كتب جويتوم جيبريلول، وهو محلل سياسي مقره أديس أبابا في إثيوبيا، تحليلًا في صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية بشأن التحولات السياسية المتواصلة منذ وصول «آبي أحمد» للسلطة في عام 2018، والتحول السياسي الذي قاده ويتضرر منه بعض رفاقه السياسيين السابقين، والأهم من ذلك هو التحول الاقتصادي الذي تشهده البلاد نحو الرأسمالية. 

في البداية، يشير الكاتب إلى أن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد حصل على جائزة نوبل للسلام في ستوكهولم (في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي)، ثم عاد إلى وطنه إثيوبيا ليواجه تحديات تتجاوز الحفاظ على السلام مع إريتريا. 

وفي نوفمبر (تشرين ثان) الماضي، اقترح آبي أحمد دمج الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الإثيوبية (EPRDF) المكونة من أربعة أحزاب في حزب واحد، ووضع بذلك نهاية للمجموعة التي تحكم إثيوبيا منذ إطاحة المجلس العسكري الشيوعي في عام 1991. ووصلت الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الإثيوبية إلى السلطة مع انتهاء الحرب الباردة. وبدلًا من التخلي عن جذورهم الماركسية اللينينية، حاول قادة الجماعة دمج المبادئ الثورية والسياسة الطبقية بالرأسمالية والديمقراطية الليبرالية. 

ويبتعد حزب «الازدهار» الوليد، الذي جاء خلفًا للجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية، ابتعادًا جذريًّا عن الماضي، من حيث الأيديولوجية وقاعدة العضوية. ويرصد التحليل في السطور التالية ما تحتاج إلى معرفته عن تلك التغييرات:

هل يتفكك الائتلاف الحزبي الإثيوبي؟

يتابع الكاتب أن الأحزاب الأربعة التي شكلت الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية هي: (1) جبهة تحرير شعب تيجراي. (2) وحزب أمهرة الديمقراطي. (3) وحزب أورومو الديمقراطي. (4) وحركة شعب جنوب إثيوبيا الديمقراطية

Embed from Getty Images

وتمثل الأحزاب الثلاثة الأولى، على التوالي، شعوب التيجراي والأمهرة والأورومو، التي تشكل مجتمعة أكثر من 70% من سكان إثيوبيا. وتمثل حركة شعب جنوب إثيوبيا الديمقراطية ولاية تتألف من العديد من المجتمعات الوطنية الأصغر.

لكن مؤسسي الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية  – وهم قادة جبهة تحرير شعب تيجراي – وغيرهم من السياسيين العرقيين والقوميين يعارضون بشدة حزب الازدهار الجديد. إذ يريد هؤلاء المنشقون الحفاظ على هيكل الحزب القديم وأيديولوجيته، ومن غير المرجح أن ينضموا إلى حزب الازدهار الجديد.

وأضاف الكاتب أن الأحزاب التي لم يُسمَح لها أبدًا بالانضمام إلى الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية – وهي الأحزاب الحاكمة في مناطق عفار وبنيشانجول-جوموز، وهاراري، والصومال،  وجامبيلا – قررت حل نفسها والاندماج مع حزب الازدهار. 

وكانت قيادة الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية قد جادلت في السابق بأن هذه المناطق الرعوية تفتقر إلى البنية الطبقية الزراعية، التي تفترض الديمقراطية الثورية وجودها. 

وعلى مدى ثلاثة عقود تقريبًا، جرى استبعاد هذه الجماعات وحصرها في التمتع بوضع الأطراف الشريكة؛ أي إنهم كانوا جزءًا من الحكومة الفيدرالية، لكن لم يكن مسموحًا لهم بالتصويت في لجان الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبي، التي كانت الجماعة تتخذ فيها جميع القرارات السياسية الرئيسية لإثيوبيا.

انتهاء دور الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية

ويشير الكاتب إلى أن الانفصال – إذا حدث بسلام وجرى على نحو شرعي – يمكن أن يكون مصدرًا للاستقرار في إثيوبيا. فيما يمكن للغموض الأيديولوجي للجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية أن يكون عاملًا مزعزِعًا للاستقرار، وربما يؤدي تفتيت الجبهة إلى تمهيد الطريق لإنشاء أحزاب وائتلافات متماسكة داخليًّا، مما قد يعني مزيدًا من الاستقرار في إثيوبيا بشكل عام.

ويلفت الكاتب الانتباه إلى أن تفتت الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية بدأ عندما توفي رجلها القوي، ميليس زيناوي، في عام 2012. ومنذ ذلك الحين، لم تتمكن الأحزاب الأربعة التي تشكل الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية من الاتفاق على كيفية تقاسم السلطة. وتسبب الصراع على السلطة في تصعيد احتجاجات عام 2016، التي بلغت ذروتها عند تولي آبي أحمد منصب رئيس الوزراء في عام 2018.

بيدَ أن تشظي الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية تفاقم تحت قيادة آبي أحمد؛ مما أدى إلى جملة أمور منها الاغتيال السياسي للقائد العسكري الإثيوبي ورئيس ولاية أمهرة في 22 يونيو (حزيران) الماضي. كذلك بلور الصراع على السلطة أيضًا مواقف إيديولوجية متناقضة داخل القيادة.

إصلاحات أحمد تبتعد عن أسس الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية

حين تولى آبي أحمد السلطة كان لديه رؤية لإحداث تحول في الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية وإثيوبيا ككل. وكان هدفه الأول هو النموذج الاقتصادي للدولة التنموية، الذي كان يوجه السياسة في إثيوبيا منذ عام 2000. 

Embed from Getty Images

بموجب هذا النموذج، تلعب الحكومة دورًا نشطًا في الاقتصاد، وتستثمر في البنية التحتية ورأس المال البشري والطاقة، للتعجيل بعملية تحول هيكلي للاقتصاد من الاعتماد الكبير على الزراعة إلى التوجه للصناعة على نحو متزايد.

ويتابع الكاتب أن آبي أحمد قوّض نموذج التنمية هذا من خلال لفت الانتباه إلى سوء الإدارة المالية في الشركات المملوكة للدولة في إثيوبيا، ولاسيما المجمع الصناعي العسكري الذي تتبعه شركة المعادن والهندسة (ميتيك)، ثم أعلن أن نموذج إثيوبيا للتنمية سيكون نموذجًا «رأسماليًّا».

غير أن الإصلاح الأكثر إثارة للجدل، تمثل في تحرك آبي أحمد بعيدًا عن الخطاب القومي للجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية. إذ دأبت الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية على تصوير الجماعات الإثنية في إثيوبيا على أنهم ضحايا لسياسة الاستيعاب القسري، في إطار مشروع بناء الدولة الذي بدأ في القرن التاسع عشر، وانتهى في عام 1995 بتبني الدستور الفيدرالي لإثيوبيا، الذي منح «الأقوام والقوميات والشعوب» الحق في تقرير المصير. وصاغ آبي أحمد تاريخًا بديلًا قلل من تأكيد القمع العرقي، وركز بدلًا من ذلك على الوئام العرقي والوحدة الوطنية.

جبهة تحرير شعب تيجراي تقود المقاومة ضد ثورة آبي

تريد جبهة تحرير شعب تيجراي مواصلة النموذج الاقتصادي الموجه مركزيًّا، وجعلت من إنقاذ الترتيب الدستوري الاتحادي نقطة التجمع الرئيسية. في أغسطس (آب)، عقدت مؤتمرًا للقوى المؤيدة للفيدرالية كان أشبه بالخطوة الأولى نحو تشكيل «ائتلاف فيدرالي» بديلًا لحزب الازدهار الجديد الذي يقوده آبي أحمد.

ويلفت الكاتب إلى إمكانية عرقلة الخروج السلمي للأحزاب الأعضاء في الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية بسبب التشرذم الداخلي مع الفصائل. على سبيل المثال، تعاني قيادة حزب أورومو الديمقراطي التابع لآبي، من انقسام بين أولئك الذين يؤمنون بخطاب آبي أحمد القومي والآخرين الذين يريدون التمسك بالخطاب العرقي- القومي القديم.

ويزعم منتقدو آبي أحمد أن تفكيك الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية وتأسيس حزب الازدهار لم يتبع الإجراءات الحزبية السليمة، قائلين إن فردًا واحدًا هو الذي استأثر بفرض هذا التغيير. جدير بالذكر أن ليما ميجرسا، الرئيس السابق لولاية أوروميا وزعيم العملية السياسية التي أوصلت آبي أحمد إلى السلطة في عام 2018، أعلن معارضته لحزب الازدهار. 

Embed from Getty Images

ماذا يعنيه هذا الوضع بالنسبة لمستقبل إثيوبيا؟

ويحذر الكاتب من أنه إذا شعر الإثيوبيون أن قادتهم يفرضون هذا الاندماج قسرًا، فربما يكون تماسك حزب الازدهار قائمًا على أرضية هشة. وربما يجعل ذلك من الصعب على آبي وحزبه الجديد تطبيق القانون والنظام، والإبحار بسهولة في خضم عملية الإصلاح السياسي.

وفي الوقت ذاته، فإن الجهود التي تستهدف استغلال عملية إعادة الهيكلة فرصةً لتسجيل انتصارات تكتيكية ضد الجماعات الأخرى؛ تثير مخاطر عدم الاستقرار أيضًا. 

وتريد فصائل الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية المختلفة أن يخرج الآخرون من تحول الحزب بأكبر قدر من الخسائر.

على مدار الأسابيع الماضية، كانت هذه الجماعات تتبادل الاتهامات الاستفزازية فيما بينها. وتوضح الأحداث التي وقعت خلال عام 2019، ومنها عمليات القتل التي وقعت في 22 يونيو (حزيران)، والصراع بين مؤيدي آبي أحمد وجوار محمد، كيف يمكن أن تنزلق ديناميات «العين بالعين» إلى العنف. 

ويختم الكاتب تحليله بقوله: إن مصير الانتخابات البرلمانية التي ستجرى في مايو (آيار) 2020، والاستقرار العام في إثيوبيا؛ سيتوقف على ما ستتمخض عنه هذه العملية خلال الأشهر القليلة المقبلة.

ما لم تخبرك به نوبل للسلام.. هل انتهى النزاع بين إثيوبيا وإريتريا حقًا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد