد