أعدَّ ماكس بيراك، مدير مكتب صحيفة «واشنطن بوست» في العاصمة الكينية نيروبي، تقريرًا نشرته الصحيفة الأمريكية سلَّط فيه الضوء على الانتخابات الإثيوبية؛ وكيف طغت الأزمات والصراعات التي شهدتها البلاد خلال الآونة الأخيرة على هذه الانتخابات، وطرح الكاتب خمسة أسئلة لتوضيح هذا الأمر.

وفي مطلع تقريره، أشار المراسل إلى أن الناخبين الإثيوبيين ذهبوا إلى صناديق الاقتراع يوم الإثنين الماضي للمشاركة في الانتخابات الوطنية التي بشَّرت الحكومة الإثيوبية بأنها ستكون ركلة البداية التي طال انتظارها لإرساء دعائم دولة ديمقراطية تعددية. لكن سلسلة من الأزمات الكبرى التي شهدتها مؤخرًا ثاني أكبر دولة في قارة أفريقيا من حيث عدد السكان، حالت دون ذلك، وسادت حالة من الفوضى أثناء الانتخابات، وهو الأمر الذي لم يُمكِّن ملايين الإثيوبيين من المشاركة في الاقتراع.

دولي

منذ 6 شهور
مترجم: بعيدًا عن إقليم تيجراي.. لماذا يندلع العنف في غرب إثيوبيا؟

ويسرد المراسل بعضًا من هذه الأزمات التي يأتي على رأسها الحرب الأهلية الكارثية المستمرة في شمال البلاد في إقليم تيجراي منذ سبعة أشهر؛ إذ يشن حزب سياسي إقليمي قوي حربًا، على غرار حرب العصابات، ضد الجيش الإثيوبي، الذي تحالف بدوره مع قوات من إريتريا المجاورة وشعب عِرقية أمهرة الإثيوبية الموجود في المنطقة. واتُّهمت جميع الأطراف بارتكاب جرائم حرب، وأفادت بعض المنظمات الإنسانية أن مئات الآلاف من الذين يعيشون في إقليم تيجراي يُعانون من ظروف مجاعة كارثية.

وأوضح التقرير أن الانتخابات الإثيوبية نفسها تقلصت أهميتها من جراء عدم الأمان المنتشر على نطاق واسع والقضايا اللوجستية، بالإضافة إلى النزاعات السياسية. ووفقًا للجنة المشرفة على إجراء الانتخابات في البلاد، لن يُشارك إقليم تيجراي في الانتخابات الإثيوبية على أي حال، كما أنه لم تُفتَح حوالي خمسة مراكز اقتراع في باقي أنحاء البلاد يوم الإثنين بسبب المخاوف الأمنية أو عدم توافر صناديق اقتراع مناسبة. وكانت أغلب مراكز الاقتراع المُغلقة في المناطق التي تدعم أحزاب المعارضة. وقد دفعت عمليات الإغلاق هذه، بالإضافة إلى اعتقال عديدٍ من المنتقدين البارزين للحكومة الإثيوبية، بعضًا من أكبر أحزاب المعارضة في البلاد إلى مقاطعة الانتخابات.

1- مَن المستفيد مِمَّا يحدث في الانتخابات؟

يشير التقرير في إجابته عن السؤال الأول إلى أن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد وصل إلى السلطة في عام 2018 في خضم موجة من الاستياء الشعبي ضد ما عدَّه الشعب الإثيوبي نظام أفضلية عِرقية عزَّزه الاستبداد، وهو نظام كان يقوده التيجرانيون الذين حكموا البلاد لعقود. وقد أُشيد على نطاق واسع بخطوات آبي أحمد الأولية نحو الانفتاح في السياسات والحريات الإعلامية، بالإضافة إلى اتفاقيات السلام مع إريتريا، والتي أخمدت نيران حرب ممتدة ووحشية، وهي الخطوة التي كانت سببًا في حصوله على جائزة نوبل للسلام. 

Embed from Getty Images

وفي الوقت الذي توقَّع فيه كثيرون أن آبي أحمد سيُعاد انتخابه، تزعزع موقفه داخليًّا وخارجيًّا إلى درجة كبيرة منذ بدء الحرب في إقليم تيجراي. وفرضت الولايات المتحدة، أحد أقرب الحلفاء السابقين، عقوبات على بعض المسؤولين الحكوميين بسبب دورهم المزعوم في انتهاكات حقوق الإنسان في تيجراي، وعلَّقت المساعدات الأمنية كافة، وأعلنت عن شعورها بـ«قلق بالغ» إزاء مناخ الانتخابات الذي يكتنفه عدد من الأزمات التي «تهدد وحدة البلاد وتماسكها الإقليمي». بينما سحب الاتحاد الأوروبي بعثة مراقبي الانتخابات التابعة له بعد فشل الاتفاق مع الحكومة الإثيوبية على إمكانية تحرك البعثة وتعاطيها مع الأمور باستقلالية.

وفي حديثها مع الصحافيين خلال الأسبوع الماضي، صرحت بيلين سيوم، المتحدثة باسم آبي أحمد، أن: «رئيس الوزراء الإثيوبي ليس بحاجة لأن يكون ودودًا مع الغرب أو الشرق أو الجنوب أو الشمال. يكفي أنه يعمل لتحقيق مصلحة الشعب الإثيوبي والنهوض بالأمة. وسوف يتخذ الشعب الإثيوبي قراره في يوم 21 يونيو (حزيران)».

2- هل الانتخابات الإثيوبية نزيهة؟

وفي إجابته عن السؤال الثاني، أفاد التقرير أن حملات الاعتقال المستمرة التي تشنها حكومة آبي أحمد ضد قيادات المعارضة الأكثر شعبية في البلاد، لا سيما في أوروميا (أكبر مناطق البلاد وأكثرها من حيث عدد السكان) أدَّت إلى إزالة أسماء خصوم آبي أحمد الرئيسيين من الاقتراع. وتزعُم الحكومة الإثيوبية أن قيادات المعارضة المعتقلين متَّهمون بارتكاب أعمال إرهابية تهدف إلى زعزعة استقرار البلاد. 

ويُنوِّه التقرير إلى أن عدم التماسك في الانتخابات يثير أيضًا شكوكًا بشأن نزاهتها وشفافيتها؛ إذ لن تصوت مناطق بأكملها، مثل هراري وصومالي، إلا في سبتمبر (أيلول) بسبب المشاكل اللوجستية. وربما يفوز حزب آبي أحمد بأغلبية البرلمان قبل أن تحصل هذه المناطق حتى على فرصة التصويت في الانتخابات.

وفي هذا الصدد، يقول أبل أباتي ديميسي، محلل إثيوبي في «تشاتام هاوس» (معهد مستقل للسياسات مقره لندن): «حقيقة أن الانتخابات ستُجرى خلال موسم الأمطار تكفي وحدها لأن تكون أكبر إشكالية». وتفتقر كثير من مؤسسات الدولة إلى البنية التحتية المناسبة لوسائل النقل، والتي تجعل الوصول إلى مراكز الاقتراع ومراكز النقل أمرًا مربكًا على الطرق غير الممهدة. وشكك ديميسي أيضًا في قدرة الحكومة على تأمين مراكز الاقتراع، فضلًا عن تأمين نقل صناديق الاقتراع في وقت ينخرط فيه الجيش الإثيوبي، الذي كان يضطلع بهذه المهمة، في الحرب الضارية في إقليم تيجراي.

3- ما طبيعة أوضاع الصراع الآن في تيجراي؟

ويصل التقرير إلى السؤال الثالث ليؤكد على أن القتال لا يزال مستمرًا، كما أفادت وكالات الإغاثة أنه لا يمكن الدخول إلا إلى عدد قليل فقط من المدن التي أعادت الحكومة الإثيوبية السيطرة عليها. وأسفرت الرحلات التي توجَّهت إلى ما وراء تلك المدن عن عديد من حالات القتل أو الاعتداء على عمال الإغاثة، ومصادرة مركباتهم والحمولات التي كانت عليها، وتعذُّر الوصول إلى المحاصرين خلف خطوط القتال المتغيرة بسرعة.

وبحسب تقديرات الأمم المتحدة، وحتى الأسبوع الماضي، يعاني أكثر من 350 ألف شخص في المناطق التي يصعب الوصول إليها في إقليم تيجراي بالفعل من مجاعة، ويقول مسؤولو وكالات الإغاثة وممثلو الحكومات الأوربية إن هذه الأعداد ستتضاعف إذا لم يتوقف القتال.

Embed from Getty Images

وفي مراحل مبكرة من النزاع، فرضت القوات المتحالفة مع الحكومة الإثيوبية سيطرتها على غرب تيجراي، وهي المنطقة التي تزعم أمهرة المجاورة أنها مصدر للإزعاج والعنف الذي يقوم به التيجرانيون خلال عهد النظام السابق. والتقارير المنتشرة على نطاق واسع، تفيد أن سكان إقليم تيجراي يتعرضون للاعتداء والإجبار، مما دفع وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إلى التحذير من تنفيذ عملية «تطهير عِرقي» بالفعل. ونزح أكثر من 60 ألف شخص إلى دولة السودان المجاورة، ومعظمهم من سكان إقليم تيجراي، بالإضافة إلى أن أكثر من 1.7 مليون شخص قد شُردوا وأصبحوا بلا مأوى في المنطقة.

وخلُصت التحقيقات التي أجرتها منظمات حقوق الإنسان، والتغطية التي قام بها الصحافيون وهيئات حقوق الإنسان الإثيوبية، إلى أن عشرات من الهجمات العِرقية نفِّذت ضد المدنيين، ومنها الإعدامات والاغتصاب الممنهج من القوات الإثيوبية لشعب تيجراي. بينما أوضح شهود عيان أن إحدى الهجمات التي وقعت تحديدًا في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) كانت مذبحةً نفَّذتها القوات التابعة للسلطات الحاكمة في إقليم تيجراي، والتي قتلت أكثر من 600 شخص أغلبهم من عِرقية أمهرة، وأعقبت ذلك شهور عُرِفت بارتكاب مجازر ضد شعب تيجراي. 

4- هل أوقعت الحكومة الإثيوبية نفسها في الأزمة؟

وفي محطة السؤال الرابع يفيد التقرير أنه لطالما أكدت الحكومة الإثيوبية على أن منظمة جبهة تحرير شعب تيجراي، التي تتهمها الحكومة بشن هجمات ضد قيادة الجيش الإثيوبي الفيدرالي في نهاية شهر نوفمبر الماضي، وأشعلت الحرب الأهلية، هي المسؤولة عن اندلاع القتال في المنطقة وزيادة معاناة شعب تيجراي. 

ولعدة شهور، حافظت الحكومة الإثيوبية على إنكار وجود قوات إريترية في إقليم تيجراي تقاتل إلى جوار القوات الإثيوبية، على الرغم من عدة شهادات وأدلة عبر القمر الصناعي على تحركاتهم. وفي شهر أبريل (نيسان) فقط، اعترفت الحكومة الإثيوبية بوجود قوات إريترية في تيجراي، وأنهم قد يكونون مسؤولين عن قتل المدنيين.

Embed from Getty Images

وإذا جرى التأكد من هذا الأمر، فسيُنظر إلى عديد من المجازر المزعومة التي ارتكبتها القوات الإريترية والإثيوبية على أنها جرائم حرب بموجب القانون الدولي، والتي تضمنت ممارسة الاغتصاب والتجويع بوصفها أسلحة حرب. ومع ذلك، قيدت الحكومة الإثيوبية بشدة إمكانية وصول وسائل الإعلام والجماعات الحقوقية إلى المنطقة، وهو ما يُصعِّب مهمة التحقق من الأمر.

وفي السياق ذاته، نفَت حكومتا إثيوبيا وإريتريا ما توصَّلت إليه الجماعات الحقوقية من نتائج، مثل منظمة «هيومن رايتس ووتش» و«منظمة العفو الدولية»، ووصفت هذه النتائج بأنها مفبركة، وطالبت الاتحاد الأفريقي هذا الأسبوع بالوقف الفوري لما تقوم به من تحقيقات مستقلة. 

وفي بيانٍ له، صرَّح وزير الخارجية الإثيوبي، ديميك ميكونين، قائلًا إنه: «من المؤسف بشدة أن نرى بعض المنظمات داخل المجتمع الدولي تضطلع بمهمتها من أجل تقويض وحدة البلاد، ودمج المنطقة وتماسك الدولة الإثيوبية، بالاعتماد على المخاوف الإنسانية». 

ووفقًا للبيان الصادر عن مكتب المدعي العام الإثيوبي، اتُّهِم ثلاثة من الجنود الإثيوبيين في مايو (أيار)، على الرغم من ذلك، باغتصاب مدنية وقتلها. ويُحاكم أكثر من 28 جنديًّا إثيوبيًّا تحت زعم ارتكابهم جرائم قتل للمدنيين ويحاكم 25 آخرون بسبب ارتكابهم جرائم اغتصاب واعتداء جنسي.

5- كيف يبدو مستقبل السياسة الإثيوبية واقتصاد البلاد؟

وفي النهاية يأتي التقرير إلى السؤال الخامس والأخير ليشير إلى أنه في الوقت الذي يأمل فيه آبي أحمد أن تعزز هذه الانتخابات موقفه، يرى بعض المحللين أن هناك ثمة سبب للشعور بالقلق أن تؤدي هذه الانتخابات إلى مزيد من زعزعة استقرار إثيوبيا. ولا تلوح في الأفق أي نهاية للحرب في إقليم تيجراي، ومن المحتمل أن تؤدي إلى احتلال إثيوبيا للمنطقة التي يشعر سكانها أنهم محاصرون وأن أرضهم مسلوبة. وعلى الرغم من أن الحكومة الإثيوبية تتعهد بانسحاب قوات إريتريا من تيجراي، فإنها لم تفعل ذلك بعد.

دولي

منذ 10 شهور
مترجم: التصعيد في إثيوبيا.. هكذا تحول الوضع في إقليم تيجراي إلى أزمة إنسانية

ويخلُص التقرير إلى أن زيادة مستويات الصراعات في جميع أنحاء البلاد قوضت بالفعل حزمة من الإصلاحات الأوَّلية التي نفَّذها آبي أحمد في إثيوبيا، مما قد يزيد من عزلة إثيوبيا عن المجتمع الدولي. وربما تكون الانتخابات نفسها السبب في اندلاع مزيد من أعمال العنف في البلاد. وبسبب مقاطعات المعارضة للانتخابات، فقد يُنظر إلى المشرِّعين الذين يُنتخَبون حديثًا على أنهم غير شرعيين وكذلك دستورهم وتشريعاتهم؛ مما يعمِّق التوترات القائمة بالفعل.

وفي ختام التقرير، يستشهد المراسل بما قاله أبل ديميسي إن: «هناك مخاطر حقيقية من اندلاع العنف المرتبط بالانتخابات، خاصةً في أديس أبابا ومناطق الأمهرة، التي ستدفع البلاد نحو مزيد من المجهول. ومن الصعب جدًّا أن نشاهد الحكومة الإثيوبية تستعيد شرعيتها عن طريق هذه الانتخابات وحدها، سواءً في نظر كثير من المواطنين الإثيوبيين أو في أعين شركائها الدوليين».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد