نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تقريرًا أعدته كلير باركر، مساعدة رئيس التحرير للشؤون الخارجية، حول الوضع المتردي في إثيوبيا، وما يمكن أن يحدث في حال نجاح المتمردين في السيطرة على العاصمة الإثيوبية أديس أبابا.

تستهل الكاتبة تقريرها بأنباء عن تقدم الجماعتين المتمردتين الرئيستين المناهضتين للحكومة الإثيوبية باتجاه العاصمة في الشهر الجاري، وذلك بعد مرور عام على اندلاع الصراع الحالي. واندفع الآلاف من قوات المعارضة الأسبوع الماضي حتى باتوا على مسافة 200 ميل من أديس أبابا، حيث دعت حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد السكان إلى خوض ما تصفه بأنها «حرب وجودية».

إفريقيا

منذ أسبوعين
«الجارديان»: إليك خريطة الأطراف المتنازعة في إثيوبيا والخسائر حتى الآن

كما أعلن آبي أحمد هذا الشهر حالة الطوارئ التي تمنح الحكومة سلطات واسعة لاحتجاز الأشخاص المشتبه في دعمهم للمتمردين. ويبدو أن كلا الجانبين يرفضان إمكانية التوصل إلى حل سلمي، وقال المبعوث الأمريكي الخاص جيفري فيلتمان الأسبوع الماضي: إن وقف إطلاق النار «لا يبدو قريبًا». غير أن فيلتمان ونظيره في الاتحاد الأفريقي أوليسيجون أوباسانجو قاما بمحاولة أخيرة للتوصل إلى تسوية سلمية في أديس أبابا هذا الأسبوع.

لماذا بدأ الصراع وأين يقف؟

الجماعة المتمردة الرئيسة التي تقاتل الحكومة الإثيوبية، جبهة تحرير شعب تيجراي، هي قوة حرب عصابات وحزب سياسي يدعي أنه يمثل أقلية تيجراي في شمال البلاد. وحكمت الجبهة إثيوبيا لمدة ثلاثة عقود بعد إطاحة حكومة شيوعية وحشية عام 1991. وأقامت نظامها القمعي الخاص، وهمَّشت مجموعتي أمهرة وأورومو العِرقيتين الأكبر في إثيوبيا.

وساعد الاستياء السائد بين هاتين الجماعتين على وصول آبي أحمد، وهو من الأورومو، إلى السلطة عام 2018. وبصفته رئيسًا للوزراء سعى آبي أحمد إلى إبعاد إثيوبيا عن الفيدرالية العِرقية، التي تفضلها جبهة تيجراي، باتجاه هوية وطنية موحَّدة. لكن خلافًا سياسيَّا بين الجبهة وحكومته اندلع العام الماضي، عندما ألقى آبي أحمد باللوم على التيجراي في هجوم على قاعدة عسكرية وطنية ورد بإرسال قوات إلى تيجراي، وشن غارات قصف قرب العاصمة الإقليمية ميكيلي.

وردت قوات التيجراي بإطلاق صواريخ على إريتريا المجاورة، والتي كانت في ذلك الوقت قد انضمت بالفعل إلى الصراع إلى جانب آبي أحمد. وتصاعد القتال بسرعة وقطع آبي أحمد الاتصالات، وقيَّد المساعدات للمنطقة. ومنذ ذلك الحين أدى انقطاع الإنترنت والقيود المفروضة على المراقبين والمراسلين الأجانب إلى صعوبة الحصول على معلومات حول الصراع.

وفي البداية بدت الحكومة وكأنها على مقربة من حَسْم الصراع لصالحها. لكن بعد عدة أشهر أعاد المتمردون تنظيم صفوفهم وشنُّوا هجومًا في يونيو (حزيران)، واستعادوا ميكيلي واتجهوا جنوبًا.

Embed from Getty Images

وفي الأسابيع الأخيرة زعمت قوات المتمردين أنها استولت على مدن إستراتيجية على طول طريق سريع ورابط تجاري حيوي بين أديس أبابا وميناء جيبوتي. وفي إعلان تاريخي الأسبوع الماضي قالت جبهة تحرير شعب تيجراي و«جيش تحرير أورومو (OLA)» – وهي جماعة انفصالية من منطقة أوروميا الإثيوبية – إنهما «ضمتا قواتهما» على خط أمامي على بعد 230 ميلًا فقط شمال العاصمة. وقد يتسبب التحالف في مشكلات للجيش الإثيوبي الذي يعاني بالفعل.

ومع احتدام الصراع حذرت أمريكا وبريطانيا مواطنيهما من مغادرة البلاد، وقال الرئيس بايدن الأسبوع الماضي: إن إدارته ستلغي الفوائد التجارية الطويلة الأمد لإثيوبيا. لكن وكالات الإغاثة حذرت من أن تيجراي على شفا مجاعة واسعة النطاق، ووفقًا للأمم المتحدة لم تصل المساعدات إلى المنطقة منذ أسابيع.

ونقلت وكالة أسوشيتد برس عن الأمم المتحدة يوم الأربعاء أن السلطات الإثيوبية احتجزت هذا الأسبوع العشرات من سائقي الشاحنات الذين كانوا يقدمون مساعدات للمنظمة والوكالات الأخرى. وأدَّى الصراع المتفاقم إلى نزوح مئات الآلاف، إما داخل إثيوبيا، أو عبر حدود السودان.

وخلص تقرير مشترك صدر الأسبوع الماضي عن الأمم المتحدة ولجنة حقوق الإنسان المُعيَّنة من جانب الدولة في إثيوبيا، إلى أن جميع أطراف النزاع ارتكبت انتهاكات خاصة بحقوق الإنسان، «قد يرقى بعضها إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية».

وزُعم أن الجنود الإريتريين ارتكبوا العشرات من عمليات الاغتصاب وجَدْع الأطراف. (وترفض إريتريا الاتهامات بارتكاب جرائم حرب). وذكرت منظمة العفو الدولية أيضًا بالتفصيل ما يزيد على 12 عملية اغتصاب يُزعم أن مقاتلي جبهة تحرير شعب تيجراي قاموا بها خلال هجوم على بلدة في منطقة أمهرة في أغسطس (آب).

الاستيلاء على أديس أبابا.. ما الذي يمكن أن يحدث عندئذ؟

يحذِّر الخبراء من أن معركة على أديس أبابا يمكن أن تطلق العنان لأعمال عنف عِرقية كبيرة. وتقول جبهة تحرير شعب تيجراي إنها تقاتل من أجل حياة شعبها. وبدأت الشرطة في العاصمة في اعتقال أبناء تيجراي الذين تتهمهم بالتعاطف مع الجبهة وطلب الجيش الإثيوبي من قدامى المحاربين العودة الى الخدمة، ودعا رئيس بلدية أديس أبابا السكان إلى حمل السلاح. واستخدم آبي أحمد، الحائز على جائزة نوبل للسلام عام 2019 لإقامته السلام مع إريتريا، خطابًا ملتهبًا تعهد فيه بـ«دفن هذا العدو بدمائنا وعظامنا». وفي وقت سابق من الشهر الجاري حذف «فيسبوك» منشورًا لآبي أحمد لتحريضه على العنف.

Embed from Getty Images

وقالت ميشيل جافين، خبيرة الشؤون الأفريقية في مجلس العلاقات الخارجية: إن «الأمر لا يتطلب جهدًا كبيرًا لإشعال هذا الحريق»، مضيفةً أنه «من الممكن، ولكن ليست نتيجة محسومة»، أن يحاول المتمردون الاستيلاء على المدينة.

لكن من وجهة نظر قيادة تيجراي، يمكن أن تأتي السيطرة على أديس أبابا بنتائج عكسية؛ لأنها ستلقى معارضة في الداخل والخارج. وحتى إذا استولت الجبهة والقوات المتحالفة معها على المدينة وطردت حكومة آبي أحمد، فمن غير الواضح ما نظام الحكم الذي سيحل محلها وتظل مصالح الجبهة وجيش تحرير أورومو متفاوتة – على الرغم من أن الفصيلين تجمعهما رؤية لإثيوبيا فيدرالية تتمتع بقدر أكبر من الحكم الذاتي العِرقي.

ما النتائج الأخرى الممكنة؟

قالت وزارة الخارجية الأمريكية والاتحاد الأفريقي هذا الأسبوع إنهما يعتقدان أنه لم يزل من الممكن تأمين تسوية تفاوضية. لكن أوباسانجو، ممثل الاتحاد الأفريقي الموجود حاليًا في أديس أبابا لإجراء محادثات، قال يوم الاثنين: «نافذة الفرصة المتاحة لدينا ضئيلة للغاية والوقت ضيق» وقد يتخلى المتمردون عن الاندفاع باتجاه العاصمة ويركزون على السيطرة على الطريق إلى جيبوتي لكسب النفوذ، كما يقول الخبراء.

وقالت جافين إن مثل هذه الخطوة يمكن أن تؤدي إلى طريق مسدود وتفاقم الأزمة الإنسانية. وأضافت أنه لا يمكن استبعاد احتمال وقوع انقلاب. ويحتفظ آبي أحمد بتأييد قوي بين قاعدته، لكن رئيس الوزراء لديه بضعة أعداء أيضًا، وتراجعت شعبيته منذ توليه منصبه وقالت جافين: «هناك شعور قوي بأن إثيوبيا لقمة سائغة لمن يستطيع أن يلتهمها في الوقت الحالي».

ما المخاطر التي تهدد المنطقة؟

يبلغ عدد سكان إثيوبيا حوالي 115 مليون نسمة وهي قوة سياسية وعسكرية رئيسة في القرن الأفريقي. وما يحدث هناك يمكن أن يؤثر في أنحاء المنطقة المدمَّرة بفعل عقود من الحرب. وترى إريتريا، التي تدعم الحكومة الإثيوبية، أن جبهة تحرير شعب تيجراي تشكل تهديدًا. وهناك نزاع حدودي مع السودان؛ الجار الشمالي الغربي لإثيوبيا تقول جافين: «لم تعد المنطقة هادئة لأن فكرة انهيار الدولة الحقيقية في إثيوبيا هي أنباء سيئة لكل جهة فاعلة» وقال مسؤول جيبوتي كبير في مقابلة مع الصحيفة: إن الصراع «وجودي لنا أيضًا».

Embed from Getty Images

ويخشى المسؤولون أن يؤدي تقدم المتمردين إلى العاصمة إلى تدفق اللاجئين عبر الحدود الإثيوبية ودعا الرئيس الكيني أوهورو كينياتا أيضًا إلى إنهاء القتال. وفيما يخص أمريكا، يُعد القرن الأفريقي منطقة ذات أهمية إستراتيجية ويضم قوات أمريكية. وفقًا لجافين، إذا فشلت واشنطن في التفاوض على تسوية سلمية، فسوف يمثل ذلك تحديًا لرؤية إدارة بايدن لنظام دولي قائم على القواعد. وأضافت: «هذا النوع من الانهيار نعمة لأولئك المهتمين بنظام دولي قائم على أن القوة تصنع الحق والصفقات البحتة»، بحسب ما يُختم التقرير.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد