نشر الصحافي سايمون هوبر مقالًا على موقع «ميدل إيست آي» البريطاني حول صفقاتٍ مقترح إبرامها بين الاتحاد الأوروبي ودولٍ في الشرق الأوسط، وذلك لتبادل بيانات المشتبه بهم بين الشرطة الأوروبية «اليوروبول» وأجهزة إنفاذ القانون في هذه الدول.

يُشدد الكاتب على أنَّ مثل هذه الاتفاقيات من شأنها أن تسمح بتبادل البيانات الشخصية للأفراد، بما في ذلك معتقداتهم الدينية والسياسية، وتوجهاتهم الجنسية، وعضوياتهم في النقابات، وذلك في حالة الضرورة القصوى. إلا أنَّه يُحذِّر من تبعات هذه الصفقات، خاصةً في ظل انتهاكات حقوق الإنسان الأساسية في بعض هذه الدول، وعلى رأسهم مصر، التي نفذَّت مؤخرًا حكمًا جماعيًا بالإعدام على مجموعة من الأفراد قالوا إنَّهم اضطروا إلى الاعتراف تحت وطأة التعذيب.

منظمة العفو طالبت بإنقاذهم.. 9 شباب مصريين أعدموا والاعترافات كانت تحت التعذيب

وإليكم النص الكامل للمقال:

بدأ مسؤولو الاتحاد الأوروبي مباحثاتٍ مع نظرائهم في العديد من دول الشرق الأوسط، بما في ذلك مصر وتركيا، حول صفقات مقترحة لتشارك البيانات، من شأنها أن تسمح للشرطة الأوروبية «اليوروبول» بتبادل المعلومات الشخصية حول المشتبه بهم مع سلطات إنفاذ القانون الوطنية.

وفي بعض الظروف، يمكن أن تسمح الصفقات بنقل البيانات المتعلقة بأصل الشخص وعرقه، وآرائه السياسية ومعتقداته الدينية، وعضوياته النقابية، وكذلك بياناته الوراثية، والبيانات المتعلقة بصحته وحياته الجنسية.

يسعى الاتحاد الأوروبي لإبرام هذه الصفقات في إطار جهوده الرامية إلى تعزيز العمل الشرطي المتعلق بمكافحة الإرهاب في أنحاء القارة، على الرغم من المخاوف التي تثيرها هيئة الإشراف الأوروبية على حماية البيانات بشأن سجلات حقوق الإنسان الخاصة بهذه الدول.

منذ بداية عام 2019، أعدم النظام المصري عددًا من السجناء المدانين، في قضايا قال العديد منهم في محاكماتها إنَّهم اضطروا للإدلاء باعترافاتٍ كاذبة تحت وطأة التعذيب. وصدرت أحكام بالإعدام على مئات آخرين، فيما وصفته منظمة «ريبريف» الحقوقية المناهضة لعقوبة الإعدام «بأزمةٍ حقوقية متكاملة الأركان»، منذ أن استولى الرئيس عبد الفتاح السيسي على السلطة إثر انقلابٍ في عام 2013.

أما البلدان الأخرى التي يسعى الاتحاد الأوروبي إلى عقد صفقاتٍ لمشاركة البيانات معها فهي إسرائيل والجزائر والأردن، ولبنان والمغرب وتونس وتركيا.

وقال متحدث باسم المفوضية الأوروبية، وهي الهيئة الإدارية للاتحاد الأوروبي التي تقود المحادثات، لموقع «ميدل إيست آي»: إنَّ المفاوضين عقدوا جولةً أولى من المحادثات مع تركيا ببروكسل في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي. وأضاف أنَّ المفوضية عقدت أيضًا اجتماعًا مع ممثلين من الجزائر ومصر والأردن ولبنان والمغرب وتونس في 3 ديسمبر (كانون الأول) «لمناقشة فرص التعاون بين اليوروبول (وكالة إنفاذ القانون في الاتحاد الأوروبي) وجهات إنفاذ القانون في تلك الدول».

وقالت مايا فوا، مديرة منظمة «ريبريف»، لموقع «ميدل إيست آي»: «من الأمور المثيرة للقلق للغاية أنَّ الاتحاد الأوروبي يسعى إلى توثيق العلاقات مع الأجهزة الأمنية المصرية، التي تورطت في انتهاكات واسعة النطاق، بما في ذلك التعذيب وإصدار مئات من أحكام الإعدام في إطار محاكماتٍ جماعية.. على الاتحاد الأوروبي أن يدعو السيسي لوضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان المروعة التي أدت إلى إصدار أحكام الإعدام الجماعية هذه، وضمان ألا يؤدي أي تبادل للمعلومات إلى تواطؤ الاتحاد الأوروبي في نظام عقوبة الإعدام الوحشي في مصر».

من جانبها، قالت ليزلي بيكيمال، مسؤولة ملف الاتحاد الأوروبي في معهد القاهرة لحقوق الإنسان: «هذا تطور مثير للقلق للغاية. العديد من الدول الأوروبية تتعاون بالفعل مع مصر بشكلٍ ثنائي على هذا النحو، وبدرجاتٍ متفاوتة».

وأضافت: «تحرُّك الاتحاد الأوروبي لفعل الشيء نفسه سيؤدي إلى مزيدٍ من تطبيع التعاون مع أجهزة الأمن المصرية، المعروفة بانتهاكها الممنهج للحقوق. استُخدمت هذه الانتهاكات مرارًا وتكرارًا كوسيلة لانتزاع الاعترافات من أشخاصٍ اتُهموا في قضايا متعلقة بالإرهاب، وتعرضوا بعد ذلك لمحاكماتٍ جائرة قد تؤدي إلى أحكامٍ بالسجن المؤبد أو عقوبة الإعدام».

الدول «المنتهكة للحقوق الأساسية»

دعت المفوضية إلى الاتفاق على ترتيبات مشاركة البيانات مع البلدان الثمانية كجزءٍ من مجموعة تدابير مكافحة الإرهاب التي كُشف عنها في أكتوبر (تشرين الأول) 2017.

وقد وافق كلٌ من المجلس الأوروبي، المكون من قادة الدول الثمانية والعشرين الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، والبرلمان الأوروبي على المفاوضات، رغم أنَّ البرلمان الأوروبي أثار أيضًا مخاوف بشأن سجل مصر في مجال حقوق الإنسان في قرارٍ له صدر العام الماضي. وتشدد كلتا الهيئتين على أنَّ أي اتفاقيات نهائية يجب أن تشترط على هذه الدول بأن تضع قوانين لحماية البيانات بها بما يتماشى مع معايير الاتحاد الأوروبي، وتطبيق ضمانات تكفل احترام حقوق الإنسان.

وتقول لجنة الحريات المدنية التابعة للبرلمان الأوروبي: إنَّه لا تزال هناك حاجة لإجراء تقييمٍ دقيق للأثر، لتقييم المخاطر التي تفرضها الصفقات المقترحة، وسيتعين على البرلمان الموافقة عليها قبل توقيع أي اتفاقيات نهائية.

وفي ورقة رأي نُشرت في العام الماضي، قالت هيئة الإشراف الأوروبية على حماية البيانات أيضًا إنَّ هناك حاجة إلى ضماناتٍ وإجراءاتٍ وقاية إضافية لضمان أنَّ عمليات نقل البيانات لا تنتهك حقوق الإنسان. وأوصت أيضًا بأن تشمل أي اتفاقية ضماناتٍ بعدم استخدام البيانات المنقولة من الشرطة الأوروبية في حالات قد تؤدي إلى صدور أحكام بالإعدام، مشيرةً إلى أنَّ إسرائيل فقط من بين البلدان الثمانية قد ألغت عقوبة الإعدام.

وتقول الورقة: «تذكر هيئة الإشراف الأوروبية على حماية البيانات أنَّ بعضًا من هذه الدول التي من المتوقع أن تتعاون معها الشرطة الأوربية تبَّين خرقها لهذه الحقوق الأساسية.. وأشارت لجنة مناهضة التعذيب بالأمم المتحدة إلى أوجه قصور خطيرة في بعض هذه البلدان فيما يتعلق بحالات التعذيب والمعاملة السيئة المبلغ عنها، ووضع أماكن الاحتجاز، واستخدام أدلة انتُزِعت بالإكراه، وعدم وجود ضمانات أساسية للمحتجزين، وكذلك الظروف المعيشية في مخيمات اللاجئين».

تبادل بيانات الحياة الجنسية عند «الضرورة القصوى»

توضح التوجيهات التي أصدرتها المفوضية لمفاوضيها كأساسٍ لتبادل البيانات في المستقبل مع كل دولة أنَّ الاتفاقات ينبغي أن تُسهِّل «التعاون المتبادل في منع ومكافحة الجرائم الخطيرة العابرة للحدود الوطنية والإرهاب». لكن ينبغي أيضًا أن «تكفل الضمانات المناسبة فيما يتعلق بحماية الخصوصية، والبيانات الشخصية، والحقوق والحريات الأساسية للأفراد».

لكن يبدو أيضًا أنَّها تترك الباب مفتوحًا لتبادل البيانات الشخصية المتعلقة بالمعتقدات السياسية والدينية، وحتى التفاصيل المتعلقة بالحياة الجنسية للمشتبه بهم، في الحالات التي يُعتبر فيها تبادل هذه البيانات «ضروريًا ومتناسبًا».

وبحسب التوجيهات: «يُحظر نقل البيانات الشخصية التي تكشف عن الأصل العرقي أو الإثني، أو الآراء السياسية، أو المعتقدات الدينية أو الفلسفية، أو العضوية النقابية، أو البيانات الوراثية، أو البيانات المتعلقة بصحة الشخص أو حياته الجنسية من طرف الشرطة الأوروبية، ما لم يكن ذلك ضروريًا للغاية ومتناسبًا في الحالات الفردية لمنع أو مكافحة الجرائم الجنائية على النحو المشار إليه في الاتفاقية، وخاضعًا لضمانات مناسبة».

وعن ذلك الأمر، قال إبراهيم حلاوة، وهو مواطن أيرلندي اعتُقل في مصر عام 2013 حين كان يبلغ من العمر 17 عامًا، واحتُجز في السجن لأكثر من أربع سنوات، إنَّ المشاركة المحتملة للبيانات بين قوات الشرطة المصرية والأوروبية مثيرة للقلق.

وأضاف حلاوة، الذي اعتُقل عندما اقتحمت قوات الأمن مسجدًا بالقاهرة حيث اختبأ متظاهرون مناهضون للحكومة: «من المثير للقلق أن نرى دولًا تمارس الديمقراطية وتدعو إليها تدعم دولة استبدادية تنتهك بوضوح حقوق الإنسان وحرية التعبير».

قُدِّم حلاوة للمحاكمة مع مئاتٍ آخرين بتهم يُعاقب عليها بالإعدام، لكنَّه بُرِّئ في نهاية الأمر.

وأضاف قائلًا: «إنَّه أمر مثير للقلق بالنسبة للمصريين الذين يعيشون في الخارج، وللأشخاص من جميع دول الشرق الأوسط. إنَّهم يوصلون رسالة للناس أنَّهم ليسوا آمنين لأنَّنا نستطيع أن نرسل بياناتكم للمستبدين والقتلة في بلدان أخرى … إذا نظرت إلى معنى الإعدام، فإنَّه ليس مجرد شخص يحصد روح شخص آخر، بل يشمل أيضًا أولئك الذين يساعدون في جعل الإعدام ممكنًا».

وأضافت بيكيمال، من معهد القاهرة لحقوق الإنسان، أنَّ تبادل البيانات بين قوات الشرطة قد يزيد من تعرض النشطاء والمعارضين والمنفيين المقيمين في أوروبا للخطر.

وقالت: «يمكن أن تنطوي اتفاقية مشاركة البيانات على تهديداتٍ إضافية للمدافعين عن حقوق الإنسان، وللنشطاء السلميين، ولأي مواطن يحاول الهروب من القمع الذي تمارسه قوات الأمن المصرية وقوات الأمن في دول أخرى في منطقة الشرق الأوسط بالسفر إلى أوروبا، لأنَّ مثل هذه الاتفاقيات تجعل البيانات الشخصية متاحة أمام أجهزة إنفاذ القانون غير المكترثة، التي يمكنها ترحيل هؤلاء المواطنين، أو إبلاغ السلطات المصرية عن مكانهم».

وفي قرارٍ له صدر في ديسمبر (كانون الأول)، أعرب البرلمان الأوروبي عن «قلقه الشديد إزاء المحاكمات الجماعية التي تُجريها المحاكم المصرية، والعدد الكبير من أحكام الإعدام والسجن المؤبد التي تصدرها».

ودعا الاتحاد الأوروبي إلى وقف «تصدير تكنولوجيا المراقبة والمعدات الأمنية إلى مصر، والتي يمكن أن تُسهِّل الهجمات ضد المدافعين عن حقوق الإنسان ونشطاء المجتمع المدني، بما في ذلك الحملات على شبكات التواصل الاجتماعي».

ودعا أيضًا الدبلوماسية البارزة في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موجيريني والدوائر الدبلوماسية إلى «إعطاء الأولوية لوضع المدافعين عن حقوق الإنسان في مصر، وإدانة وضع حقوق الإنسان المقلق في البلاد، بما في ذلك استخدام عقوبة الإعدام.. وأن يستخدموا جميع وسائل التأثير المتاحة للضغط على مصر من أجل تحسين وضع حقوق الإنسان لديها، ووقف عمليات الإعدام المرتقبة».

من المقرر أن تشارك موجيريني وغيرها من القادة والمسؤولين الأوروبيين في قمةٍ للاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية في مدينة شرم الشيخ اليوم وغدًا، الأحد والاثنين 24 و25 فبراير (شباط).

راسل زعماء المعارضة المصرية يوم الجمعة الماضي، موجيريني وقادة الاتحاد الأوروبي الآخرين لحثهم على مقاطعة القمة، محذرين من أنَّ عمليات الإعدام في طريقها لأن تصبح حدثًا أسبوعيًا. وصرح متحدث باسم المفوضية لموقع «ميدل إيست آي» أنَّه لم يُتفق على إجراء أي محادثات أخرى حول التعاون في مجال إنفاذ القانون بين مسؤولي الاتحاد الأوروبي والمسؤولين من الدول الست في جامعة الدول العربية في القمة.

وردًا على سؤالٍ حول ما إذا كانت عمليات الإعدام الأخيرة في مصر ستؤثر على تقدم المحادثات الخاصة بتبادل البيانات، قال المتحدث: «اعتبارات حقوق الإنسان تؤدي دورًا مهمًا في التعاون بين أجهزة إنفاذ القانون، وفي أي مفاوضات تجري في هذا السياق.. أما بالنسبة لعمليات الإعدام الأخيرة، فإنَّ الاتحاد الأوروبي يعارض بشكل قاطع استخدام عقوبة الإعدام في جميع الحالات وتحت أي ظروف، ويطالب باستمرار بإلغاء هذه العقوبة في العالم أجمع».

مترجم: كيف رسخ النظام المصري قواعده وأسكت أصوات المعارضة حتى الموالية له؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد