مصدر الترجمة موقع السوري الجديد

أغلقت تركيا يوم السبت معبرًا حدوديًا رئيسيًا مع سوريا، عقب عبور ثلاثة عشر ألف لاجئ سوري إلى أراضيها خلال أقل من أسبوع، وقالت إن تحالف الولايات المتحدة مع القوات الكردية في هجومها ضد الدولة الإسلامية، تسبب بنزوح العرب والتركمان من سوريا، ومع تضييق القوات الكردية الخناق على مدينة تل أبيض التي تقع تحت سيطرة الدولة الإسلامية والقريبة من مدينة أكتشاكالي التركية، فإن نجاح هجومها على المتطرفين، قد كشف الغطاء عن تضارب المصالح الذي كدر الحملة التي تشنها الولايات المتحدة ضد الدولة الإسلامية في سوريا.

ففي يوم الخميس وفي إحدى المناسبات التي أطل فيها الرئيس التركي رجب طيب أودوغان على العامة منذ خسارة حزبه الأغلبية البرلمانية في الانتخابات، اتهم أردوغان “الغرب” بقتل العرب والتركمان في سوريا واستبدالهم بالميليشيات الكردية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني المحظور (PKK) إذ قال “للأسف يقوم الغرب الذي أطلق النيران على العرب والتركمان باستبدالهم بحزب العمال الكردستاني (PKK)  وحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)”.

وحزب الاتحاد الديمقراطي هو حزب سياسي كردي سوري مرتبط بحزب العمال الكردستاني، الذي تم إدراجه كمجموعة إرهابية من قبل تركيا والولايات المتحدة، أما الجناح المسلح منه والمعروف بوحدات الحماية الشعبية أو الـYPG، فله الفضل في دحر قوات الدولة الإسلامية عن كوباني بعد حصار دام أربعة أشهر بدعم جوي من الولايات المتحدة، إلا أن العرب والتركمان الفارين من سوريا لا يشعرون بالامتنان لعملية الهجوم الكردية المدعومة بالضربات الجوية للولايات المتحدة، ويتهمون ميليشيات الـ YPG بالاستيلاء على بيوتهم وماشيتهم وأراضيهم مع حرق أوراقهم الشخصية.

“لقد طردونا من قُرانا وقالوا: هذه روجافا” كما قال جمعة أحمد البالغ من العمر 35 عامًا والعضو في قبيلة البقارة، وروجافا هو التعبير الذي تطلقه قوات الـ YPG على المناطق التي تسيطر عليها في شمال سوريا، وكان أحمد قد وصل من قرية الفويضة مع العشرات من أفراد عائلته قبل إغلاق تركيا للمعبر الحدودي، واستطرد قائلًا: قالوا “اذهبوا إلى صحراء البادية، اذهبوا إلى تدمر حيث تنتمون”. وتقع تدمر التي استحوذت عليها الدولة الإسلامية الشهر الماضي على بعد أكثر من مائة ميل جنوب شرق تل أبيض.

هذا وقد اشتهرت تل أبيض في الشهور المنصرمة بكونها إحدى أهم نقاط العبور ما بين تركيا والدولة الإسلامية المعروفة أيضًا باسم داعش، ففيها اختبأت حياة بومدين بعد هروبها من باريس، بسبب قيام زوجها بإطلاق النار وقتل أربعة يهود في متجر في باريس في كانون الثاني، وفيها أيضًا أخفت الدولة الإسلامية 46 دبلوماسيا تركيا و3 موظفين عراقيين، كرهائن اتخذتهم بعد استيلاء مقاتليها على مدينة الموصل في العراق منذ عام.

لقد أصبحت أكتشاكالي والمناطق المحيطة بها معبرًا مهمًا لمن يرغبون بالالتحاق بالدولة الإسلامية، رغم زعم السلطات التركية بأنها تحاول منعهم من العبور، لكن عملية القوات الكردية في تل أبيض بمساعدة قوات الولايات المتحدة أدت إلى تفاقم استياء الأعراق الأخرى التي تمتد في الماضي البعيد،. فالسكان الأكراد في شمال سوريا طالما اتهموا الحكومة في دمشق بمصادرة أراضيهم لإيواء المستوطنين العرب، ومنذ عامين توعد النشطاء الأكراد الذين تولوا السلطة بعد انسحاب حكومة بشار الأسد بطرد العرب من المنطقة. ويقول غير الأكراد من السوريين إن الحملة تسير كما أرادوا وإن الأكراد يحاولون إنشاء دولتهم المستقلة في شمال سوريا بمساعدة من الولايات المتحدة، “قالوا لنا: نحن هنا منذ 20 ألف سنة وأنتم أتيتم من الصحراء، عودوا إلى صحرائكم” هذا ما قاله إبراهيم الخضر، الأمير العربي لعشيرة تتكون من 16000 شخص في محافظة دير الزور.

وأعرب طارق سولو المتحدث باسم السوريين التركمان في شمال سوريا عن سخط مماثل حين قال: إن قصف الولايات المتحدة مع قوات الحماية الشعبية على الأرض “يعمل على تغيير التركيبة السكانية للمنطقة ضمن عملية تطهير عرقي”، وقال أيضًا إن التركمان – وهم أقلية تركية في سوريا – “يخسرون أراضيهم التي عاشوا فيها على مدى قرون”. وقد وقعت قريتان تركمانيتان من أصل 20 فيها أكثر من 40 ألف نسمة تحت سيطرة قوات الحماية الشعبية يوم الخميس، وتشير التقارير إلى تقدم قواتها يوم السبت إلى تخوم تل أبيض.

وفي مقابلة أجراها سولو في أنقرة كشف لمراسل مكلاتشي عن صورة تم تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر فيها مقاتل من الحماية الشعبية وهو يجبر أسيرًا عربيًا على تقبيل علم الـ YPG كما اتهم الائتلاف السوري المعارض قوات الـ YPG بــ “انتهاكات ضد المدنيين” في محافظة الحسكة السورية من ضمنها تهجير ممنهج للمدنيين، وخدمة عسكرية إلزامية للشباب وخطف المدنيين “لإثارة الرعب بين السكان”.

ويشير النقد الذي عبر عنه العرب والتركمان والمعارضة السورية إلى طبيعة الهجمات الأمريكية التكتيكية في سوريا، فقد عزفت الولايات المتحدة عن التعاون مع الثوار المعتدلين المعارضين للأسد، وبدأت بتدريب السوريين لإنشاء قوة جديدة تعنى بمواجهة الدولة الإسلامية بشكل رئيسي، وفي هذه الأثناء وجدت في قوات الحماية الشعبية YPG حليفًا مستعدًا يُضرب بنجاحه المثل في قتال الدولة الإسلامية في كوباني للعمليات القتالية في شمال شرق سوريا.

إلا أن تحالفه مع الولايات المتحدة أثار نقدا لاذعًا ممن يقولون إن ذلك التحالف لا يقيم وزنًا لتاريخ وسياسة المنطقة، ولا لحساسيات تركيا العضو في حزب الناتو التي اعترضت العام الماضي على إلقاء الولايات المتحدة بالأسلحة والذخيرة إلى مقاتلي الـ YPG في كوباني. علاوة على مزاعم تقول إن مع غياب الجنود الأمريكيين عن الأرض تسنى للـ YPG ذي الأجندات السياسية الخاصة استغلال الدعم الأمريكي لفرض حملة معادية للعرب، كما اتهم السكان المحليون الحماية الشعبية YPG بالتضليل المتعمد للقادة الأمريكان حول الأوضاع في قرية بير محلي في نيسان الماضي، حيث يرجح مقتل أكثر من 50 مدنيًا جراء القصف الأمريكي بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

وقد أخذت القيادة الأمريكية المركزية بدراسة المزاعم القائلة بمساهمتها غير المتعمدة بعمليات التطهير العرقي، حيث قال باتريك رايدر العقيد في سلاح الجو الأمريكي والمتحدث باسم سنتكوم يوم الجمعة، “طبعًا نحن لا نؤيد أي شكل من التطهير العرقي ولا نتعمد دعم أي عمل من هذا النوع، لكننا نأخذ كل الادعاءات كهذه على محمل الجد وسندرسها”. وأضاف أن الضربات الجوية من أمريكا وغيرها في سوريا تهدف إلى دعم العمليات في العراق وسماها بـ”عمليات تشكيلية تهدف إلى تفكيك موارد وفعالية داعش والحد من حريتهم في التنقل وكسب الوقت والمساحة ليتسنى للقوات العراقية تجديد قدراتها القتالية”.

إلا أن شرفان درويش المتحدث باسم YPG في كوباني أنكر قيام الميليشيا بـ “التطهير العرقي” وقال إن الأكراد في كوباني استقبلوا العرب الفارين من تل أبيض بحفاوة بعد استيلاء الدولة الإسلامية عليها منذ عام. كما صرح سردار ملا درويش الصحفي الكردي في محافظة الحسكة (ولا تربطه بشرفان صلة قرابة)، صرح لمكلاتشي أن بعض الثوار المعتدلين وقوات بعض العشائر العربية قد انضمت إلى القوات الكردية في قتالها ضد الدولة الإسلامية، غير أنه استطرد قائلًا إن بعض السكان تركوا المنطقة بسبب القتال وألمح إلى أن العرب الباقين في تل أبيض كانوا يدعمون الدولة الإسلامية، مضيفًا “عندما هرب الأكراد من المدينة في صيف عام 2013 لم يقل أحد إن ذلك كان تطهيرًا عرقيًا للأكراد، رغم أن جميع مقاتلي الدولة الإسلامية كانوا من العرب”، لكن اللاجئين الذين هربوا إلى مدينة أكتشاكالي ذات الأغلبية العربية على الطرف الآخر من الحدود مع تل أبيض يرون الأمر بطريقة أخرى. فقد قال أحمد عضو عشيرة البقارة من قرية الفويضة إن القوات الكردية قد اعتقلته وتعرض للضرب على مدى يومين، ثم تمت دعوته إلى الانضمام إليهم لقتال الدولة الإسلامية، وعندما رفض طردوه وأسرته من قريته. أما عائلة سلمان الفياض المكونة من أربعة عشر شخصا فقد سُمح لهم بالبقاء عندما وافقوا على الانضمام لقوات الـ YPG كما قال. وقال عبد الحميد الجاسم قريب أحمد والبالغ من العمر خمسة وعشرون عامًا إنه لو كانت المعابر الحدودية مفتوحة لفر عشرات الآلاف.

ولعل ما يزيد الوضع تعقيدًا هو اعتراف بعض السكان بالمساهمة في أنشطة الدولة الإسلامية بعد استحواذها على قُراهم، إذ قال أبو خالد (63 عامًا) إن “العديد من أبنائنا انضموا إلى الدولة الإسلامية”. وكان أبو خالد قد وصل  إلى أكتشاكالي مع أولاده الخمسة والعشرات من أحفاده، وأضاف “انضم البعض لجلسات القرآن بينما حمل الآخرون السلاح”.

ومن جهة أخرى قال مسؤول عسكري رفيع من الثوار إن الـ YPG سيساهم في انضمام المزيد من الناس للدولة الإسلامية، فيما إذا استمر بعمليات التهجير التي يقدر ضحاياها حتى الآن بحوالي 40 ألف شخص في محافظة الحسكة وحدها. وقال الجنرال أحمد بري نائب رئيس قوات الثوار المعتدلين “لا ندري حتى الآن ما يريده التحالف. هل يريد محاربة داعش أم تقويتها؟”.

وافانا بالتفاصيل من أكتشاكالي مراسل مكلاتشي الخاص الحمادي، ومن إسطنبول مراسلنا جوتمان، ومن أنقرة مراسلنا الخاص دويجو جوفينش

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد