كتب إيشان ثارور تحليلًا في صحيفة «واشنطن بوست» حول أزمة اللاجئين الحالية بين تركيا واليونان؛ بعدما فتحت أنقرة الأبواب أمام هجرة السوريين المقيمين على أراضيها إلى أوروبا، في حين تصدت اليونان لأفواجهم وقواربهم بإطلاق الغاز المسيل للدموع والطلقات التحذيرية، مما يضع أوروبا كلها في مأزق. ويرى الكاتب أن الاتفاق التركي الأوروبي، الذي لم يلتزم الاتحاد الأوروبي بشروطه، أبرم على أساس المنفعة، ولم يهتم بحل الأزمة من جذورها. 

ويستهل الكاتب تحليله بالقول: نحن نشاهد الكابوس نفسه يتكرر بكل حذافيره مرة أخرى. ففي المنطقة الموجودة على طول حدود الاتحاد الأوروبي، تضرب قوات الأمن المهاجرين الذين تقطعت بهم السبل بالغاز المسيل للدموع، وتفرِّقهم بعنف. في يوم مشمس، يواجه خفر السواحل اليوناني زورقًا مطاطيًّا يحمل طالب اللجوء أثناء عبوره بحر إيجه. وبدلًا من تقديم المساعدة، تسعى الدورية البحرية إلى تخويف اللاجئين وإطلاق طلقات تحذيرية باتجاههم. وعلمنا فيما بعد أن طفلاً واحدًا على الأقل غرق بعد انهيار قارب اللاجئين.

هذه ليست ذكريات مأساوية لخروج اللاجئين السوريين في عام 2015 إلى أوروبا، ولكنها مشاهد من الأيام القليلة الماضية. بعد أن كانت تركيا قد أخذت أهبتها وأغلقت حدودها، ها هي تفتح بواباتها مرة أخرى، وتسمح لآلاف المهاجرين من الأراضي التي مزقتها الحرب – غالبيتهم من السوريين أو الأفغان – بالعبور عن طريق البحر أو البر إلى اليونان في محاولة لطلب اللجوء في الاتحاد الأوروبي. ولكنهم يصطدمون وجهًا لوجه مع أوروبا، التي لا يوجد بها موطئ قدم لآمالهم وأحلامهم، في ظل تراجع التعاطف مع محنتهم.

دولي

منذ 3 أسابيع
أردوغان أم بوتين.. من المنتصر حتى الآن في معركة «درع الربيع» بإدلب؟

تركيا تعاني من العبء المالي لأزمة المهاجرين

يضيف ثارور: الجغرافيا السياسية هي التي تحفز موجة التدفق الجديدة. وأوضحت المراسلة سارة دادوش، التي تنقل ما يحدث عند نقطة حدودية مشتعلة على طول نهر تراقيا الضيق، الذي يفصل تركيا واليونان، قائلة: «أغلقت تركيا أبوابها المفضية إلى اليونان بعد اتفاق مع الاتحاد الأوروبي في عام 2016، في مقابل الحصول على أموال من الاتحاد الأوروبي للمساعدة في تحمل العبء المالي لأزمة المهاجرين: وتستضيف تركيا اليوم أكثر من ثلاثة ملايين سوري – أكثر من أي بلد آخر في العالم».

لكن أنقرة شعرت بالإحباط إزاء ما ترى أنه افتقار إلى المساعدة الغربية في التعامل مع أعباء اللاجئين الملقاة على عاتقها، وحل الأزمة السورية المتاخمة لها. وشهد الشهران الماضيان تقدمًا كبيرًا لقوات الرئيس السوري، بشار الأسد، في عمق محافظة إدلب، وهي المعقل الوحيد للمعارضة في شمال غرب البلاد. واحتمال سعي أكثر من مليون سوري نازح حديثًا إلى الفرار من الأسد هو أمر غير مقبول بالنسبة للأتراك، الذين يخوضون حربًا فعلية مع النظام السوري، بحسب التحليل.

Embed from Getty Images

قُتل العشرات من الجنود الأتراك الأسبوع الماضي في غارات جوية، ودكَّت طائرات حربية وطائرات بدون طيار تركية المواقع السورية في نهاية الأسبوع. في الوقت نفسه، خفف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان القيود التي تفرضها بلاده على حدودها في محاولة للضغط على حلفاء الناتو والشركاء الأوروبيين.

وقال أردوغان في خطاب بثه التلفزيون يوم الاثنين: «إن كلمات الغرب الخيالية، التي تنبع من الخوف من المهاجرين، ليس لها نتيجة ملموسة في الواقع. إنهم يقولون: «لا تفتح البوابات». لكني أخبرتهم منذ أشهر أنه «إذا لم تشتركوا معنا في حمل هذا العبء، فسوف نفتح البوابات». لكنهم ظنوا أننا نمزح».

حوصر الآلاف من المهاجرين الذين يحاولون باستماتة الوصول إلى أوروبا في تبادل لإطلاق النار. وتعكر مزاج الجمهور التركي بسبب تكاليف استضافة ملايين اللاجئين السوريين، مع استمرار سنوات الصراع. ويتحدث بعض المهاجرين في تركيا عن كراهية الأجانب المتزايدة. في غضون ذلك، ما تزال اليونان تستضيف ما يقرب من 40 ألف مهاجر في مخيمات متداعية في جزر بحر إيجة، وتضع في اعتبارها الإبقاء عليهم بعيدًا عن البر الرئيسي الأوروبي. الظروف هناك بائسة، مثلما أفاد المراسل شيكو هارلان الشهر الماضي، مع نقص الغذاء والصرف الصحي السيئ، وتزايد التوترات مع السكان المحليين.

مخيمات المهاجرين في اليونان تشبه الجحيم

وقال ماركو ساندرون، المنسق الميداني لمنظمة أطباء بلا حدود في جزيرة ليسبوس، لهارلان: «يمكنك الحصول على بيرة في الميناء، وبعد 10 دقائق بالسيارة ترى سجنًا في الهواء الطلق. لا توجد مرحلة انتقالية هنا بين الجنة والجحيم».

وشجبت الحكومة اليونانية ما عدته «غزوًا»، وأوقفت مؤقتًا تسجيل طلبات اللجوء التي يتقدم بها أولئك من يعبرون الحدود بشكل غير قانوني، وقد تحاول «إعادة» الوافدين الجدد قسرًا دون تسجيل طلباتهم. 

وحذرت إيف جيدي من منظمة العفو الدولية من أن «التدابير التعسفية التي تتخذها السلطات اليونانية هي انتهاك فاضح لقانون الاتحاد الأوروبي والقانون الدولي، وهي تعرض حياة الناس للخطر. إن طالبي اللجوء يُستَخدمون مرة أخرى كورقة مساومة في لعبة سياسية قاسية».

أوروبا في أزمة حقيقية

في إشارة إلى التوتر القائم، قال مكتب رئيس الوزراء اليوناني، كيرياكوس ميتسوتاكيس، إنه ناقش الوضع مؤخرًا مع الرئيس ترامب، الذي «اعترف بحق اليونان في تنفيذ القانون على حدودها»، وفقًا لما أوردته وكالة رويترز. ومن المقرر أن يسافر المسؤولون الأمريكيون والأوروبيون إلى المنطقة هذا الأسبوع. وفي زغرب بكرواتيا، سيستضيف الاتحاد الأوروبي جلسة طارئة لوزراء خارجية الكتلة يوم الجمعة المقبل.

Embed from Getty Images

وقالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل للصحافيين يوم الاثنين: «أدرك أن تركيا تواجه تحديًا كبيرًا للغاية فيما يتعلق بإدلب. ومع ذلك، من غير المقبول بالنسبة لي ألا يعبر الرئيس أردوغان وحكومته عن هذا السخط في حوارٍ معنا في الاتحاد الأوروبي، وبدلًا من ذلك يبعث برسالته عبر اللاجئين. بالنسبة لي، ليست هذه هي الطريقة التي يمكن أن نمضي بها قدمًا».

يستدرك ثارور: لكن اللوم عن عدم الاستقرار الحالي يقع جزئيًّا أيضًا على عاتق ميركل. فالحكومات الأوروبية منقسمة حول ما يجب فعله مع طالبي اللجوء في بلادهم وعلى حدودهم، وأثار نهج ميركل المرحب في التعامل مع اللاجئين السوريين في عام 2015 حنق الحكومات القومية في وسط وشرق أوروبا، في حين أذكى رد فعل شعبوي عكسي لدى اليمين المتطرف في غرب القارة.

وقال دانيلو تورك، رئيس سلوفينيا الأسبق، والذي يرأس نادي مدريد Club de Madrid، وهو منتدى عالمي لرؤساء الدول والحكومات السابقين يهدف لتعزيز الديمقراطية والتغيير في المجتمع الدولي: أدى ذلك إلى «جعل الخطاب السياسي في أوروبا أكثر صعوبة، وأعطى سلاحًا قويًّا للغاية للقوميين والعناصر غير الليبرالية الموجودة بالفعل». 

ويلفت التحليل إلى أن الأزمة بشأن طالبي اللجوء هي جزء من مشكلة أوسع نطاقًا تعرقل بروكسل؛ مما يعني أن عدم وجود توافق بين الحكومات الوطنية يقلل من قدرة الكتلة على التحرك على المسرح العالمي. وكان الاتفاق الذي أبرم مع تركيا لوقف تدفق المهاجرين بمثابة اتفاق تكمن دوافعه في النفعية السياسية، لم يعالج محنة اللاجئين ولا الصراع الدامي الذي أجبرهم على الفرار من ديارهم.

وقال تورك لـ«تودايز وولد فيو» Today’s WorldView في صحيفة واشنطن بوست خلال زيارة لواشنطن هذا الأسبوع: «إن عدم وجود نهج منظم لدى الاتحاد الأوروبي في عام 2015، والارتجال اللاحق الذي شهده الاتفاق مع تركيا، لم يخلق منصة قابلة للاستمرار للتعامل مع أزمات الهجرة. كان كل ذلك قائمًا على الأمل في أن المشكلة ستزول بشكل ما. غير أنها لم تزُل».

مترجم: أحداث تتصاعد كل ساعة.. هل نشهد حربًا مفتوحة بين النظام السوري وتركيا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد