نشر موقع «ذا كونفرسيشن» مقالًا لإدوارد كيسي، أستاذ مشارك في كلية الدراسات العالمية متعددة التخصصات بجامعة جنوب فلوريدا، تناول فيه الأوضاع في إثيوبيا، مشددًا على ضرورة تحرك المجتمع الدولي، وأفريقيا على وجه الخصوص، لمنع انزلاق إثيوبيا إلى هوة الإبادة الجماعية، كما حدث في رواندا من قبل.

في مطلع مقاله يقول الكاتب: عندما حصل رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد على جائزة نوبل للسلام عام 2019 هنأته في منتدى حوار عام بين الولايات المتحدة وأفريقيا. كنتُ أعتقد أنه يستحق الجائزة نظرًا لما قدَّمه لبلاده، وتحديدًا اهتمامه الهادئ والمسؤول بالاستماع إلى جميع المظالم التي عانى منها المجتمع الإثيوبي لتجنب اندلاع الحرب.

الطبيعة العِرقية للصراع

يضيف الكاتب قائلًا: لكن اليوم – وتحت سمع آبي أحمد وبصره – انزلقت إثيوبيا إلى أزمة سياسية وإنسانية تهدد بقاء تلك الدولة الفيدرالية؛ إذ تفيد تقارير بأن مجموعات عِرقية في مناطق شتى تسعى إلى تعبئة ميليشيات محلية لدعمها في الحرب التي تدور رحاها بإقليم تيجراي والمناطق المحيطة. لافتًا إلى أن المذابح والعنف الجنسي هي السِّمة الغالبة على الحرب بين قوات المتمردين في إقليم تيجراي والقوات الحكومية المتحالفة من إثيوبيا وإريتريا. وإلى جانب مقتل الآلاف فإن المجاعة تحدق الآن بمئات الآلاف.

دولي

منذ شهرين
«نيويورك تايمز»: كيف تغلَّبت عصابات تيجراي المحلية على الجيش الإثيوبي القوي؟

شدد الكاتب على أن الطبيعة العِرقية للصراع ليست أمرًا جديدًا. وكان ذلك واضحًا لكل ذي عينين طوال 17 عامًا من الاستبداد والحرب التي استمرت من عام 1974 حتى عام 1991. وأدَّت هذه الطبيعة العِرقية للصراع إلى اشتعال فتيل حروب صغيرة متفرقة؛ مما أدَّى إلى تأليب المجموعات العِرقية والأقاليم بعضها ضد بعض، وكانت المحصلة النهائية حدوث المجاعة في عام 1984.

يعيد التاريخ نفسه خلال ما يقرب من عام واحد من الحرب بين الطرفين المُسلَّحين: قوات دفاع تيجراي، وقوات الدفاع الوطني الإثيوبية. ويخشى المتخصصون في الشأن الإثيوبي، الذين درسوا هذه الظاهرة التي تحدث مرارًا، على بقاء إثيوبيا متعددة الأعراق. ويتمثل الخوف في أن تكون هناك حالة حرب عِرقية دائمة لا تضع أوزارها.

عاملان مهمان

رصد الكاتب عاملين يرى أنهما كفيلان بقرع أجراس الإنذار بشأن الوضع الحالي: الأول هو عدم القدرة التامة على التدخل لإنهاء الصراع، سواء دوليًّا، أو من داخل أفريقيا. والثاني هو خطاب الإبادة الجماعية الذي تسلل إلى الخطاب العام. ويذكرنا كلا العاملين بإرهاصات الإبادة الجماعية التي حدثت في رواندا عام 1994.

يستشهد الكاتب بما ذكره سابقًا في تحليله للتقاعس الدولي بشأن رواندا، ويشدد مرة أخرى على ضرورة أن تتبنى أفريقيا نهجًا جديدًا يركز على ما يمكن أن تفعله في المناطق المنكوبة من أجل التدخل لإنهاء الصراع. والنهج الذي يقترحه المقال يتمثل في إجراء حوارٍ أخلاقي لاستكشاف الطرق الفعالة التي يمكن أن تجمع المنطقة، وسكانها، والدول القومية، تحت مظلة واحدة لمنع الإبادة الجماعية. مضيفًا: يتعين على أفريقيا استغلال تلك اللحظة الفارقة في إثيوبيا.

استجابة المجتمع

يلفت الكاتب إلى أنه بعد مرور أكثر من عقدين من الزمان على الإبادة الجماعية في رواندا، تمضي التأملات حول تلك الكارثة في مسار مألوف. ولأسباب مفهومة تركز هذه التأملات على الأسباب الجِذرية للإبادة الجماعية والاستجابة الدولية لها.

Embed from Getty Images

فيما يتعلق بنقطة الاستجابة الدولية، ثمة انتقادات موجهة إلى رد الفعل الفاتر من المجتمع الدولي. ووصف المجتمع الدولي يشير من طرف خفي إلى الولايات المتحدة بصفتها قوة عظمى، وإلى الأمم المتحدة باعتبارها المنظمة الدولية المفوضة. وتسلط هذه السردية الضوء على ما كان يمكن لهذا المجتمع الدولي أن يفعله – لكنه فشل في فعله – لوقف أعمال القتل بعد أن بدأت.

إن هذا النهج التحليلي للإبادة الجماعية في رواندا يفترض أن البلدان الأفريقية إما غير قادرة أو غير مسؤولة على الإطلاق عن إيجاد حل للمشكلات التي تنكُب جيرانها. أو الأنكى من ذلك أن هذا النهج التحليلي يفترض أن الولايات المتحدة، أو الأمم المتحدة، هما وحدهما الجهتان المسؤولتان عن الإبادة الجماعية، أو الجهتان القادرتان على وقف الإبادة الجماعية أينما حدثت. وهذا الافتراض يبالغ في تقييم قدرة الجهتين، أو استعداد كليهما لتحمل هذه المسؤولية الهائلة. كما أنه يقلل من شأن التزامات المجتمعات المحلية في حماية مناطقها.

مسؤولية الحماية

أوضح الكاتب أن نهج المجتمع يرتكز على مبادئ الأمم المتحدة التي تحدَّدت لأول مرة في قمة سبتمبر (أيلول) 2005، التي دعت جميع الدول الأعضاء إلى قبول المبدأ الجديد المتمثل في تحمُّل «مسؤولية حماية السكان من الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والتطهير العِرقي، والجرائم ضد الإنسانية».

وفي حين أن الأهداف جديرة بالثناء، إلا أن هناك عيوبًا لـ«مسؤولية الحماية». ففي دول مثل الصين وروسيا رُفِض هذا المفهوم باعتباره أداة غربية لـ«تغيير النظام». وفي أفريقيا يقدِّم تاريخ الحكم الاستعماري للذين يُغذُّون جرائم الكراهية أداةً قوية ومؤثرة لوصف التدخلات الغربية بأنها شكل آخر من أشكال الإمبريالية، أو الاستعمار الجديد، الذي يرتدي ثياب المسؤولية الأخلاقية للحماية.

حقوق إنسان

منذ 3 شهور
مترجم: لماذا فشلت دول العالم في الدفاع عن السوريين ضد نظام الأسد؟

يشدد الكاتب على ضرورة تطوير إستراتيجيات جديدة للوقاية من الإبادة الجماعية في أفريقيا، بحيث لا تعتمد على الجهات الفاعلة الدولية، ولكن ترتكز في الأساس على الحكومات الوطنية. ولكونه مبدأ أخلاقيًا، تستطيع المجموعات المحلية والإقليمية تنفيذ الحق في الحماية أفضل تنفيذ، مع بعض المساعدة الخارجية. ولهذا يقترح الكاتب إستراتيجية بديلة هي: الالتزام بمنع الإبادة الجماعية.

تطبيق الالتزام بمنع الإبادة

شدَّد الكاتب على أن انفجار إثيوبيا من شأنه أن يضع منطقة شرق أفريقيا بأكملها على حافة بركان؛ لأنه يهدد مقر الاتحاد الأفريقي، الذي هو حاليًا في أديس أبابا، ومن شأنه أن يشوِّه صورة أفريقيا وإثيوبيا بصفتها دولة ذات ارتباط تاريخي فريد بالقانون الدولي؛ إذ كانت أول دولة توقع على اتفاقية الأمم المتحدة لمنع الإبادة الجماعية ومعاقبة المتورطين فيها، وترتبط بمُثُل السلام، ومنع الإبادة الجماعية.

Embed from Getty Images

في ختام مقاله أكد الكاتب أن الأوان لم يفت بعد، ولم يزل في الوقت متسع أمام قادة إثيوبيا وجميع الإثيوبيين للتفكير في التعهد الأخلاقي الذي قطعته إثيوبيا على نفسها والتزاماتها نحو حاضرها: الالتزام بمنع الوضع الحالي في تيجراي من الانزلاق إلى هوة الإبادة الجماعية. ويستدرك قائلًا: لكن إثيوبيا لا تستطيع وحدها تجنب الكارثة، بل هي بحاجة إلى تعاون الدول الأفريقية لبذل أقصى طاقة من أجل تجنيب البلاد ويلات الانهيار الداخلي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات