التوترات الداخلية والخلافات مع الولايات المتحدة أعجزت الكتلة الأوروبية عن اتخاذ موقف واضح بشأن إسرائيل وفلسطين

كتب باتريك وينتور، المحرر الدبلوماسي بصحيفة «الجارديان»، تحليلًا نشرته الصحيفة البريطانية بشأن موقف أوروبا من الصراع الدائر في غزة بين حماس وإسرائيل ومدى قدرة الاتحاد الأوروبي على أن يكون له دور في السياسة الخارجية كما هو الحال الآن؛ إذ رفضت أمريكا ثلاث مرات صدور بيان من مجلس الأمن بشأن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، في وقت تعاني فيه أوروبا حالة من الانقسام الغريب وتباين المواقف الذي يتضح في صورة عجز عن اتخاذ موقف.

ويستهل الكاتب تحليله بالقول: إذا أراد وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكين، أن يرمز إلى تصميم إدارة جو بايدن على عدم الزج ببلاده في قضية إسرائيل وفلسطين، فلن يكون بوسعه اختيار توقيت أفضل من ذلك لبدء رحلته الحالية إلى العاصمة الدنماركية كوبنهاجن، والعاصمة الآيسلندية ريكيافيك، ومدينة كانجرلوسواك في جرينلاند؛ البلد العضو في مملكة الدنمارك.

دولي

منذ 7 شهور
مترجم: بعد بريطانيا.. هل تنسحب فرنسا من الاتحاد الأوروبي؟

وقد تكون المناقشات المهمة بشأن القطب الشمالي وأزمة المناخ على جدول أعمال وزير الخارجية الأمريكي، لكن شمال أوروبا البارد (الذي ذهب إليه وزير الخارجية الأمريكي) يقع بعيدًا جدًّا عن الأنفاق (في غزة) ونيران الصواريخ، وصرخات أولئك الذين يعانون من الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط.

وقد يكون من الجيد أن بلينكين، في مكالماته العديدة التي أجراها على متن طائرته المتجهة إلى الدنمارك مع اللاعبين الإقليميين الرئيسيين، قد حقق مزيدًا من التقدم في دفع إسرائيل وحماس نحو وقف إطلاق النار الذي كانت الولايات المتحدة مترددة في المطالبة به علنًا.

جمود في الأمم المتحدة سببه أمريكا

واستدرك الكاتب قائلًا: لكن الجمود الذي أصاب مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة؛ إذ عارضت الولايات المتحدة أي تحرك نحو قرار يدعو إلى وقف إطلاق النار، جعل الاتحاد الأوروبي يفكر في مدى اختلاف الإدارة الجديدة حقًّا عن سابِقتها، على الأقل عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، كما جعلته يسأل كيف يمكن إقناع الولايات المتحدة بأن تكون أقل نفورًا وترددًا بشأن إنفاق رأس المال في البحث عن السلام في الشرق الأوسط.

ونتيجةً لذلك، اجتمع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، الذين غالبًا ما ساورهم القلق بسبب افتقارِهم إلى النفوذ في الشرق الأوسط، والذي يمكن أن يوفره لهم نفوذهم الاقتصادي، على نحو شبه عاجل يوم الثلاثاء لمناقشة كيفية تنسيق موقفهم.

Embed from Getty Images

وينقل الكاتب عن هيو لوفات، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية قوله، إن الاجتماع «قد يُنظر إليه على أنه انخراط في شؤون الشرق الأوسط بقدر ما هو إنجاز عملي».

وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية، غالبًا ما يتحدث قادة الاتحاد الأوروبي بصورة مقنعة عن الاستقلال الإستراتيجي عن الولايات المتحدة، ثم يجدون أنفسهم مكبَّلين في الممارسة العملية.

على سبيل المثال، لم يصدر وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي أي بيان جماعي بشأن إسرائيل منذ عام 2016. ومؤخرًا في فبراير (شباط) 2020، بعد اعتراف دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، عرقلت المجر وجمهورية التشيك ورومانيا ودول أخرى بيانًا للاتحاد الأوروبي ينتقد الخطة.

ويمضي الكاتب إلى أن الاتحاد الأوروبي يُعد أقوى مؤسسيًّا في السياسة الخارجية مما كان عليه في عام 1980، عندما أصدرت دُوَلُه التسع آنذاك إعلان البندقية، الذي أدَّى إلى الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، ولكن نفوذه السياسي قد انخفض، حسبما يُقال.

التباين في مواقف الدول الأوروبية

وشدد الكاتب على أن التوترات موجودة داخل الدول الأعضاء وكذلك بينها. وفي ألمانيا، تعرَّضت إحدى أقوى مؤيدي إسرائيل، مرشحة حزب الخضر لمنصب المستشارية، أنالينا بيربوك، لضغوط من السياسيين من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم لتوضيح التصريحات التي أدلت بها في عام 2018 بشأن شحنات الأسلحة إلى إسرائيل. وكانت في الأيام الأخيرة صريحة في إدانة حماس.

وفي النمسا، رفع سيباستيان كورتس العلم الإسرائيلي فوق المستشارية النمساوية، في لفتةٍ دفعت وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، إلى إلغاء زيارته إلى فيينا، حيث وصلت المحادثات النووية إلى مرحلة حرجة. وعلى النقيض من ذلك، أصدرت الخدمة الدبلوماسية الفرنسية تسعة بيانات تدعو إلى ضبط النفس منذ 26 أبريل (نيسان). وفي إيطاليا، رفض العمال تحميل أسلحة في ميناء ليفورنو كانت متجهة إلى إسرائيل، ودعا وزير الخارجية الإيطالي، لويجي دي مايو، الاتحاد الأوروبي إلى تبني موقف واضح وموحَّد.

قدرة أوروبا على الوساطة محدودة

ويوضح الكاتب أن قدرة الاتحاد الأوروبي على الوساطة محدودة، لأنه همَّش نفسه برفضه التحدث إلى حماس مباشرةً أو حتى من خلال مبعوثين. ودور الوساطة تقوده الولايات المتحدة ومصر والأردن وقطر. وبدلًا من ذلك، يتخصص الاتحاد الأوروبي في دفع فاتورة إعادة إعمار غزة.

Embed from Getty Images

ومع ذلك، كان من المدهش في اجتماع مجلس الأمن الدولي يوم الأحد مدى اختلاف الصوت الأوروبي عن الولايات المتحدة. وتبنَّى سيمون كوفيني، وزير خارجية أيرلندا، والذي غالبًا ما يُنظر إليه على أنه أحد أقرب الحلفاء لإدارة بايدن، أقوى لهجةً تجاه إسرائيل والولايات المتحدة.

وقال إنه كان من الأهمية بمكان أن تتحدث الأمم المتحدة بصوت واحد، وأنها لم تتمكن من ذلك حتى الآن، في إشارة إلى المعارضة التي أبْدَتها الولايات المتحدة تجاه أي قرار يدعو إلى وقف إطلاق النار. ووعد بأن يكون الأمر «غير مريح للغاية» لأولئك الذين يقاومون دعوات وقف إطلاق النار.

وفضَّلت الولايات المتحدة بدلًا من ذلك الدعوة إلى «تهدئة مستدامة»، وهي صياغة تمنح مهلة لإسرائيل لمواصلة القصف حتى تثق بأنها قد أبطلت فعالية البنية التحتية العسكرية لحماس.

وهناك قلق أكبر يساور الاتحاد الأوروبي، وهو إلى أي مدى ستتعامل إدارة بايدن مع الاتحاد الأوروبي بصفته شريكًا مماثلًا ذا قيمة. وفي زيارته لبروكسل في مارس (آذار)، تعهد بلينكين باستشارة حلفائه «مسبقًا (قبل اتخاذ قرار) وعلى نحو متكرر».

بلينكين قطع وعدًا بتغيير التعامل عبر الأطلسي

وقال بلينكين: «في كثير من الأحيان في السنوات الأخيرة، يبدو أننا في الولايات المتحدة نسينا من هم أصدقاؤنا. حسنًا، لقد تغير هذا بالفعل».

ويُعاد الآن تقييم قيمة هذا الوعد عبر الأطلسي. إنَّ رفض الولايات المتحدة ثلاث مرات السماح لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بإصدار بيان بشأن ما يجري في الشرق الأوسط مجرد مثال على ذلك.

وكان انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان قرارًا اتخذته الولايات المتحدة، وأُبلِغ به «الناتو». ولم يلقَ اقتراح مفوضية الاتحاد الأوروبي بشأن مجلس التجارة والتكنولوجيا عبر المحيط الأطلسي أي استجابة حتى الآن.

Embed from Getty Images

والتهديد بفرض عقوبات على خط أنابيب «نورد ستريم2» لا يزال قائمًا. وفي الشهر الماضي، دعم فريق بايدن على نحو مفاجئ عمليات نقل براءات اختراع اللقاح الإجباري بعد ساعات من إعلان مجموعة الدول الصناعية السبع (G7) الفكرة في بيان مُصاغٍ بعناية. ولا تزال هناك حدود تقف أمام تعددية الأطراف.

واختتم الكاتب تحليله منوِّهًا إلى أن نوربرت روتجن، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الألماني، قال مؤخرًا خلال ندوة بشأن المشورة العالمية؛ إن أوروبا لا ينبغي أن تكون ساذجة بشأن الولايات المتحدة أو تصميم الأخيرة على التركيز على أولويتها الرئيسة، وهي «التنافس الشامل مع الصين».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد