نصح سيف الدين آدم، أستاذ الدراسات العالمية في جامعة دوشيشا اليابانية، رئيس وزراء إثيوبيا، آبي أحمد علي، بالعودة إلى مفهوم «التآزر»، الذي تبناه في كتابه «Medemer»، والتخلي عن اعتبار السياسة لعبة محصلتها صفر.

يستهل آدم مقاله المنشور في مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية بالحديث عن عام 2018، حين كانت إثيوبيا تبدو مؤهلة لأن تصبح نموذجًا للتسامح والتعددية السياسية في أفريقيا، بتشجيعٍ من الدول الأفريقية بل العالم بأسره، لولا القصص التي تواترت بعد ذلك، في تتابع سريع لا نهاية له في الأفق، عن المضايقات السياسية، والاعتقال السياسي، والاغتيالات السياسية، والآن، حرب أهلية دامية، مع كل ما يصاحبها من بؤس.

في الوقت ذاته، ويا للمفارقة، كان رئيس الوزراء الشاب هو الذي يروج بنفسه لمفهوم «ميديمير»، الذي يشير في اللغة الأمهرية إلى فلسفة التسوية والمصالحة، ويلفت المقال إلى أنه مفهوم يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتقاليد السياسية اليابانية، ويمكن أن يفيد إثيوبيا – والعديد من البلدان الأخرى – في أوقات الأزمات.

يستخلص الكاتب من تجربة اليابان ثلاثة دروس على الأقل في حل النزاعات، يرى أنها يمكن أن تساعد إثيوبيا في استعادة توازنها. ولكن لكي تنجح هذه التوصيات، يتعين على آبي أحمد الانطلاق من فلسفته الخاصة حول مفهوم «ميديمير»، وأن يسعى إلى تهدئة التوترات فورًا.

رسالة إلى إثيوبيا: الخاسر اليوم.. فائز غدًا

أولًا: في اليابان، لا يتعامل الحزب الديمقراطي الليبرالي المهيمن في البلاد مع السياسة على أنها لعبة محصلتها صفر، بل ينطلق من اعتقادٍ مفاده أن السياسي الفعال هو الذي يمكنه الإبحار بنجاح، على متن قارب التنازل، لخوض غمار المواقف المتشابكة. وأفضل طريقة للقيام بذلك هي التأكد من أن الخاسر اليوم يمكن أن يكون هو الفائز غدًا. وبالتالي، ليست هناك حاجة لمحاولة اغتصاب السلطة، بأي وسيلة ممكنة، أو التشبث بها حتى تُنتَزَع بالقوة.

على النقيض من ذلك في إثيوبيا، توجد قاعدة غير مكتوبة مفادها أن المرء إذا خسر منافسة سياسية – غالبًا ما تكون عنيفة وأحيانًا دموية – فإن ذلك يمثل نهاية حياته السياسية، إن لم يصل الأمر إلى حد القضاء عليه هو نفسه. وحين يخوض المرء منافسة سياسية في إثيوبيا، يصبح أمام خيارين: إما أن يفوز ويقضي على خصمه، وإما أن يخسر ويُقضَي عليه.

اليابان وإعادة التدوير السياسي

الاختلاف الثاني؛ يتعلق بما يسميه الكاتب «إعادة التدوير السياسي»، وهو النهج المنتشر بين المسؤولين اليابانيين، ويستند إلى فكرة مفادها أنه ينبغي استدعاء كبار السياسيين لاستئناف خدمتهم بعد انتهاء فترة ولايتهم. تقوم هذه الفرضية على أن النظام الجديد ليس مضطرًّا إلى محو النظام القديم، وإذا كان هناك تغيير، فكل المطلوب هو أن يكون التغيير تدريجيًّا فقط، وغالبًا ما ينطوي ذلك على نوع من التضافر بين القديم والجديد.

Embed from Getty Images

يتابع المقال: أسفرت سياسة «إعادة التدوير السياسي» في اليابان عن ترسيخ الطابع المؤسسي في لعبة سياسية ذات حصيلة إيجابية، وتعزيز الرغبة بين المتنافسين السياسيين ليس فقط في أن يتقبلوا الخسارة بصدر رحب، ولكن أيضًا بأن يكونوا كرماء حين يحرزون الفوز، وقبل كل شيء، تشجيع الجميع على الرغبة في التعاون.

أما إثيوبيا، فلا تكاد تعرف شيئًا عن مفهوم «إعادة التدوير السياسي»، بل يدرك أي شخص يستولي على السلطة السياسية في إثيوبيا أن هذه هي فرصته الوحيدة، وعليه التمسك بها بكل الوسائل، على حد وصف الكاتب. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو ما إذا كان آبي أحمد، بعد أن بدا سياسيًّا واعدًا إلى هذه الدرجة المبشِّرة، سيتحول إلى سياسي إثيوبي نمطي.

هل هناك طرف مهزوم؟

ثالثًا: يتبنى اليابانيون مفهومًا مفاده أن الانتصار لا يستلزم بالضرورة وجود طرف مهزوم. ففي التسعينيات، غيرت اليابان رؤساء وزرائها تسع مرات. وعلى الرغم من تكرار وتيرة التغيير، كانت التحولات السياسية سلمية. وكان ذلك يرجع في جزء كبير منه إلى إدراك اليابانيين أن كلًّا من الفائز والخاسر يمكن أن يستمرا في التعايش. وليس مصادفة أن اليابان لديها اليوم 11 رئيس وزراء سابق، يتقدمون في السن وهم يشعرون بالأمان، بل ينتظرون على جانب المشهد لتلبية أي دعوة جديدة لاستئناف الخدمة.

إن نهج المنافسة السياسية التي يخرج منها الجميع رابحًا متجذر في تاريخ الأمة اليابانية. يضرب الكاتب على ذلك مثلًا: ما حدث في عام 1877، حين انتفض زعيم إقليمي يدعى سايجو تاكاموري ضد الإصلاحيين في فترة مييجي (الفترة الأولى من تاريخ اليابان المعاصر)، وأطلق تمردًا أسفر في نهاية المطاف عن مقتل الآلاف من اليابانيين. ولد ذلك التمرد نفسه من رحم استياء النخبة من أعضاء طبقة الساموراي الذين كان نفوذهم يتضاءل نتيجة للإصلاحات. لكن بعدما وضع الصراع أوزاره، وصف الإصلاحيون المنتصرون تاكاموري بأنه «وطني ضل طريقه»، وبعد سنوات أصبح بطلًا شعبيًّا.

Embed from Getty Images

لم يشكك الإصلاحيون في صدق نوايا تاكاموري، ورغبته الراسخة في تحقيق الرفاهية لزملائه الساموراي، على الرغم من اختلاف رؤيته عن رؤيتهم في كيفية تحقيق ذلك. وتمثال تاكاموري الذي لا يزال قائمًا منذ عام 1898 وحتى يومنا هذا في أوينو بارك بطوكيو خير شاهد على هذه القناعة. ونتيجة لذلك؛ ربما لا يزال اليابانيون اليوم يذكرون تاكاموري أكثر من حضور إصلاحيي مييجي أنفسهم في الذاكرة الحديثة. كما كان تاكاموري مصدر إلهام للفيلم الأمريكي الشهير الصادر عام 2003 بعنوان «الساموراي الأخير».

السياسة.. ليست لعبة محصلتها صفر

صحيح أن اليابان المعاصرة ليست بمنأى عن الخلافات السياسية الخطيرة، لكنها لا تؤدي أبدًا إلى أن يخوض الطرفان المتنافسان حرب إبادة متبادلة. لقد تعلم اليابانيون كيفية التكيف بمرونة معًا، وتغيير مواقفهم عندما تحتم الظروف ذلك.

في فترة مييجي، حدد القادة اليابانيون هدفهم أولًا ليكون: بناء دولة غنية وجيش قوي، وسعوا لتحقيقه، تحت شعار يشبه إلى حد كبير مفهوم «ميديمير»، الذي يدمج بين أنظمة أو قيم متباينة لإنشاء توليفة تجمع بين المتناقضات، على غرار ما أسماه العالم الكيني علي مزروعي «التراث الأفريقي الثلاثي: الإسلام والمسيحية والقيم الأصلية». وباعتبار آبي أحمد إحدى ثمار هذه الموروثات الثقافية الثلاثة، فإنه شخصيًّا – وكذلك إثيوبيا – يعد تجسيدًا لهذا التراث الثلاثي.

دولي

منذ شهرين
مترجم: بعيدًا عن إقليم تيجراي.. لماذا يندلع العنف في غرب إثيوبيا؟

منذ أن تولى آبي أحمد السلطة، بشَّر بهذه الفلسفة ومارسها إلى حد ما، مؤكدًا أن مفهوم «ميديمير» يبرز نعمة التنوع الثقافي في إثيوبيا بدلًا من لعنة الانقسامات العرقية العميقة، ومشددًا على أن هدفه هو إضفاء الطابع المؤسسي على الرأي القائل بأن السياسة ليست لعبة محصلتها صفر، وأنه لا هو ولا خصومه السياسيون مضطرون إلى أن يقضي واحد منهم على الآخر ليخلوا له الطريق لقيادة البلاد.

تطبيقًا لهذه الرؤية، ابتعث آبي أحمد بعض كبار المسؤولين، الذين أزيح بعضهم سلميًّا من السلطة من قبله، لإيصال رسائل إلى القادة الأجانب نيابة عنه، أو تمثيل إثيوبيا في الأحداث الدولية، وحذر أتباعه من الاحتفال بهزيمة منافسيه السياسيين.

العودة إلى «ميديمير»

وبينما يعترف الكاتب بتعذر ترسيخ ثقافة سياسية سلمية بين عشية وضحاها، فإنه يعرب عن إحباطه مما يحدث في إثيوبيا، التي لم تستفِد من فلسفتها الخاصة بمفهوم «ميديمير»، ولم تنجح في تجاوز مشكلات التحول السياسي، كما فعلت اليابان. متسائلًا: هل السبب في ذلك يعود إلى النصيحة المضللة التي قدمها المستشارون لمؤلف «ميديمير»، أم أن آبي أحمد نفسه غيَّر رأيه حيال النهج الذي سبق وأن بشَّر به؟

Embed from Getty Images

يؤكد المقال وجود أوجه تشابه كثيرة بين مفهوم «ميديمير» الإثيوبي والنهج الياباني لحل النزاع، ويرجح أن آبي أحمد إذا تبنى هذا المفهوم بصدق، فلا يزال بإمكانه وقف إراقة الدماء في إثيوبيا، وقيادة بلده متعدد الأعراق لتصبح دولة فيدراليّة وديمقراطية.

يرى الكاتب أن آبي أحمد بإمكانه مرة أخرى إنقاذ بلاده كما فعل عندما كانت على وشك الانهيار في أبريل (نيسان) 2018، لكنه سيحتاج إلى استجماع شجاعته للعودة إلى فلسفته «ميديمير»، والاعتذار للإثيوبيين عن العواقب غير المقصودة التي ترتبت على قراراته، والاعتذار كذلك لأصدقاء إثيوبيا لتبديد فرصة الاستفادة من نواياهم الحسنة، وتغيير مساره بدلًا من التشبث بعناد بسياسته الحالية.

وحتى لو كانت جبهة تحرير شعب تيجراي هي السبب الرئيسي للصراع الحالي في إقليم تيجراي، يرى الكاتب أن هذا لا يبرر القضاء على قادة الجبهة قضاء مبرمًا، لأن ذلك سيخلف ندوبًا أعمق على جسد البلاد.

أما إذا عاد آبي أحمد إلى مفهوم «ميديمير» الذي بشَّر به – مطبقًا رؤيته بالأفعال أكثر من الأقوال – فسوف يتعاطف معه كثيرون، ويتفهمون المعضلات التي يواجهها والعذابات التي تثقل كاهله؛ نتيجة تعقيد الوضع الإثيوبي. والأهم من ذلك، أن مثل هذه الخطوة ستشكل تحولًا رئيسيًّا نحو إنهاء الحرب الأهلية التي تُنَفِّر الحلفاء وتمزق البلاد.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد