«القارة العجوز» مصطلح يطلقه الكثيرون على أوروبا؛ بسبب ارتفاع متوسط أعمار مواطنيها، وقلة عدد المواليد الجدد مقارنة بارتفاع أعداد كبار السن. عن هذا الموضوع كتب نيكولاس جايلي مقالًا في مجلة فورين بوليسي الأمريكية، حذر فيه من أن زيادة الهجرة وارتفاع معدلات الخصوبة لا تكفي لتغيير مسار الشيخوخة التي تزحف على المجتمع في أوروبا، وبالتالي لا بد من وجود استراتيجية لتفادي وقوع كارثة.

تُرجّح الرواية الدارجة بشأن شيخوخة أوروبا أن ثمة مستقبلًا قاتمًا ينتظر الأوروبيين، إذ يخشى الكثيرون من تراجع مستويات المعيشة في ظل تزايد عدد الأشخاص الذين يعتمدون على الخدمات الاجتماعية، أو انفجار «قنبلة سكانية موقوتة» على حد تعبير صحيفة «فاينانشيال تايمز» الأسبوع الماضي.

وفي إطار اعترافها بهذا القلق، عَيّنت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، مؤخرًا نائبًا لرئيس شؤون الديمقراطية والسكان، بهدف إطلاق نقاش عام حول الشيخوخة والأشخاص الذين يمكن أن يتضرروا من ذلك الوضع، ويتركوا بدون حماية اجتماعية أو بنية تحتية مناسبة.

العالم والاقتصاد

منذ 4 سنوات
كيف ستدمر «الشيخوخة» الدول الكبرى اقتصاديًّا وعسكريًّا؟

أوروبا تحتاج إلى دماء جديدة

وأضاف الكاتب أن «المناقشات التي دارت حول كيفية حل مشكلة الشيخوخة في أوروبا اكتسبت مكانة بارزة خلال أزمة اللاجئين الأوروبية في عام 2015. وجادل كثيرون بأن الهجرة الجديدة ضرورية للحفاظ على النظم الاجتماعية في أوروبا. وقال الأمين العام للأمم المتحدة في ذلك الوقت، بان كي مون، في بروكسل عام 2015: «المعادلة واضحة: تحتاج أوروبا إلى المهاجرين؛ من أجل مواجهة العجز في القوى العاملة والحفاظ على ديناميتها الاقتصادية». فيما قال وزير الخارجية الإسباني آنذاك جوزيب بوريل، الذي أصبح ممثلًا ساميًا للاتحاد للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في عام 2018: «نحتاج إلى دماء جديدة، إذا أردنا أن لا أن نتحول إلى قارة عجوز».

ويتابع الكاتب: «كما تسببت الأزمة أيضًا في فتح تحقيق استغرق ثلاث سنوات من جانب المفوضية الأوروبية حول المستقبل السكاني للاتحاد الأوروبي، وقد شاركتُ به مؤلفًا مشاركًا». وتوضح نتائج التحقيق، التي نشرت في يونيو (حزيران) الماضي، حقيقة ثابتة، وهي أن زيادة معدلات الهجرة أو ارتفاع معدلات الخصوبة لن تغير التحوُل الحاشد نحو مجتمع مسن وقوى عاملة ضعيفة.

حاجة أوروبا لتغيير نهجها في التعامل مع الهجرة

وبغض النظر عن السياسات التي تتبناها الدول الأوروبية على مدار العقد المقبل، يستبعد الكاتب أي احتمال لإنقاذ أوروبا من شيخوختها بشكل حقيقي. لكن على المدى الطويل، يكون للهجرة تأثيرات محدودة على شيخوخة السكان، لأن الوافدين الجدد سيصبحون من كبار السن حتمًا، ما يضيف المزيد إلى السكان العاملين وغير العاملين بمرور الوقت. وحتى إذا تغلبت دول الاتحاد الأوروبي على وجهات نظرها المختلفة واتحدت وراء نهج منفتح في التعامل مع الهجرة مثلما تفعل كندا، باستيعاب أكثر من 100 مليون شخص بحلول عام 2060، فإن متوسط العمر في أوروبا سيستمر في الصعود.

ويتابع الكاتب أنه «يمكن ملاحظة المخاطر الحقيقية لشيخوخة المجتمع من خلال نسبة الأشخاص الذين يعتمدون على القوى العاملة، وهي نسبة الأشخاص الذين لا يدعمون أنفسهم في مقابل نسبة العمال المنتجين. على سبيل المثال، دفع هذا الاختلال في التوازن الحكومة الفرنسية إلى التخطيط لإصلاحات المعاشات التقاعدية، مما أدى في الآونة الأخيرة إلى شهر من الإضرابات واحتجاجات القطاع العام».

Embed from Getty Images

ويعتمد المراقبون غالبًا على مؤشرات مبسطة، بافتراض أن البنية العمرية وحدها هي التي تحدد الصحة المستقبلية للقوى العاملة. لكن هذه المقاييس تتجاهل ثلاثة تحولات رئيسية تتعلق بالمشاركة في العمل والتعليم، والتي يمكن أن تساعد في الحفاظ على شبه التوازن الحالي بين الأشخاص المُعَالين والعمال في أوروبا:

أولًا، يتمتع الأوروبيون بمتوسط أعمار أطول مع صحة جيدة لسنوات عديدة أكثر من أي وقت مضى، وذلك بسبب التقدم الطبي وأنماط الحياة الصحية. هذا يعني أنه يمكنهم البقاء نشطين في ميدان القوة العاملة لفترة أطول، مما يستدعي عملية إعادة تقييم أساسية عندما تنتهي حياة العمل وتبدأ الشيخوخة في العديد من المجتمعات. وتتخذ 10 دول في الاتحاد الأوروبي إجراءات حصيفة من خلال ربط سن التقاعد بالعمر المتوقع، مما يحد من متوسط عدد سنوات الإعالة في وقت لاحق من الحياة.

ثانيًا، مشاركة الإناث المتزايدة في العمل تحوِّل جزءًا كبيرًا من سكان أوروبا من كونهم معالين إلى عمال. وتدخل الشابات بشكل متزايد إلى قوة العمل الأوروبية، مما يعني أن عدد الأشخاص الذين يعملون بات أكثر من أعدادهم في الأجيال السابقة. هذا الاتجاه لا يأتي بالضرورة على حساب الإنجاب. وتحافظ الدول الإسكندنافية على نسبة مشاركة عالية من الإناث في العمل (بين 75 و82 في المئة) ومعدلات خصوبة عالية نسبيًّا (من 1.71 إلى 1.85 مولود لكل امرأة) من خلال تقديم ترتيبات عمل مرنة وإجازة أمومة ممتدة ورعاية يومية مدعومة بشدة.

وإذا عزز الاتحاد الأوروبي تدريجيًّا معدلات المشاركة في العمل بالنسبة للرجال والنساء لتتناسب مع تلك الموجودة في السويد اليوم، سيحد من الارتفاع المفاجئ في عدد المعالين بنحو 30 في المئة بحلول عام 2060. ويعود ارتفاع مشاركة السويد في العمل جزئيًّا إلى سياسات التحفيز، بما في ذلك ائتمانات ضريبة الدخل المكتسبة، وفرض ضرائب منفصلة مع خفض معدلات العمل بدوام جزئي، ومعايير أكثر صرامة للتأهل للحصول على استحقاقات ومعاشات العجز.

وربما تكون بولندا والمجر، اللتان لديهما سياسات هجرة غير ليبرالية، أكثر المؤيدين للولادة صراحة في الاتحاد الأوروبي، حيث تتبنّيان دعم الدولة للخصوبة من أجل تعزيز القوى العاملة لديهما على المدى الطويل. وتوفر بولندا للآباء الجدد بدلًا شهريًّا كبيرًا مقابل كل طفل. 

Embed from Getty Images

وفي غضون ذلك، قامت المجر بتوسيع رياض الأطفال، كما قدمت قروضًا مدعومة للمنازل والسيارات، وتختبر حتى الآن تجربة تقديم إجازة للأجداد الجدد الذين لم يتقاعدوا بعد. وتظهر معدلات الولادة في هذه البلدان علامات على الانتعاش، لكن في الوقت الحالي لا تزال الهجرة إلى أوروبا الغربية تطغى على التداعيات.

ومن بين السيناريوهات المختلفة الموضحة في دراسة المفوضية الأوروبية، فإن أكثر اتجاه شبابي ممكن لمستقبل الاتحاد الأوروبي نتج عن دفعة نظرية لتحقيق توازن أفضل بين العمل والأسرة، يدعم النساء حتى تتمكنّ من إنجاب عدد من الأطفال أقرب مما يريدون: 2.3 طفل، أو أعلى قليلًا من مستوى الاستبدال. لكن سد الفجوة بين الخصوبة الفعلية والمطلوبة لن يجلب المزيد من الاستقرار السكاني إلا بعد عقود، وهو هدف للبلدان التي يمكنها أن تبني تخطيطها على النطاق الزمني لأجيال.

مستقبل القوى العاملة في الاتحاد الأوروبي

والتحول الرئيسي الثالث الذي يرصده المقال هو أن مستقبل القوى العاملة في الاتحاد الأوروبي سوف يبدو مختلفًا عن اليوم. ومن المتوقع أن يكون العمال أكثر تعليمًا، مع عدد أقل بكثير من الأشخاص الذين يتوقفون في تعليمهم عند المرحلة الثانوية أو قبلها. كما أنه من المتوقع أن يزداد عدد العمال الذين يحصلون على التدريب الفني أو الجامعي إلى حوالي 40 مليون شخص بحلول عام 2060، أي ما يقرب من 60 في المئة من القوة العاملة.

وربما تكون القدرة على التكيف في مواجهة الذكاء الاصطناعي والأتمتة (اعتماد الآلة) أكبر مصدر لقوة عاملة أفضل تعليمًا. ولا يتفق الاقتصاديون على التأثير النهائي لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي من حيث الوظائف المفقودة أو التي يجري توفيرها، لكنهم يتوقعون حدوث اضطرابات هائلة للوضع الراهن. 

ولتعظيم الفوائد المستقبلية لنظام تعليم أكبر لما بعد المرحلة الثانوية، يجب على المسؤولين التأكد من أن المناهج تضع في اعتبارها المهارات المطلوبة في سوق العمل. 

في الختام يقول الكاتب «إن توقع الأوروبيين أن يعيشوا حياة أطول يتمتعون فيها بصحة جيدة هو إنجاز تاريخي. فشيخوخة السكان علامة على النجاح. وفي الواقع، ينتقل جميع سكان العالم تقريبًا الآن إلى مراحل عمرية أكبر، وتقف أوروبا في صدارة ذلك أكثر من غيرها. هذه الحدود الديموجرافية الجديدة تدعو إلى وضع توقعات واقعية ورؤية طويلة الأجل قابلة للحياة. فشيخوخة السكان أمر لا مفر منه ، لكن يمكن التحكم فيها».

تاريخ

منذ 7 شهور
مترجم: 8 خبراء يجيبون.. هل يعد الاتحاد الأوروبي ناجحًا أم فاشلًا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد