نشر موقع أوبن ديموكراسي تقريرًا أعده الباحث في العلوم السياسية، جون هوفمان، حول تورُّط الشركات والحكومات الغربية والإسرائيلية في جرائم التجسس والقمع التي ترتكبها الأنظمة بحق الشعوب في دول الشرق الأوسط.

يلفت هوفمان في بداية تقريره إلى أن أساليب المراقبة التي تديرها هذه الأنظمة اتخذت أشكالًا جديدة في الشرق الأوسط؛ حيث اضطرت الحكومات إلى التكيف مع البيئات التكنولوجية والاجتماعية الجديدة.

تكنولوجيا

منذ 9 شهور
احترس منها.. 4 دول ستكون الأكثر تطورًا في تقنيات التجسس العقد المقبل

صحيحٌ أن مراقبة الحكومات للمواطنين ليست ممارسة جديدة على المنطقة، بيد أن هذه النزعة الاستبدادية القديمة شهدت عملية تجديد في محاولة لتقويض أنشطة المعارضة ومراقبة عمليات الانشقاق، في ظل استخدام واسع النطاق لوسائل التواصل الاجتماعي، وتزايد الوصول إلى الهواتف الذكية داخل المنطقة.  

وبالتالي أصبحت الأشكال الجديدة من عمليات الاختراق والتجسس المستهدفة شائعة في جميع أنحاء المنطقة، وغالبًا ما تمتد عبر الحدود وصولًا إلى الساحة الدولية. 

ويذكر الكاتب أن الشركات والحكومات والأفراد في الغرب قدموا مساعدة مكثفة لجهود المراقبة التي تبذلها هذه الحكومات؛ غالبًا من خلال تزويدها بالتكنولوجيا والخبرة الفنية اللازمة لإجراء مثل هذه العمليات الكاسحة. 

بيدَ أن دول المنطقة – لا سيما إسرائيل – حثت الخطى لبناء وتصدير عملياتها ومنصاتها التي صممتها بنفسها بهدف مراقبة مواطنيها. هذه الأشكال الجديدة والمعقدة من المراقبة، التي أجريت على نطاق واسع وحظيت بدعم تكنولوجي غربي، زودت هذه الحكومات بالأدوات اللازمة للهجوم على كل من يسعون إلى تحدي الوضع الراهن، كما يقول الكاتب. 

طرق جديدة للمراقبة

يرصد التقرير ثلاث إستراتيجيات مترابطة واسعة النطاق تجسدت فيها هذه الأشكال الجديدة من المراقبة الجماعية:

Embed from Getty Images

  • أساليب التلاعب والاختراق لمختلف تطبيقات المراسلة والفيديو والبريد الإلكتروني على الهواتف المحمولة وغيرها، بما يتيح للمهاجمين الوصول إلى بيانات الهاتف الذكي للشخص المستهدف. 
  • شن هجمات تصيُّد وزرع برامج ضارة على نطاق واسع بهدف خداع الأهداف من أجل الحصول على معلوماتهم الشخصية أو لفتح ملفاتهم أو لاستقبال رسائل تؤدي لاحقًا إلى اختراق جهاز المستخدم. 
  • رصد مكثف لحسابات وسائل التواصل الاجتماعي لتتبع المعارضين وملاحقة المنشقين. 

الإستراتيجية الأولى.. الإمارات ومصر ولبنان نموذجًا

متحدثًا عن الإستراتيجية الأولى، يشدد الكاتب على أهمية تطبيقات الهواتف المحمولة المختلفة لإستراتيجيات المراقبة التي تنتهجها هذه الأنظمة. مستشهدًا بـتطبيق المراسلة الإماراتي «ToTok». ففي ديسمبر (كانون الأول) 2019، كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» أن التطبيق – الذي حمَّله المستخدمون في جميع أنحاء العالم ملايين المرات من متاجر «آبل» و«جوجل» – تستخدمه حكومة الإمارات العربية المتحدة «لتتبع كل محادثة، أو حركة، أو علاقة، أو موعد، أو صوت، أو صورة تخص من يقومون بتنصيبه على هواتفهم».

على الرغم من أن غالبية مستخدمي ToTok يقيمون في الإمارات، إلا أن التطبيق تزايد انتشاره في أنحاء الولايات المتحدة عام 2019. ووفقًا للتقرير يتتبع التطبيق موقع المستخدمين من خلال خدمة توقعات الطقس المحلية، التي تمنحه صلاحية الوصول إلى ميكروفونات المستخدمين وكاميراتهم وتقويماتهم وبيانات هواتفهم الأخرى.

يضيف الكاتب: على الدرب ذاته سارت الحكومة المصرية في استهداف الصحافيين، والأكاديميين، والمحامين، والسياسيين المعارضين، ونشطاء حقوق الإنسان، من خلال سلسلة من الهجمات الإلكترونية المتطورة. ويذكر التقرير أن المخترقين الذين ثبت ارتباطهم بالحكومة المصرية زرعوا برامج على هواتف الأشخاص المستهدفين سمحت لهم بقراءة ملفاتهم ورسائل بريدهم الإلكتروني وتتبع مواقعهم والوصول إلى جهات اتصالهم. 

استطاع هؤلاء المخترقون الوصول إلى هذه البيانات باستخدام تطبيقات مختلفة قابلة للتنزيل، مثل Secure Mail؛ وهو تطبيق خاص بـخدمة جي ميل يغري المستخدمين بالكشف عن كلمات مرورهم الخاصة، وتطبيق iLoud200% الذي يغري مستخدميه بمضاعفة مستوى أصوات هواتفهم المحمولة، وIndexY الذي يزعم أنه تطبيق مجاني لتحديد هوية أصحاب الاتصالات الواردة. 

علوم

منذ سنتين
مترجم: تعرف إلى 8 خطوات يتّبعها الخبراء لتجنب المراقبة على الإنترنت

يذكر التقرير أن هذه الهجمات الإلكترونية ساعدت في عمليات اعتقال سريعة للأفراد المستهدفين بعد اندلاع الاحتجاجات في مصر خلال شهر سبتمبر (أيلول) 2019، ومن بينهم حسن نافعة (أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة) وخالد داود (الصحافي السابق وأحد قيادات حزب الدستور العلماني).

ينتقل الكاتب إلى لبنان الذي طبق أيضًا مثل هذه الأشكال من المراقبة، من خلال التلاعب بتطبيقات الهاتف المحمول المختلفة. واكتشف تقرير صادر عن «مؤسسة الحدود الإلكترونية» (Electronic Frontier Foundation (EFF  في عام 2018 عملية مراقبة كبيرة تسمى «الوشق الأسود» Dark Caracal مرتبطة بالمديرية العامة للأمن العام. وتعتمد هذه العملية على إرسال روابط لإغراء مستخدمي «فيسبوك» و«واتس آب» بتنزيل تطبيقات مصابة ببرامج ضارة سرية. 

وفقًا لمنظمة «فريدوم هاوس»، كانت تلك التطبيقات عبارة عن إصدارات مزيفة من «واتس آب» و«ثريما» و«سيجنال» و«سايفون» وتور وغيرها من تطبيقات المراسلة وتخطي الحجب (التي تساعد المستخدمين على تجنب القيود الإلكترونية). 

وكانت البرامج الضارة المزروعة في تلك التطبيقات قادرة على «استخراج الرسائل والمكالمات الهاتفية وتنزيل التطبيقات ومراقبة المكالمات وتحميل الملفات إلى الأجهزة التي تعمل بنظام أندرويد». وبحسب التقرير، استهدفت تلك التطبيقات شريحة واسعة من الأفراد العسكريين والمسؤولين الحكوميين والناشطين والصحافيين والمحامين في 21 دولة مختلفة تمتد عبر أمريكا الشمالية، وأوروبا، والشرق الأوسط، وآسيا.

الإستراتيجية الثانية.. مصر وإيران وسوريا نموذجًا

ينتقل الكاتب إلى الإستراتيجية الثانية، التي شاع استخدامها خلال السنوات الأخيرة، وتعتمد على شن هجمات تصيُّد وزرع برامج ضارة على نطاق واسع. النموذج الأول الذي يستشهد به المقال هو حملة أطلقتها الحكومة المصرية في عامي 2016 و2017، عُرِفَت باسم «نايل فيش» Nile Phish، واستهدفت أبرز منظمات حقوق الإنسان في مصر، من بينها: معهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، واللجنة المصرية للحقوق والحريات، ومؤسسة نظرة للدراسات النسوية، ولم ينجُ منها حتى الأفراد، ومنهم المحامون والصحافيون والنشطاء السياسيون.

Embed from Getty Images

صُمِّمَت الهجمات لخداع الأهداف من أجل استخلاص معلوماتهم الشخصية مثل كلمات مرور حساباتهم الخاصة. على سبيل المثال: كانت الحملة تنتحل صفة مزود الخدمة، وتبعث برسائل بريدية إلكترونية إلى الجهات، أو الأشخاص المستهدفين تحذرهم من «محاولات تسجيل دخول مريبة»، وتطلب من المستخدم الإفصاح عن معلومات حسابه. 

موجة مماثلة من هجمات التصيد الاحتيالي اكتُشِفَت في مصر بدءًا من يناير (كانون الثاني) 2019، واستهدفت عدة مئات من المدافعين البارزين عن حقوق الإنسان، والمنظمات الإعلامية وموظفي منظمات المجتمع المدني المختلفة. هذه السلسلة الأحدث من الهجمات دفعت شركة «جوجل» في الواقع إلى تنبيه العديد من المستهدفين بأن «مهاجمين مدعومين من الحكومة يحاولون سرقة كلمة مرورك».

يرصد الكاتب أيضًا تورط الحكومة الإيرانية في شن هجمات تصيُّد وزرع برامج خبيثة، مستشهدًا بتقرير أصدره «سيتزن لاب» التابع لكلية السياسة العامة والشؤون الدولية بجامعة جورج تاون الأمريكية، في عام 2015، يحلل أساليب التصيد المتطورة التي استخدمتها الحكومة الإيرانية، والمصممة لاستهداف الشتات الإيراني. 

كانت تلك الحملة تحاول التحايل على إجراء «التحقق بخطوتين» two-factor authentication الذي تطبقه خدمة جي ميل، واعتمدت اعتمادًا كبيرًا على المكالمات الهاتفية المباشرة والرسائل النصية المصممة لمحاكاة خدمات إشعارات جوجل من أجل خداع المستخدمين، وإقناعهم بتقديم معلومات حساباتهم الشخصية. 

على الدرب ذاته، وثق تقرير نشره مركز حقوق الإنسان في إيران CHRI عام 2019 حملة منسقة تستهدف المنشقين الإيرانيين ومجموعات الأقليات الدينية التي تعيش داخل الجمهورية الإسلامية، بالإضافة إلى بعض المقيمين بالخارج في أوروبا والولايات المتحدة عبر تطبيق المراسلة الشهير «تليجرام».

تكنولوجيا

منذ سنتين
«بوليتيكو»: يساعد الإيرانيين أم يخدعهم؟ شكوك حول تعاون «تليجرام» مع حكومة إيران

وفقًا للتقرير، خلال الفترة بين 19 أكتوبر (تشرين الأول) 2007 و9 أبريل (نيسان) 2018،  أرسل قراصنة الإنترنت الذين يعملون لصالح الحكومة الإيرانية برامج ضارة إلى ما لا يقل عن 37 هدفًا مختلفًا، يتواجدون داخل البلاد وخارجها، بما في ذلك مجموعة إعلامية تابعة لمجموعة «دراويش جونابادي»، وهي أقلية عرقية من النشطاء الحقوقيين الصوفيين، وجماعات آذرية منشقة». وكانت البرامج الضارة، المزروعة سرًا في الملفات المرفقة بالرسائل المرسلة إلى أهداف مختلفة، تُنزَّل على جهاز المستخدم بمجرد فتحها.

على النسق نفسه، استخدمت حكومة بشار الأسد في سوريا مثل هذه الإستراتيجيات المصممة لمراقبة الناشطين عبر الإنترنت. وكشف تقرير نشره فريق مختبر كاسبرسكي للبحث والتحليل في عام 2014 أن مهاجمين حكوميين خدعوا المستخدمين لتنزيل ملفات خبيثة، توزع عبر رسائل «سكايب» ومنشورات «فيسبوك» ومقاطع فيديو «يوتيوب». تعرض هذه الرسائل أو المشاركات المختلفة التي تتضمن ملفات خبيثة روابط لتنزيل برامج لتشفير الاتصالات وبرامج مكافحة فيروسات شهيرة مع التحديثات اليومية والعديد من برامج مكافحة البرامج الضارة. 

ومن المفارقات التي رصدها التقرير أن المهاجمين غالبًا ما كانوا يُغرون المستخدمين باستخدام هذه الخدمات باعتبارها وسيلة لتجنب المراقبة الحكومية. لكن بمجرد تنزيلها، منحت هذه الملفات الضارة المهاجمين «صلاحية الوصول الكامل إلى أجهزة الضحايا والتحكم فيها». ولم تكن هذه العملية تستهدف السوريين فحسب، بل كان ضحاياها من جميع أنحاء الشرق الأوسط وحتى داخل الولايات المتحدة. 

الإستراتيجية الثالثة.. السعودية ومصر وإسرائيل نموذجًا

ينتقل التقرير إلى استعراض الإستراتيجية الثالثة، التي تستخدمها الحكومات لتطبيق مراقبة واسعة النطاق لمختلف منصات وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما «فيسبوك» و«تويتر». وأشهر الدول التي تورطت في هذا النشاط بحسب التقرير هي المملكة العربية السعودية بقيادة ولي العهد محمد بن سلمان. ويستدل الباحث بما أسدل عنه الستار في أكتوبر 2018، من تعاقد الحكومة السعودية مع شركة الاستشارات العالمية «ماكينزي وشركائه» ومقرها الولايات المتحدة، لقياس رد الفعل العام عبر الإنترنت، بعد الإعلان عن خطة التقشف الاقتصادي الجديدة التي طرحها ابن سلمان «رؤية 2030». 

رصد التقرير التي قدمته شركة ماكينزي إلى الحكومة السعودية ثلاثة أفراد على وجه الخصوص سلط عليهم الضوء باعتبارهم المحركون الذين يقفون وراء الترويج لـ «نقاش سلبي إلى حد كبير» على «تويتر» فيما يتعلق بالخطة. هؤلاء الأشخاص الثلاثة الذين حددهم التقرير، يعيش أحدهم الآن في المنفى، وألقي القبض على آخر، واختفى الثالث. والشخص الموجود في المنفى الآن هو: عمر عبد العزيز، المقيم في كندا، وكان هدفًا مستمرًا لجهود المراقبة السعودية، ويشير التقرير إلى أنه كان مقربًا من الصحافي السعودي المقتول جمال خاشقجي.

 

في هذا الصدد اتهمت وزارة العدل الأمريكية في 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، اثنين من موظفي «تويتر» السابقين بالتجسس لصالح حكومة السعودية مقابل أموال تلقوها من المملكة. تمكن هذان الشخصان من الوصول إلى بيانات الشركة حول أكثر من 6000 مستخدم، بما في ذلك عمر عبد العزيز. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يوجه فيها المدّعون الأمريكيون اتهامًا علنيًا للحكومة السعودية بتوظيف جواسيس داخل الولايات المتحدة. 

يتابع الكاتب تقريره، موجهًا دفة الحديث إلى مصر، قائلًا: لا يزال العديد من الأفراد يتعرضون للمضايقة والاحتجاز في مصر؛ بسبب المواد التي ينشرونها على وسائل التواصل الاجتماعي. يستشهد التقرير بحالة الطالب خالد، الذي كان يبلغ من العمر وقت اعتقاله 28 عامًا، إذ تعرض للتعذيب والاستجواب لفترة طويلة بسبب منشور كتبه على صفحة «فيسبوك» في نوفمبر 2016. 

أخبر خالد صحيفة «نيويورك تايمز» بأنهم «أرادوا معرفة سبب نشره تعليقات متعاطفة مع الأشخاص الذين اختفوا في السجن. وعلى المنوال ذاته حُكم على المحامي محمد رمضان، في أبريل 2017، بالسجن 10 سنوات بتهم شملت إهانة الرئيس السيسي على فيسبوك». 

يستشهد التقرير أيضًا بحالة وائل عباس، وهو صحفي ومدون مصري شهير يوثق الانتهاكات التي يرتكبها النظام، أوقفت منصات مثل «تويتر» و«فيسبوك» حساباته مرارًا وتكرارًا على دون توضيح من الشركتين لسبب هذا التعليق. ثم في مايو (أيار) 2018، اعتقلته السلطات المصرية، ووجهت إليه تهمة «الانضمام إلى جماعة إرهابية» و«نشر أخبار مزيفة» و«إساءة استخدام شبكات التواصل الاجتماعي». 

كما اعتقلت ناشطة مصرية أخرى، اسمها أمل فتحي، في الشهر نفسه؛ لنشرها مقطع فيديو ينتقد الحكومة لعجزها عن حماية النساء من التحرش الجنسي. ووجهت للناشطة تهمة «الإضرار بسمعة الحكومة»، واستخدام موقع «فيسبوك» لنشر «الأكاذيب». 

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 6 شهور
«ميدل إيست آي»: إسرائيل تنتهك خصوصية الفلسطينيين بذريعة مكافحة كورونا

ينتقل التقرير إلى الأراضي الفلسطينية التي تضرر أهلها بشدة نتيجة هذه الحملة الرقابية. إذ ألقت إسرائيل القبض على مئات الفلسطينيين بسبب نشاطهم على وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة منشوراتهم على «فيسبوك». واعتُقل مواطنون، ونشطاء، وصحافيون فلسطينيون بذريعة «التحريض»؛ لنشرهم موادًا تنتقد الممارسات الإسرائيلية. 

وأفاد المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي (حملة) في عام 2018، أنه وثق اعتقالات لأكثر من 350 فلسطينيًا في الضفة الغربية بتهمة «التحريض»؛ بسبب منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو العدد الذي يتجاوز سقف الـ300 حالة التي وثقها المركز في عام 2017. 

تراقب إسرائيل أيضًا حسابات مواطنيها على وسائل التواصل الاجتماعي. إذ وثق مقال نشرته صحيفة «هآرتس» في 2018 كيف راقب الجيش الإسرائيلي قائمة طويلة من الحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، يتنوع أصحابها بين مواطنين عاديين وشخصيات عامة، وجماعات مهتمة بالشؤون الاجتماعية وشركات. وكانت الرقابة الإسرائيلية تستهدف بكثافة مجموعة بعينها من منصات وسائل التواصل الاجتماعي، أبرزها: «فيسبوك» و«تويتر» و«إنستجرام» و«جوجل بلس» و«يوتيوب». 

 الاستعانة بمصادر خارجية غربية وإسرائيلية

يخلُص تقرير «أوبن ديموكراسي» إلى أن الحكومات والشركات والأفراد الغربيون كان لهم دور محوري في دعم ممارسات المراقبة التي تطبقها هذه الحكومات من خلال تزويدها مرارًا وتكرارًا بتقنيات مراقبة متطورة، بل ومساعدتها مباشرة أحيانًا في استخدامها. 

يستدل الباحث على ذلك بتقرير نشرته شبكة «بلومبرج» في عام 2011 كشف أن شركة «نوكيا – سيمنز» متعددة الجنسيات ومقرها فنلندا باعت معدات مراقبة للبحرين بعد اندلاع تظاهرات جماهيرية ضد نظام آل خليفة الحاكم. كما قامت الشركة نفسها ببيع تكنولوجيا مراقبة للحكومة المصرية. 

وكُشِف أيضًا عن مساعدة قدمتها شركة المراقبة «فين فيشر» ومقرها ألمانيا للنظام البحريني لتثبيت برامج تجسس على 77 جهاز كمبيوتر، من بينها أجهزة التي تنتمي إلى محامين ينشطون في مجال حقوق الإنسان ومعارضين سياسيين. 

أحد هؤلاء المستهدفين كان حسن مشيمع، زعيم وعضو مؤسس في جمعية الوفاق المعارضة، ويقضي حاليًا عقوبة السجن المؤبد. وكان ممن استهدفتهم البحرين أيضًا المحامي الحقوقي البارز، محمد التاجر، الذي يقول التقرير: «إن النظام الحكم في البحرين ابتزه في عام 2011 بمقطع فيديو له ولزوجته، وهما يمارسان الجنس».

Embed from Getty Images

كما باعت شركة «فين فيشر» تكنولوجيا المراقبة الخاصة بها إلى الحكومة اللبنانية؛ مما ساعد في تسهيل مراقبتها للأفراد العسكريين والنشطاء والصحافيين والمؤسسات التعليمية، وغيرهم من الأفراد والجهات. 

 وباعت شركة تقنية المعلومات الإيطالية «هاكينج تيم» برنامج تحكم عن بعد – صُمِّمَ لاختراق الكمبيوتر، أو الهاتف المستهدف، وسرقة ملفاته، وقراءة رسائله البريدية الإلكترونية، والتقاط الصور وتسجيل المحادثات – لحكومات السعودية، والبحرين، ومصر، والسودان، وتركيا، والمغرب، وغيرها. 

وعلى الدرب ذاته، سارت شركة «بي إيه إيه سيستيمز» الدفاعية العملاقة ومقرها لندن، إذ أبرمت عددًا من الصفقات واسعة النطاق لبيع تقنيات المراقبة المتقدمة لمختلف دول الشرق الأوسط، بما في ذلك المملكة السعودية، والإمارات، والمغرب، والجزائر، وسلطنة عمان، وغيرها. 

لكن هل تورط الدول والشركات الغربية في حملات المراقبة التي تنفذها هذه الأنظمة يقتصر على بيع تقنيات المراقبة؟ يؤكد التقرير أن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، ويستشهد بتحقيق شامل نشرته رويترز في ديسمبر (كانون الأول) 2019، ويوثق كيف دشن مسؤولون أمنيون غربيون سابقون ومقاولون استخباراتيون مختلفون مركز مراقبة في الإمارات العربية المتحدة، تتولى إدارته حاليًا شركة «دارك ماتر» الإماراتية.

ويذكر التقرير أن رائد مكافحة الإرهاب في الإدارة الأمريكية سابقًا، ريتشارد كلارك، أشرف في عام 2008 على تصميم وحدة المراقبة السرية، عندما كان يعمل مستشارًا لدولة الإمارات العربية المتحدة. وبينما كان الهدف الأصلي منها هو مساعدة الإماراتيين في مكافحة الإرهاب. كشف تحقيق «رويترز» أن قائمة أهداف الوحدة توسعت لتشمل جميع من اعتبرتهم حكومة الإمارات أعداء، لا سيما بعد الانتفاضات العربية عام 2011. 

وتضمنت الأهداف الجديدة ناشطات حقوق المرأة داخل المملكة العربية السعودية، والدبلوماسيين في أروقة الأمم المتحدة، والعاملين في «الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)»، ونشطاء حقوق الإنسان، والصحافيين، والمعارضين السياسيين، ومسؤولي الحكومة القطرية، وحتى المواطنين الأمريكيين. 

اخترقت الوحدة مئات الحسابات على مواقع «جوجل» و«ياهو» و«هوتميل» و«فيسبوك»، وركزت على سرقة المواد التي يمكن استغلالها في ابتزاز الضحايا المحتملين، خاصة المحتويات الإباحية التي كانت تحظى بالاهتمام الأكبر. 

ويؤكد التقرير أن الوحدة مستمرة في نشاطها التجسسي حتى الآن، تحت سيطرة شركة «دارك ماتر» الإماراتية، ويديرها موظفون من المخابرات الإماراتية ومسؤولون سابقون في وكالة الأمن القومي الأمريكية وعملاء سابقون في المخابرات العسكرية الإسرائيلية والعديد من مقاولي الدفاع والاستخبارات الغربيين.

بالإضافة إلى الغرب، أصبحت إسرائيل أيضًا مصدرًا متزايدًا لتزويد للحكومات في جميع أنحاء المنطقة بتقنيات المراقبة. يستشهد الكاتب بشركة «NSO Group» الإسرائيلية للمراقبة الإلكترونية التي اتهمت ببيع منصة المراقبة المتطورة «بيجاسوس» إلى العديد من الدول في جميع أنحاء المنطقة. 

وباعت الشركة هذه التقنية المتقدمة للمراقبة إلى حكومات السعودية، والأردن، ومصر، والمغرب، والبحرين، والإمارات، أما ضحايا عملياتها فيتواجدون في رقعة واسعة من العالم تمتد من الولايات المتحدة إلى تايلاند.

أبرز عمليات المراقبة التي تورطت فيها «مجموعة NSO» الإسرائيلية، وتصدرت عناوين الصحف، كان دورها المزعوم في المساعدة على تسهيل مراقبة الصحافي السعودي جمال خاشقجي، الذي قُتل في عام 2018 داخل السفارة السعودية في تركيا. 

وفي عام 2018 رفع المواطن السعودي عمر عبد العزيز الذي يعيش في المنفى دعوى قضائية ضد الشركة بتهمة قرصنة هاتف جمال خاشقجي؛ ما سمح للنظام السعودي بتتبع موقعه، وأدى في نهاية المطاف إلى اغتياله في تركيا.

ويلفت تقرير أوبن ديموكراسي إلى أن الدعوى التي رفعها عبد العزيز ليست سوى حلقة في سلسلة دعاوى أخرى مرفوعة ضد الشركة بتهمة تقديمها مساعدات لحكومتي المكسيك، والإمارات، لتسهيل التجسس على المعارضين السياسيين. كما رفعت شركة «فيسبوك» دعوى قضائية ضد «مجموعة NSO» الإسرائيلية، متهمة الشركة باختراق حسابات مستخدمي منصة المراسلات «واتس آب» في عام 2019. 

هذه الموجة من القرصنة الإلكترونية زرعت البرمجيات الخبيثة في أكثر من 1400 هاتف، واستهدفت الصحافيين، والدبلوماسيين، ونشطاء حقوق الإنسان، والمعارضين السياسيين، وكبار المسؤولين الحكوميين، في جميع أنحاء العالم.

عربي

منذ سنة واحدة
«نيويورك تايمز» تكشف تورط الحكومة المصرية في اختراق هواتف معارضين

وكان مما أميط عنه اللثام في ديسمبر 2019 أن الشركة استهدفت أيضًا ما لا يقل عن 20 مسؤولًا حكوميًا باكستانيًا، من بينهم كبار الضباط في الجيش والاستخبارات. وبدلًا عن نفي الادعاءات الموجهة ضدها، زعمت مجموعة NSO الإسرائيلية أن شركة «فيسبوك» سعت سابقًا للحصول على برامج تجسس متقدمة تنتجها الشركة مصممة لاستهداف مستخدمين محددين. 

ويخلص تقرير أوبن ديموكراسي إلى أن عمليات المراقبة التي تقوم بها الأنظمة في دول الشرق الأوسط ظلت في طليعة الإستراتيجيات الحكومية التي تستهدف الحفاظ على الوضع الراهن. وتستخدم تلك الحكومات هذه الأساليب المتطورة للمراقبة من أجل ملاحقة المعارضين محليًا، وإقليميًا، ودوليًا. 

ويختم الباحث تقريره بالقول: مع استمرار تطور التكنولوجيا، ستتطور أيضًا الإستراتيجيات الحكومية المصممة لسحق الدعوات الشعبية المطالبة بالتغيير. وعلى الرغم من أن أدوات التجسس قد تتطور بمرور الوقت، إلا أن المراقبة الجماعية لمن يتحدون سلطة هذه الأنظمة وشرعيتها ستظل أداة محورية على جدول أعمال هذه الحكومات.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد