نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تقريرًا، سلَّطت فيه الضوء على آخر التطورات التي شهدتها إثيوبيا في الآونة الأخيرة، مُرجِّحةً نشوب حربٍ أهلية شاملة بعد المكاسب التي حققتها «القوات المتمردة» وزحفها نحو العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، في مقابل دعوات من الحكومة لاستنفار الشعب الإثيوبي وحثِّهم على حمل السلاح للتصدي لهذا الزحف.

وفي مطلع هذا التقرير، الذي أعدَّه ماكس بيراك، مدير مكتب «واشنطن بوست» في العاصمة الكينية نيروبي، تنقل الصحيفة ما قاله ناطقان رسميَّان باسم أكبر مجموعتين متمردتين (جماعة جيش تحرير إقليم أورومو والجبهة الشعبية لتحرير تيجراي) واللتين وحدتا صفوفهما على خط المواجهة في القتال ضد الحكومة الإثيوبية، قولهما إن المجموعتين على بعد 230 ميلًا (368 كم) شمال العاصمة الإثيوبية هذا الأسبوع، مؤكدين على أن الحل السلمي للصراع المسلَّح أصبح غير مطروح مع اقتراب الحرب من عامها الأول.

استنفار عام في إثيوبيا

أوضح التقرير أن الحكومة الإثيوبية أعلنت يوم الثلاثاء، مع اشتداد حدة القتال، فرض حالة الطوارئ لمدة ستة أشهر، كما حث المسؤولون المحليون في أديس أبابا سكان العاصمة البالغ عددهم 5 ملايين شخص على تسجيل أسلحتهم للدفاع عن أنفسهم والاستعداد للدفاع عن أنفسهم وحماية أحيائهم. وفي إفادة صحفية رسمية، قال وزير العدل الإثيوبي جيديون تيموثيوس: إن «بلادنا تواجه خطرًا جسيمًا على وجودها وسيادتها ووحدتها. ولا يُمكننا تبديد هذا الخطر من خلال أنظمة وإجراءات إنفاذ القانون العادية».

دولي

منذ 4 أسابيع
على كف جنرال.. لماذا عادت الانقلابات العسكرية إلى أفريقيا؟

وفي الوقت نفسه، توجَّه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يوم الأحد بدعوة شاملة إلى الشعب الإثيوبي يحثهم فيه على حمل السلاح للتصدي لزحف المتمردين، قائلًا: «إن واجب كل مواطن الانضمام إلى المجهود الحربي»، واعدًا الشعب بتحقيق النصر. وتأتي دعوة آبي أحمد لحمل السلاح بعد دعوة مماثلة أصدرتها حكومة إقليم أمهرة الواقعة في شمال العاصمة، حيث تركزت المعارك القتالية في الأسابيع الأخيرة.

ونوَّه التقرير إلى أن الرئيس الأمريكي جو بايدن كان قد أعلن يوم الثلاثاء الماضي أن الولايات المتحدة ستعلق إعفاءات الرسوم الجمركية على الصادرات الإثيوبية للوصول إلى الأسواق الأمريكية بموجب اتفاقية تجارية سابقة، مشيرًا إلى «ما ترتكبه إثيوبيا من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان المعترف بها دوليًّا».

Embed from Getty Images

ويؤكدَّ جيفري فيلتمان، المبعوث الأمريكي الخاص لمنطقة القرن الإفريقي، يوم الثلاثاء قائلًا: إن «الوضع يزداد سوءًا ونحن منزعجون من ذلك في الحقيقة»، مضيفًا أن وقف إطلاق النار أو غيره من أشكال التهدئة «لا يبدو قريبًا على أي حال».

خطر المجاعة يلوح في الأفق

من جهتها، تزعم القوات المتمردة من إقليم تيجراي إلى جانب المقاتلين من جماعة جيش تحرير أورومو أنهم حققوا مكاسب على الأرض وسيطروا خلال الأيام القليلة الماضية على مدن إستراتيجية رئيسة في أمهرة على طول الطريق السريع المؤدي إلى أديس أبابا. وفي وسائل الإعلام الحكومية، نفى الناطقون باسم الحكومة الإثيوبية تقهقر قواتها وفقدان أيٍّ من هذه الأراضي، لكنهم لم يردوا على الطلبات المرسلة للتعليق على الأمر.

وفي هذا الصدد، قال أودا تربي المتحدث باسم «جيش تحرير أورومو»: إن «كلانا (جيش تحرير أورومو والجبهة الشعبية لتحرير تيجراي) يمضي قدمًا بإستراتيجية عسكرية منسَّقة وموحدة لإنهاء هذه الحرب في أسرع وقت ممكن؛ لمنع مزيد من إراقة الدماء. وسوف يُصبح هذا أكثر وضوحًا خلال الأسابيع المقبلة». إلا أن أودا تربي أو جيتاتشو رضا، المتحدث باسم الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، لم يوضحا هل الزحف صوب العاصمة أديس أبابا، التي تستضيف مقر الاتحاد الإفريقي، يُعد جزءًا من إستراتيجيتهما لانتزاع السيطرة على البلاد من حكومة آبي أحمد. ويرد جيتاتشو قائلًا: «لا يمكنني استبعاد أن نزحف سويًّا نحو أديس أبابا».

ولفت التقرير إلى أن الحكومة الإثيوبية كانت قد فرضت قيودًا شديدة على إمكانية وصول الصحافيين، مما يجعل تأكيد المعلومات بصورة مستقلة للسيادة الإقليمية على الأراضي أمرًا صعبًا. وسادت حالة من التعتيم شبه الكاملة على الاتصالات في إقليم تيجراي الواقع في المنطقة الشمالية، حيث بدأت الحرب في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، فضلًا عن أن المنطقة بأسرها معزولة عن العالم الخارجي. وحذَّرت بعض المنظمات الإنسانية العاملة في تيجراي من خطر حدوث مجاعة شديدة وشيكة. وقالت الأمم المتحدة إن إمدادات المساعدات لم تدخل المنطقة منذ يوم 18 أكتوبر (تشرين الأول).

أصل الصراع المسلح في إثيوبيا

يشير التقرير إلى أن الحرب كانت قد اندلعت بين الحكومة الإثيوبية والقوات المتحالفة معها من إريتريا المجاورة والمقاتلين من المليشيات في منطقة أمهرة ضد الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي والميليشيات الأخرى التابعة لإقليم تيجراي. وكانت الجبهة قد تشكلت بوصفها جيشَ عصاباتٍ لمحاربة النظام الشيوعي السابق في إثيوبيا. وبعد انتصارها، عززت سلطتها وسيطرت على البلاد قرابة ثلاثة عقود، كانت تتعامل خلالها مع المعارضة غالبًا بوحشية وقسوة.

Embed from Getty Images

وفي عام 2018، أصبح آبي أحمد رئيسًا للحكومة الإثيوبية، وتعهد بتقسيم السلطة بين أكبر الجماعات العِرقية في إثيوبيا على نحوٍ عادل، بالإضافة إلى المضي قدمًا صوب تكوين هوية إثيوبية موحدة، بدلًا من الفيدرالية العِرقية التي تُفضلها الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي. كما أبرم اتفاقية سلام مع إريتريا المجاورة، التي تنظر إلى الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي بوصفها العدو اللدود لها بعد حرب دامية بين البلدين في عام 1998 إبَّان حكم الجبهة لإثيوبيا.

أما الحكومة الإثيوبية فقد زعمت أنها انجرفت إلى الصراع الحالي بسبب الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي المتحاربة لأنها كانت تثير النزاعات العِرقية في جميع أنحاء البلاد من أجل تقويض حكم آبي أحمد. لكن بعد عقود في السلطة، شكَّل أتباع تيجراي جزءًا كبيرًا من الجيش الإثيوبي، وخاصةً في المناصب العليا فيه، وأدَّى التمزق الناجم عن القتال إلى زعزعة استقرار القوات المسلحة الإثيوبية.

وألمح التقرير إلى أن الجيش الإثيوبي منح أهالي تيجراي نفوذًا هائلًا، على الرغم من أنهم يشكِّلون حوالي 6% فحسب من سكان إثيوبيا. وسيمثل ما أُشِيع عن تحالف الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي مع «جيش تحرير أورومو»، الجناح المسلح لحزب معارض بارز يدَّعي تمثيل مصالح الأورومو وهي أكبر مجموعة عِرقية في البلاد، تحالفًا تاريخيًّا بين مجموعتين كانتا متناحرتين في السابق. وكانت الحكومة الإثيوبية قد صنَّفت كلًّا من الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي وجيش تحرير أورومو على أنها منظمات إرهابية بعد وقت قصير من بدء الحرب.

مزاعم واتهامات

ينقل التقرير ما ادَّعاه أودا تربي المتحدث باسم «جيش تحرير أورومو» أن الجماعة سيطرت في الأسابيع الأخيرة على مدن في وسط منطقة أوروميا وجنوبها، ومعظم المناطق الريفية الواقعة في غرب أوروميا، وثلاث مدن في منطقة أمهرة بالقرب من خط المواجهة، حيث كانت قوات تيجراي تتقدم جنوبًا نحو أديس أبابا. مضيفًا أن «جيش تحرير أورومو» تمكَّن من تجنيد عشرات الآلاف من المقاتلين في الأشهر الأخيرة.

وأكدَّ التقرير أن جميع أطراف النزاع، والتي تشمل الجيش الإثيوبي والجيش الإريتري ومقاتلي ميلشيات تيجراي وأمهرة وأورومو، كانت قد اتُّهمت بارتكاب فظائع، ومنها قتل المدنيين. ووُجِّهت إلى الإريتريين بعض أخطر الاتهامات بارتكاب الاغتصاب الجماعي وعمليات الإعدام.

Embed from Getty Images

ومن المتوقع أن يُكشَف النقاب عن أول تحقيق مستقل تقوم به الأمم المتحدة في جرائم حرب محتملة يوم الأربعاء، لكن عديدًا من المسؤولين الدبلوماسيين المطَّلعين على محتوياته، والذين تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هويتهم، أفادوا أن الحكومة الإثيوبية والقتال المستمر أعاقا إمكانية حصول القائمين على التحقيق على المعلومات المستقلة. وفي الوقت الذي لم تُعرَف فيه حصيلة خسائر الصراع، قدَّرها المسؤولون بعشرات الآلاف.

وفي يوم الإثنين الماضي، اتَّهمت الحكومة الإثيوبية الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي بـ«إعدام أكثر من 100 شاب من الإثيوبيين» في مدينة كومبولشا الإثيوبية، إحدى المدن التي زعمت الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي أنها استولت عليها مؤخرًا، لكنها لم تُقدِّم أيَّ معلومات أو تفاصيل بشأن غيرها من عمليات القتل، لكن الحكومة نفَت أيضًا أن المدينة وقعت تحت سيطرة جبهة تيجراي. ورفض جيتاتشو، المتحدث باسم الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، هذه الاتهامات، مؤكدًا أن الجبهة ستواصل تقدمها حتى «يُرفع الحصار القاتل المفروض على تيجراي».

ويعتمد الملايين من سكان تيجراي على المساعدات الغذائية، والتي قيَّدت الحكومة الإثيوبية أيضًا وصولها إليهم إلى حدٍّ كبيرٍ، وذلك لاتهامها بعض منظمات الإغاثة بمساعدة الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي في أحيانٍ كثيرةٍ. وأدَّت الحرب إلى تشريد مئات الآلاف سواءً داخل تيجراي أو إلى السودان المجاور. ومع انتشار القتال خارج تيجراي، نزح مئات الآلاف إلى منطقتي أمهرة وعفر المجاورتين.

إدانات دولية للفظائِع المرتكبة

في الشهر الماضي، بعد إحدى الغارات الجوية المتعددة التي شنتها الحكومة الإثيوبية على مدينة ميكيلي عاصمة تيجراي، تزامنت تقريبًا مع سقوط طائرة للمساعدات الإنسانية، علَّقت الأمم المتحدة رحلاتها إلى المنطقة إلى أجلٍ غير مسمى. وتزعم الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي أن الغارات الجوية قتلت عديدًا من المدنيين، وهو الأمر الذي تنفيه الحكومة الإثيوبية.

ويختتم المراسل تقريره بالإشارة إلى أن الحد من فعالية الاستجابة الإنسانية والاستهداف الواضح لغير المقاتلين طوال الصراع المسلح أدَّى إلى أن وجَّهت القوى الغربية إدانات مستمرة للحكومة الإثيوبية، على الرغم من أنها كانت ترى في السابق أن آبي أحمد له تأثير في إضفاء الطابع الديمقراطي على إثيوبيا والمنطقة بأسرها.

Embed from Getty Images

وحصل آبي أحمد على جائزة نوبل للسلام لعام 2019 بسبب اتفاق السلام الذي أبرمه مع إريتريا بعد مبادرة منه. وفي وقتٍ لاحقٍ، صرَّح مسؤول غربي، أن اتفاق السلام هذا «كان على ما يبدو بداية حقبة حرب في المنطقة».

وكانت الحكومة الأمريكية قد فرضت قيود سفر على تأشيرات المسؤولين المدنيين والعسكريين الإثيوبيين والإريتريين، ووسَّعت مؤخرًا سياسة «رفض إصدار التراخيص والموافقات الأخرى لتصدير أي مواد أو خدمات دفاعية» إلى إثيوبيا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد