وصلت كوسوفو إلى منعطف رمزي في تاريخها القصير. يوم 27 أكتوبر/تشرين الأول، وقّعت الدولة الشابة على اتفاق الاستقرار والشراكة مع الاتحاد الأوروبي لتبدأ رسميًّا عملية طويلة نحو الانضمام للتكتل القاري. ولكن العلاقات المتوترة بين كوسوفو وصربيا المجاورة، والتي أعلنت كوسوفو استقلالها عنها في عام 2008 قد يبطئ أو يعقد عملية انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي.

نظرًا لأن صربيا لديها تطلعاتها الخاصة نحو الاتحاد الأوروبي، فقد أدت الضغوط من قبل الاتحاد إلى درجة معينة من الاستقرار في العلاقة بين البلدين. ومع ذلك، ما تزال هناك بعض النقاط العالقة. ومن أهم هذه القضايا هي قضية الصرب الذين يعيشون في شمال كوسوفو. يدفع الاتحاد الأوروبي صربيا نحو نقل السيطرة على الشرطة والقضاء في شمال كوسوفو إلى السلطات في كوسوفو، ولكن العملية تسير ببطء شديد. بالإضافة إلى ذلك، فإن الصرب المحليين يقومون في كثير من الأحيان بقطع الطرق في شمال كوسوفو، ما يثير استياء السكان المحليين. الانتخابات المبكرة في كلا البلدين خلال عام 2014 ساهمت أيضًا في إبطاء وتيرة التطبيع في العلاقات الثنائية. وفي الآونة الأخيرة، زاد التوتر مرة أخرى بعد إعلان كوسوفو أنها تخطط لإنشاء جيشها الخاص.

قيام كوسوفو بخطوات للتقارب مع صربيا له أيضًا تكلفته السياسية محليًّا. لأسابيع، واصلت الأحزاب المعارضة في كوسوفو احتجاجاتها على الاتفاقات الأخيرة التي تم بموجبها منح المزيد من الحكم الذاتي للأقلية الصربية في الشمال. وانتقدت المعارضة أيضًا الاتفاق الحدودي الأخير مع جمهورية الجبل الأسود كذلك، وجادلت عن رفضها بأنها تعتبر الاتفاق تنازلًا عن الأراضي. ووقعت اشتباكات بين معارضي هذه الاتفاقيات، وبين الشرطة خلال احتجاجات أمام مقر البرلمان في العاصمة برشتينا.

وتؤكد هذه الخصومات العرقية أهمية تأثير الاتحاد الأوروبي في هذه المنطقة غير المستقرة. ما تزال دول مثل صربيا، وكوسوفو، ومقدونيا، والبوسنة، والهرسك، والجبل الأسود، وألبانيا تنظر إلى عضوية الاتحاد الأوروبي باعتبارها هدفًا هامًا للسياسة الخارجية. وهذا يعطي الاتحاد الأوروبي أداة للحفاظ على هذه النزاعات من التصاعد وزيادة العنف. ولكن الاتحاد نفسه يعيش الآن أزمة وجودية ويتردد في دمج أعضاء جدد؛ مما قد يؤدي إلى حدوث فراغ في السلطة في منطقة غرب البلقان. كلما شعرت المزيد من الدول في المنطقة أن لديهم احتمالات ضئيلة للتنمية الاقتصادية والتكامل المؤسسي مع كيان سياسي أكبر، فإنه الأرجح أنهم سوف يلجؤون إلى تاريخ امتد لقرون من القومية والكراهية العرقية.

خلفية تاريخية

جمهورية كوسوفو، هي إحدى جمهوريات منطقة البلقان التي تحظى باعتراف جزئي، وقد كانت جزءًا من الدولة العثمانية لمدة 5 قرون، وفي أعقاب حرب البلقان الأولى عام 1912 تم تقاسم أراضي كوسوفو بين صربيا والجبل الأسود. وانضمت كوسوفو إلى مملكة يوغوسلافيا بعد الحرب العالمية الأولى، وتم ضمها إلى ألبانيا بعد الحرب العالمية الثانية من قبل الاحتلال الإيطالي حتى خضعت جمهوريات يوغوسلافيا للاحتلال.

عام 1946، انضمت كوسوفو إلى جمهوريات يوغوسلافيا الاتحادية وتمتعت بحكم ذاتي، حتى عام 1989، حين قام الرئيس الصربي سلوبودان ميلوشيفيتش بإلغاء الحكم الذاتي التي تتمتع به كوسوفو وقام بتطبيق سياسات قمعية ضد السكان المحليين، ما تسبب في انتظام العديد من سكان كوسوفو في مقاومة لما اعتبروه احتلالًا صربيًّا.

ينتمي معظم سكان كوسوفو إلى العرق الألباني (86% ألبان و5% صرب)، بينما تنتمي صربيا إلى العرق الصربي، كما أن أغلب الألبان هم من المسلمين، ورغم ذلك فإن الصراع كان يتخذ الطابع العرقي والقومي أكثر من الطابع الديني، قاد الحزب الديمقراطي الألباني الكفاح ضد الصرب، وكان يتخذ من الكفاح السلمي منهجه، وقد نظمت كوسوفو استفتاء على استقلالها عن صربيا عام 1990، وانتخبوا رئيسًا للجمهورية عام 1992، وهي الجمهورية التي لم تعترف بها صربيا.

بعد فشل كوسوفو في نيل الاعتراف الدولي تحول الصراع نحو العنف؛ حيث تأسس جيش تحرير كوسوفو الذي دخل في صراع مع الجيش الصربي الذي ارتكب مذابح جماعية بحق الألبان، ما اضطر حلف الأطلسي إلى التدخل عام 1999، وأجبر صربيا على الانسحاب من كوسوفو التي وضعت تحت سيطرة قوات دولية.

“خريطة الدول التي تعترف باستقلال كوسوفو”.

تم وضع خطة لاستقلال الإقليم بإشراف دولي، وقد أعلن برلمان الإقليم انفصاله عن بلجراد في عام 2008، وحصل على تأييد الولايات المتحدة وعدد من دول الاتحاد الأوروبي ودول إسلامية منها السعودية واليمن والبحرين والإمارات، في حين رفضتها صربيا وروسيا. تعترف 98 دولة حول العالم بكوسوفو وهو ما يمنحها عضوية الأمم المتحدة. جدير بالذكر أن هناك 5دول أوروبية لم تعترف بكوسوفو حتى الآن هي قبرص واليونان وإسبانيا وسلوفاكيا ورومانيا.

في 27 أكتوبر، وقعت فيديركا موغيريني مسؤولة العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي ورئيس وزراء كوسوفو “عيسى مصطفى” ما يعرف بـ”اتفاق التعاون والاستقرار”. وكان الاتحاد الأوروبي قد أقر في وقت سابق مساعدات لكوسوفو بقيمة مليار وأربعمائة مليون يورو مجدولة على 13 سنة بدأت عام 2007.

وفي 25 أغسطس/ آب الماضي وقعت كل من صربيا وكوسوفو اتفاقًا وصف بأنه تاريخي بين رئيس الوزراء الصربي ألكسندر فوسيتش، ونظيره الكوسوفي عيسى مصطفى. ينص الاتفاق على إقامة نظام قضائي في شمال كوسوفو يكون مقبولًا من الأقلية الصربية في كوسوفو، كما يضمن اتفاقًا حول جسر ميتروفيتسا المتنازع عليه، إضافة إلى خطط تعاون في مجال الطاقة والاتصالات، يأتي ذلك في أعقاب اتفاق تم توقيعه بين البلدين في عام 2013 برعاية الاتحاد الأوربي، ويقضي بتطبيع العلاقات بينهما.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد