أفادت تقاريرٌ عن حدوث مذبحة شنيعة في ليلة 9 نوفمبر (تشرين الثاني) في إقليم تيجراي شمال إثيوبيا، لكن تتوالى الشهادات التي تحكي عن انتهاكات وأعمال قتل مروعة أخرى تحصل في مناطق متعددة من تيجراي. يشرح تقريرٌ منشور حديثًا ضمن صحيفة «واشنطن بوست» سبب الغموض الذي يلفُّ أعمال القتل والمذابح الجارية في إثيوبيا ومن هم القتلة والضحايا في هذه التصادمات الإثنيَّة.

Embed from Getty Images

مقابر جماعية

لا يتفق الناجون سوى على شيءٍ واحد: هنالك مئات الأشخاص ممن تعرضوا للذبح في إحدى البلدات الإثيوبية جنوب غربي إقليم تيجراي. ويقول الشهود إن قوات الأمن وحلفاءهم هاجموا المدنيين في بلدة ماي كاديرا بالمناجل والسكاكين أو خنقوهم بالحبال. وفاحت رائحة الجثث المتراكمة لأيام خلال مرحلة الفوضى المبكرة الناجمة عن الهجوم الذي شنته الحكومة الإثيوبية في إقليم تيجراي الشهر الماضي، ويقول التقرير إنه هنالك العديد من الإبلاغات بشأن وجود مقابر جماعية.

بدأ الأمر في يوم 9 نوفمبر في بلدة زراعية تقع قرب الحدود السودانية، والتي أصبحت الآن موطنًا لأكثر أعمال الحرب الوحشية شناعةً ووضوحًا، بالرغم من الغموض الذي يلفُّ الحرب بالمجمل. لكن، وحتى بهذه المذبحة فإن الغموض ما يزال عاملًا بارزًا، ولم تتضح بعد هوية القاتل والمقتول تمامًا.

تحدث شهود في ماي كاديرا للجنة حقوق الإنسان الإثيوبية ومنظمة العفو الدولية عن هجوم قوات التيجراي الإثنية على أمهرة (وهي إحدى أكبر الجماعات العرقية في إثيوبيا لكنها أقلية في تيجراي)، وقد قدَّم أحد اللاجئين الأمهريين في السودان – حيث فرَّ ما يقرب من 50 ألف شخص – رواية مماثلة لوكالة «أسوشيتد برس». لكن أكثر من 12 لاجئًا تيجرانيًّا قدموا شهاداتٍ معاكسة تمامًا لوكالة «أسوشيتد برس»؛ إذ تحدثوا عن قصصٍ بتفاصيل مشابهة للغاية لكن مع اختلاف استهدافهم من قبل القوات الفيدرالية الإثيوبية وحلفائهم من قوات أمهرة الإقليمية. وبالخلاصة التي ينقلها التقرير، تضع منظمة العفو الدولية احتمال أن يكون المدنيون من كلا العرقين قد استُهدفوا في مذابح ماي كادرا.

ينقل التقرير شهادة تسفالم جيرامي، وهو شخص من أصل تيجرانيٍّ فرَّ إلى السودان مع أسرته؛ إذ يحكي شارحًا عن القوات الإثيوبية والأمهرة بقوله: «يقتلون أي شخص يعثرون عليه»، مضيفًا أنه رأى مئات الجثث ومشيرًا بيده إلى رقبته ورأسه إيماءةً لطرق القتل. لكن وبالمقابل، تنقل وكالة «أسوشيتد برس» شهادة معاكسة للاجئ آخر يُدعى أبيبيت ريفي، يقول فيها إن العديد من المنتمين لعرقية الأمهرة أمثاله، ممن ظلوا في أماكنهم، قد تعرضوا للذبح على يد قوات تيجراي، ومضيفًا: «حتى الحكومة لا تعتقد بأننا أحياء، يظنون أننا متنا جميعًا».

Embed from Getty Images

غموضٌ في هوية القاتل والمقتول

ليست الروايات المتضاربة أعلاه سوى مثال شديد الرمزية للحرب التي يلفُّها الغموض ولا يكاد يُعرف عنها سوى القليل، منذ دخول القوات الإثيوبية لتيجراي يوم 4 نوفمبر وعزلها الإقليم عن العالم؛ إذ مُنع وصول الصحافيين وعمال الإغاثة على حدٍّ سواء. على مدى أسابيع، شحَّت المواد الغذائية والإمدادات الأخرى إلى مستوياتٍ مقلقة، كما صرَّح مسؤول إثيوبي كبير بأن قوات الأمن الإثيوبية أطلقت النار على موظفي الأمم المتحدة هذا الأسبوع واحتجزتهم لفترة وجيزة أثناء محاولتهم الوصول إلى أجزاء من إقليم تيجراي المحاصر.

لجأت الحكومة الإثيوبية وتيجراي إلى البروباجندا لملء الفراغ الناجم عن نقص المعلومات الشديد بشأن الحرب؛ إذ استغلَّ كل من الجانبين المذابح في ماي كادرا لدعم قضيته. بدأ الصراع بعد شهور من الاحتكاك بين الحكومتين، والتي ترى كلٌّ منهما الآن أن خصمها غير شرعي. سيطر قادة تيجراي على الائتلاف الحاكم في إثيوبيا في إحدى المرات، لكن رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، أزاحهم جانبًا عند توليه السلطة عام 2018. يذكِّر التقرير بالتوترات طويلة الأمد المتعلقة بالأراضي في غرب تيجراي – حيث تقع بلدة ماي كادرا – بين التيجرانيين والأمهرة، وهي توترات أضافت مزيدًا من الوقود على النار المتأججة أصلًا.

أكَّدت منظمة العفو الدولية مقتل ما لا يقل عن العشرات، وربما المئات، في بلدة ماي كاديرا، وذلك باستخدام تحديد الموقع الجغرافي للتحقق من مقاطع الفيديو وصور الجثث، وعبر إجرائها مجموعة محدودة من المقابلات عن بعد. لكن الباحثة التابعة لمنظمة العفو الدولية، فيسيها تيكلي، تقول إن مذبحة ماي كاديرا ليست سوى «قمة جبل الجليد» مضيفةً أن هنالك مزاعم ذات مصادقية تدلُّ على وجود مجازر مشابهة وقعت في مدن مجاورة، مثل هميرا، ودانشا، وعاصمة تيجراي ميكيلي، وهي تصريحات تأتي مع تعاظم المخاوف بشأن الفظائع التي لم يُكشف الغطاء عنها بعد، ويحتمل حصولها في أماكن مختلفة في تيجراي.

Embed from Getty Images

تحدث شهودٌ للجنة الحقوقية الإثيوبية الزائرة في ماي كاديرا عن رؤيتهم للشرطة والميليشيات وأعضاء مجموعة شباب تيجراي وهم يهاجمون أمهرة. وقالت اللجنة إنه وحتى بعد أيام «كانت ما تزال الجثث التي لم تُدفن بعد تملأ الشوارع»، وأكد رجلٌ لمنظمة العفو الدولية وهو ينظر إلى بطاقات هويَّة القتلى بينما يزيل الجثث، بأن العديد منهم يعودون لأمهرة. لكن العديد من السكان الفارِّين من تيجراي ألقوا باللوم على القوات الإقليمية الإثيوبية والقوات المتحالفة معها فيما يخصُّ عمليات القتل الجارية في البلدة نفسها والوقت نفسه، قائلين إن بعضًا من القوات طلبوا الاطلاع على بطاقات الهوية قبل الهجوم. وفي بعض الحالات تعرَّفوا إلى القتلة لكونهم من جيرانهم على حدِّ ما تورد الشهادات.

وينقل التقرير شهادة الميكانيكي سمير بين، الذي يقول إنه أوقف وسُئل عما إذا كان من إثنيَّة التيجريان، ليتعرَّض بعدها للضرب والسرقة، مضيفًا أنه رأى الناس يذبحون بالسكاكين، وشاهد عشرات الجثث المتعفنة: «بدا الأمر مشابهًا لنهاية العالم، ولم نتمكن من دفنهم لوجود الجنود على مقربة».

Embed from Getty Images

ما بعد المجزرة

في هذه المسافات البعيدة من بيوتهم، ينتظر اللاجئون الآن في السودان في منازل إسمنتيَّة مكشوفة أو في ملاجئ مشدودة بعضها إلى بعض بأغصان الشجر والبلاستيك، يلعبون الداما بأغطية زجاجات الكولا أو يستلقون على الحصير محاولين النوم في سعيٍ محموم لملاذٍ ضئيل من الذكريات المروِّعة.

لم تستطع وكالة «أسوشيتد برس» الحصول على إذن للسفر إلى إقليم تيجراي، ولم تتمكن من التحقق من تقارير المذبحة بنفسها. ويضيف التقرير أن منظمة العفو الدولية واللجنة الإثيوبية لحقوق الإنسان كلتيهما لم توافقا على طلبات التحدث مع من قابلوهم من الشهود. وصفت اللجنة الإثيوبية نتائجها بأنها ما تزال نتائج أولية، علمًا بأن اللجنة الإثيوبية لحقوق الإنسان كيانٌ أُنشئ بموجب دستور البلاد. سمحت الحكومة الفيدرالية لباحثي اللجنة بزيارة ماي كادرا، ولكن عندما سُئلت عما إذا كان يُسمح لها أيضًا بالتحقيق في الفظائع المزعومة الأخرى، أجاب متحدث اللجنة  آرون ماشو، بالقول: «نعمل على ذلك».

Embed from Getty Images

دعا مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة هذا الأسبوع إلى إجراء تحقيقات مستقلة في الصراع، لكن المسؤولين الإثيوبيين رفضوا ذلك ووصفوه بالتدخل، وقد عقَّبوا هذا الأسبوع بالقول إن الحكومة الإثيوبية لا تحتاج إلى «جليس أطفال». وينقل التقرير تصريح المسؤول الإثيوبي الكبير، رضوان حسين، للصحافيين يوم الثلاثاء؛ إذ رأى أن افتراض عدم قدرة الحكومة على القيام بمثل هذا العمل بنفسها، به نوع من الاستخفاف بقدرها.

وصف رئيس الوزراء أعمال القتل في ماي كادرا بأنها «مثال على الانحلال الأخلاقي»، وأعرب عن شكوكه في أن يكون الجناة قد فرُّوا إلى السودان أو ربما يكونون مختبئين بين اللاجئين. لم يقدم آبي أيَّ دليل على هذه المزاعم، لكنه لفتَ إلى عدد الشباب بين اللاجئين (رغم أن نصف اللاجئين من النساء تقريبًا حسبما يشير التقرير)، ورفض رئيس الوزراء مزاعم انتهاكات قوات الدفاع الإثيوبية قائلًا إنها: «لم تقتل أي شخص في أي مدينة» خلال الصراع. لكن زعيم إقليم تيجراي، دبرصيون جبرميكائيل، ألقى باللوم على القوات الفيدرالية «الغازية» فيما يخص أعمال القتل، مضيفًا لوكالة «أسوشيتد برس»: «لسنا الأشخاص القادرين على ارتكاب مثل هذه الجريمة، أبدًا».

من جانبها، حذَّرت المفوضة السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، ميشيل باتشيليت، هذا الأسبوع من المصادمات العرقية والتنميط الجاري في إقليم تيجراي، مضيفةً: «لدينا تقارير تفيد بأن القتال ما يزال مستمرًّا بين القوات الفيدرالية، وجبهة التحرير الشعبية لإقليم تيجراي، والميليشيات التابعة لها على الجانبين، في المناطق المحيطة ببلدات مثل ميكيلي، وشيريرو، وأكسوم، وأبي عدي، والحدود بين منطقتي أمهرة وتيجراي» وداعيةً إلى «اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية المدنيين والمساءلة عن الانتهاكات».

دولي

منذ 9 شهور
مترجم: التصعيد في إثيوبيا.. هكذا تحول الوضع في إقليم تيجراي إلى أزمة إنسانية

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد