المفاوضات الملتهبة حول ميزانية الاتحاد الأوروبي؛ تخاطر بالتوصل إلى تسوية على حساب أجندة التكتل الدولية طويلة المدى. 

نشر المعهد الملكي للشؤون الدولية «تشاتام هاوس» تقريرًا، أعدته أليس بيلون جالاند، باحثة تغطي قضايا الأمن والدفاع، وفاسيليس نتوساس، الباحث في الروابط بين السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، يُسلط الضوء على المفاوضات الجارية داخل أروقة الاتحاد الأوروبي حول ميزانية التمويل وتأثيرها على الطموحات الدولية للتكتل الأوروبي. 

استهل الباحثان تقريرهما بالقول: «بينما لا تزال كافة اقتصادات دول الاتحاد الأوروبي تترنح تحت وطأة جائحة (كوفيد-19)، تخوض الكتلة مداولات ساخنة متعجلة، وهو أمر غير معتاد في بروكسل، حول الميزانية القادمة لتمويل الاتحاد، والتي ستُحدد حجم النقود التي تتناسب مع أولوياته للسبع سنوات التالية». 

خطة تعافي من آثار (كوفيد-19) بقيمة 750 مليار دولار

بالاعتماد جزئيًا على الحجم الهائل وغير المسبوق للديون الصادرة المشتركة، أُدمجت خطة المفوضية الأوروبية بقيمة 750 مليار لتحقيق الإنعاش من تداعيات جائحة فيروس كورونا المستجد في المقترح المعدّل لميزانية الاتحاد الأوروبي طويلة الأمد بقيمة 1.1 تريليون يورو للفترة ما بين 2021 – 2027. 

علم الاتحاد الأوروبي

ويصف الباحثان الوضع الراهن بالقول: إن الكرة حاليًا في ملعب الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي، إذ يبدون جميعًا متفقون على أن وضع ميزانية الاتحاد الأوروبي على النحو الصحيح أمرٌ حاسم لتعزيز التعافي الاقتصادي، وضمان أن الاتحاد يمضي في المسار الصحيح نحو أهدافه طويلة الأجل، التي حددها قبل تفشي جائحة (كوفيد-19)، بدءًا من زيادة استقلاليته الإستراتيجية، وصولًا إلى الحياد المناخي (محايدة الكربون، وهي تحقيق التوازن بين الكربون المضاف إلى الغلاف الجوي والمستهلك في عمليات مثل التمثيل الضوئي لدى النباتات) بحلول عام 2050، ومع ذلك لا تزال بعض الخلافات الصارخة مستمرة حول ما يعنيه ذلك عمليًا.

ويعود تاريخ معظم الاختلافات الجوهرية في الميزانية إلى ما قبل تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد، إذ فشل قادة دول الاتحاد الأوروبي، في اجتماع خاص للمجلس الأوروبي في فبراير (شباط)، في التوصل إلى اتفاق لإيجاد أساس مشترك بشأن أول ميزانية للاتحاد بعد «بريكسيت» (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي).

«الرباعي المقتصد» يعارض الإنفاق العام

وتابع الباحثان بالقول: رفضت الدول ذات المساهمة الصافية مثل النمسا والدنمارك والسويد وهولندا – الدول المسماة «الرباعي المقتصد» – زيادة الإنفاق العام، وأيّدت في المقابل تقليص الإنفاق على السياسة الزراعية المشتركة أو صناديق تمويل التماسك (الأرصدة المخصصة لتحقيق التماسك) والذي قُوبل بمعارضة من بعض الدول مثل: فرنسا، والبرتغال.

إن هذه الانقسامات المبكرة تُنذر بخطورة تسوية الميزانية بالشكل الذي لن يترك سوى مساحة صغيرة لأولويات السياسات الجديدة. كما أن الأزمة الاقتصادية الناجمة عن جائحة (كوفيد-19) جعلت العملية السياسية المشحونة أصلًا أكثر صعوبة؛ مما يضع قيودًا على مجالات التمويل التي كانت ذات أولوية في السابق. 

صحيحٌ أن مجموعة الدول «الرباعي المقتصد» اتفقت على ضرورة وضع خطة تعافي من آثار فيروس كورونا المستجد، لكنها عارضت بشدة حجم الإعانات أو إصدار كثير من الديون المشتركة في الصك المقترح؛ ما يعكس عدم شعبية هذه المقترحات لدى شعوبهم في الداخل. كما هددت المجر بعرقلة تقدم خطة الإنقاذ الخاصة بالاتحاد الأوروبي إذا دُمِجَت معايير سيادة القانون في آليات تخصيص تمويل الاتحاد الأوروبي.

العالم والاقتصاد

منذ 6 شهور
«الإندبندنت»: هذا ما حدث لاقتصادات أوروبا بسبب «حظر كورونا»

الصك المقترح من رئيس المجلس الأوروبي

ويستطرد التقرير قائلًا: وبينما اجتمع القادة الأوروبيون مجددًا في اجتماع المجلس الأوروبي يومي 17 – 18 يوليو (تموز)، اقترح رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل إنشاء «صندوق تفاوضي» منقّح للتجهيز للمناقشات. 

إن الوثيقة (مقترح مقدم من رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل أن تقدم المفوضية حزمة تجمع بين الإطار المالي متعدد السنوات (2021 – 2027) وحزمة الانتعاش الاقتصادي لمواجهة تداعيات جائحة كورونا) التي تحاول تجسير فجوة هذه الانقسامات داخل التكتل الأوروبي، تُعزز مطالب الإنعاش قصير المدى على حساب طموحات الاتحاد الأوروبي الأطول أمدًا. 

ويُدلل كاتبا التقرير على ذلك بالقول «على سبيل المثال تضع وثيقة المقترح مستهدفًا متزايد بنسبة 30% من التمويل تذهب إلى المشاريع ذات الصلة بالمناخ، وهو أمر ضروري للتحول الأخضر داخل الاتحاد». كما أن هذه الوثيقة تحافظ على الارتباط بين سيادة القانون وتمويل الاتحاد الأوروبي – بالرغم من معارضة بودابست – وهو أمرٌ بالغ الأهمية للمساءلة الداخلية وشفافية الاتحاد الأوروبي ومصداقيته الخارجية. 

بالإضافة إلى ذلك، تقترح الوثيقة سلسلة من الآليات الجديدة التي يُمكن للاتحاد الأوروبي من خلالها تحقيق زيادة مستدامة لإيراداته، والتي تشمل فرض ضريبة على البلاستيك وضرائب الكربون الحدودية الأكثر إثارة للجدل والضرائب الرقمية.

واستدرك التقرير قائلًا: لكن يتجلى قصور مقترحات ميشيل في عدة جوانب أخرى حاسمة. يتبدى هذا على وجه التحديد في بعض أهداف الاتحاد الأوروبي «الجيوسياسية» وهو ما عبرت عنه سابقًا رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لين، أو ذكرته الدعوات المتكررة من الممثل السامي للاتحاد المتكررة بأن على الاتحاد الأوروبي أن يتعلم استخدام لغة القوة.

مشاكل الهجرة تعود لصدارة اهتمام الاتحاد الأوروبي

وبالرغم من الخطابات المنمقة حول حاجة الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز قدرته على التعامل بمزيد من الاستقلالية في مجال الأمن والدفاع، فإن تخفيض الإنفاق – إذا اعتمد – في البرامج الموضوعية المهمة في هذا الشأن قد يُؤدي إلى خسارة كبيرة للزخم. 

على سبيل المثال، تواجه مبادرات الدفاع الرئيسة، مثل صندوق الدفاع الأوروبي وخطة التعبئة العسكرية، وفقا لمقترحات ميشيل، تخفيضات تبلغ حوالي 39 % و74 % على التوالي (إلى حوالي 7 مليار يورو للسابق و1.5 مليار يورو للاحق) مقارنة بالمقترح الأولي الذي طرحته المفوضية عام 2018.

طفل من اللاجئين السوريين وراء سياج مخيم في اليونان أوروبا اللاجئين كورونا

والأكثر من ذلك، ربما أدت المستجدات المأساوية على الحدود اليونانية – التركية في أوائل هذا العام إلى عودة مشاكل الهجرة لتتصدر مقدمة اهتمامات الاتحاد الأوروبي، لكن التمويل المخصص إجمالًا للهجرة وإدارة الحدود أقل بكثير مقارنة بالاقتراحات الأولية، وهذا يُعد مثالًا آخر على التناقض بين الأرقام المطروحة على الجدول اليوم، والأرقام التي رأتها مفوضية الاتحاد الأوروبي سابقًا ضرورية للتغلب على التحديات التي تواجهها الكتلة. 

وبالمثل، بموجب الاقتراح الأخير لرئيس المجلس، فإن التمويل المشترك المخصص للعمل الخارجي للاتحاد الأوروبي (تحت شعار «الجوار والعالم») أقل من الأرقام الواردة في إعلانات المفوضية في مايو (أيار)، أي من 118.2 إلى 113.9 مليار يورو إجمالًا. وهو ما يمثل زيادة مقارنة بميزانية الاتحاد الأوروبي السابقة، لكنه لا يتماشى مع التطلعات الطموحة التي اعترفت بها المفوضية في مايو، والتي أصبحت أكثر إلحاحًا بسبب الجائحة.

طموحات الاتحاد الأوروبي الدولية تتعطل لبعض الوقت

ويخلص التقرير إلى أن التوصل إلى صفقة في مفاوضات ميزانية الاتحاد الأوروبي كانت باستمرار مهمة عصيبة، إذ تتطلب تضحيات وتنازلات تحت ضغط العد التنازلي. وكان مستبعدًا تمامًا أن يكون عام 2020 استثناءً لهذه القاعدة؛ لكن الجائحة عقَّدت السياسات، وجعلت المخاطر تطل برأسها. 

ويختتم معهد «تشاتام هاوس» التقرير بالقول: «الخطر هو أن تُفضي مفاوضات الميزانية إلى تسوية، تقضي بتقديم حزمة دعم تمويلية تاريخية لإنعاش الاقتصاد المنكمش جراء فيروس كورونا المستجد، لكنها لا تُقدم دعمًا كافيًا لبعض العناصر الأساسية المدرجة على جدول أعمال الاتحاد الأوروبي على المدى الطويل، لا سيما طموحاته الدولية».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد