نشرت مجلة «فورين بوليسي» مقالًا حول رضوخ دول الاتحاد الأوروبي للإملاءات الصينية السياسية والاقتصادية. ويرى الكاتب أنه رغم استخدام بكين التهديدات الاقتصادية للضغط على الدول الأوروبية، فإن أوروبا لا تحتاج إلى الصين بالقدر الذي يتخيله كثيرون، وينصح بمقاومة الضغوط الصينية.

كتب المقال لوك باتي، وهو باحث كبير في المعهد الدنماركي للدراسات الدولية، ومؤلف كتاب سيصدر قريبًا حول الطموحات الصينية العالمية.

يستهل الكاتب مقاله بالإشارة إلى أن كتاب «الصين يمكنها أن تقول لا China Can Say No» كان أحد أكثر الكتب الصينية مبيعًا في عام 1996، وكان تعبيرًا صريحًا عن القومية، وهو الكتاب الذي كتبه مجموعة من المفكرين اليمينيين، ودعوا فيه الصين إلى رفض القيم الليبرالية، ومقاومة المصالح الغربية المتآمرة لوقف صعودها.

بعد أكثر من 20 عامًا، وبعد رفض دعوات التحول الديمقراطي والنهوض بالاقتصاد الذي تقوده الدولة، لتصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم، أصبحت الصين متمرسة جيدًا في أن تقول: لا.

دولي

منذ 7 شهور
«ذي أتلانتك»: كيف تنظر الصين إلى العالم؟ وكيف يجب على العالم أن ينظر إليها؟

من خلال دبلوماسية «الذئب المحارب» التي تتبناها حاليًا، تتعلم الصين الآن الضغط على الغرب ليقول نعم لمطالبها. وغالبًا ما يجري التلويح بتقييد الوصول إلى السوق الصينية؛ لكسر الإرادة السياسية للأطراف التي تسيء إليها.

ويشير الباحث إلى إن أوروبا هي المكان الرئيسي الذي يُظهر فيه كبار الدبلوماسيين الصينيين هذا الاعتداد بالذات. ففي الأسبوع الماضي فقط، وخوفًا من تداعيات علاقته التجارية مع الصين، خفف الاتحاد الأوروبي اللغة الانتقادية في تقرير سيصدر قريبًا عن حملة التضليل الصينية بشأن جائحة فيروس كورونا.

لكن أوروبا يجب ألا تنحني للبلطجة الاقتصادية للصين، بحسب وصف المقال، بل يمكنها أيضًا أن تتحمل تبعات أن تقول لا. ليس فقط لأن أوروبا أقل اعتمادًا على السوق الصينية مما يفترض كثيرون، ولكن أيضًا لأن الفرص الاقتصادية ليست بأهمية نقاط الضعف الاستراتيجية، وفقدان القدرة التنافسية، اللتين تجلبهما التجارة والاستثمار في الصين.

الصين تهدد جمهورية التشيك وألمانيا

ويرى الكاتب أن استسلام الاتحاد الأوروبي مؤخرًا لبكين يرسل إشارة خاطئة إلى الدول الأعضاء التي تواجه ضغوطًا مماثلة. ففي وقت سابق من هذا العام، هددت السفارة الصينية في براغ بالانتقام من الشركات التشيكية إذا زار برلماني بارز تايوان، التي تعدها بكين إقليمًا انفصاليًّا.

وبعد فترة وجيزة، أشار السفير الصيني في ألمانيا إلى أن الضرر قد يلحق بالمواقع السوقية لشركات صناعة السيارات الألمانية في الصين، إذا تصرفت برلين بناء على مخاوف أمنية لاستبعاد شركة «هواوي» الصينية من شبكات اتصالات الجيل الخامس لديها.

للوهلة الأولى، نرى بوضوح لماذا قد تستسلم أوروبا لمطالب الصين السياسية. صحيح أن الاقتصاد الصيني يتباطأ، وكاهله مثقل بمستويات غير مسبوقة من الديون، لكن الصين ما تزال تمثل أكثر من ربع النمو الاقتصادي العالمي في الفترة من 2013 إلى 2018، ومن المستحيل على الشركات العالمية أن تتجاهل السوق الاستهلاكي المتنامي في البلاد.

القيود الصينية على رأس المال الأجنبي

ينبه الكاتب إلى أنه على الرغم من مكانتها في الاقتصاد العالمي، لا يُطرح سوى عدد قليل من الأسئلة حول مقدار النمو الاقتصادي المتاح في الصين للمستثمرين الأوروبيين وغيرهم من الأجانب. فبعد عقود من الوعود التي أبرمتها بكين بأن تفتح اقتصادها، ما تزال قيود الاستثمار في الصين، مثل القيود على رأس المال الأجنبي، مرتفعة بما يقارب أربعة أضعاف المتوسط ​​في الاقتصادات المتقدمة.

لاحظ مفوض التجارة في الاتحاد الأوروبي، فيل هوجان، مؤخرًا أنه حتى قبل أن يخرِّب تفشي وباء فيروس كورونا الاجتماعات رفيعة المستوى هذا العام، أسفرت المفاوضات مع بكين عن «تقدم ملموس ضئيل حول تحسين الوصول إلى الأسواق» بالنسبة للشركات الأوروبية.

ومع ارتفاع القدرة التنافسية للشركات الصينية واتباع بكين لسياستها الصناعية «صنع في الصين 2025»، لتأخذ مركز الصدارة في قطاعات التصنيع التقنية العالية، لا يعد المستقبل بالضرورة واعدًا للعديد من المستثمرين الأجانب.

في الوقت نفسه، أساء العديد من صانعي السياسة الأوروبيين فهم أهمية التجارة مع الصين. وغالبًا ما يتباهى مسؤولو الاتحاد الأوروبي بأن تدفق البضائع يوميًّا بين التكتل الإقليمي والصين يزيد على 1.5 مليار يورو (1.6 مليار دولار). لكن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي يتبادلون ما يقرب من 30 مليار يورو في اليوم مع الشركاء الداخليين والخارجيين.

بحسب وصف الكاتب، فإن تبعية أوروبا الاقتصادية للصين أسطورة؛ إذ كانت الصين تمثل 5.5% فقط من إجمالي التجارة بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في عام 2018.

وكما يشير محللون في معهد ميركاتور لدراسات الصين في برلين، إلى أنه إذا راجع المرء الأرقام بدقة، فإن أهم شريك تجاري لجميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي هو في الحقيقة الاتحاد الأوروبي. وما يقرب من ثلثي إجمالي التجارة في المتوسط ​​لكل دولة عضو، يجري مع شركائها في الاتحاد الأوروبي. والقرب الجغرافي والألفة التجارية والثقافية، والسوق الموحدة والاتحاد الجمركي، هي العوامل التي تدفع هذه المركزية إلى الأمام.

Embed from Getty Images

الصين حلقة مهمة في سلاسل التوريد العالمية

ومع ذلك، كان الرد الشائع من صانعي السياسة الأوروبيين، هو أن الأرقام الرئيسية في التجارة لا تروي القصة كاملة. إذ تُفَسَّر الأهمية الاقتصادية للصين من خلال دورها الحيوي في الأشياء غير الملموسة في سلاسل التوريد العالمية؛ إذ تشكل ثلث المنتجات الوسيطة في عمليات إنتاج معقدة وعابرة للحدود، بالإضافة إلى إمكانياتها السوقية المستقبلية للشركات الأوروبية.

ولكن هنا أيضًا يساء فهم أهمية الصين، كما يوضح الكاتب. فأينما وجدت تجارة بين الاتحاد الأوروبي والصين، تتطور علاقة غير متكافئة. إذ تزامن التكامل التجاري مع الصين مع انخفاض حصة الاتحاد الأوروبي في صادرات الصناعات التحويلية العالمية من 44% عام 2001، إلى 35% عام 2018.

وضمن سلاسل التوريد العالمية، تصدر الصين منتجات ذات قيمة عالية إلى الاتحاد الأوروبي، ولكنها تستورد عددًا أقل من السلع في المقابل. وإذا لم تركز أوروبا على بناء قدرتها التنافسية الصناعية، فسوف تستمر في الانزلاق باتجاه أسفل السلم في الاقتصاد العالمي.

الاعتماد على إنتاج الخارج خطير في وقت الأزمات

تُظهر جائحة فيروس كورونا أيضًا، أن الاعتماد على إنتاج الخارج يمكن أن يكون خطيرًا في أوقات الأزمات. فمع انتشار فيروس كورونا في الصين في وقت سابق من هذا العام، وتوقف العديد من الصناعات بسبب عمليات الإغلاق، ظلت الدول الأجنبية والشركات متعددة الجنسيات عرضة للتأثر بسبب الاعتماد المفرط على منتجات صينية وسيطة معينة في الإلكترونيات الاستهلاكية، والسيارات، والمستحضرات الصيدلانية، ناهيك عن اللوازم الطبية الحيوية. وحذَّر وزير المالية الفرنسي، برونو لومير، من بين مسؤولين أوروبيين آخرين، من أن أوروبا بحاجة إلى تقليص هذه النقاط التي تعتمد فيها على الصين.

كما أن الصين لم تعد أرضًا لنمو الإيرادات المبالغ فيها لكثير من الشركات الأوروبية. لنأخذ الشركات الألمانية العملاقة في صناعة السيارات مثل «فولكس فاجن»، و«دايملر»، و«بي أم دبليو»، هذه الشركات هي بعض أكبر المستثمرين الأوروبيين في الصين، ولكن بمرور الوقت، استحوذ منافسوهم الصينيون، مثل «تشانجان» و«جيلي»، على حصة سوقية متزايدة.

يحافظ المديرون التنفيذيون لشركة «فولكس فاجن» لصناعة السيارات على نظرة متفائلة، ولكن النتائج التشغيلية للشركة في الصين انخفضت بنحو 15% بين عامي 2015 و2019. بالنسبة لـ«دايملر»، و«بي إم دبليو»، وشركة الصناعات التحويلية الألمانية «سيمنز»، فإن حصة الصين من إجمالي الإيرادات مقارنة بالدول والمناطق الأخرى، أصيب بحالة من الركود خلال الفترة ذاتها. باليورو والسنت، غالبًا ما تكون أوروبا، وليس الصين، هي التي تولد مستويات أعلى من نمو الإيرادات الجديدة، بحسب المقال.

Embed from Getty Images

انخفاض الاستثمارات الأوروبية في الصين

نتيجة لذلك، أصبحت الشركات الأوروبية أقل افتتانًا بالاقتصاد الصيني مما كانت عليه في السابق. وبعد أن ارتفعت إلى ما يزيد على 15 مليار دولار في كل من 2011 و2012، انخفضت مستويات الاستثمار الأوروبية في الصين إلى أقل من 8 مليارات دولار سنويًّا من 2016 إلى 2018.

حتى تتراجع بكين بشكل شامل عن ضوابط وقيود التجارة والاستثمار، مثل عمليات نقل التكنولوجيا للوصول إلى الأسواق، ستظل مستويات النمو للشركات الأوروبية والشركات الأجنبية الأخرى في الصين محدودة، ويمكنها حتى أن تؤثر سلبًا في القدرة التنافسية.

ويوضح الباحث أنه في حين يواجه الاتحاد الأوروبي التحدي الهائل، المتمثل في التعافي الاقتصادي من الركود الناجم عن فيروس كورونا، فإن الضغط على أوروبا للاستسلام للإملاءات السياسية الصينية بشأن شركة «هواوي» وتايوان، والمصالح الوطنية الأخرى في الخارج، قد يزداد.

لكن صناع السياسة الأوروبيين بحاجة إلى أن يعرفوا أن لديهم مساحة للمناورة مع بكين أكبر كثيرًا مما يعتقدون. وفي مواجهة تباطؤها الاقتصادي، ستبحث الصين أيضًا عن فرص النمو خلال الركود العالمي القادم، ولن ترغب في الإخلال بموقفها التجاري والاستثماري في السوق المشتركة الضخمة للاتحاد الأوروبي.

الفرص في الهند وجنوب شرق آسيا

يشير الكاتب إلى أن التركيز على التفاوض مع الصين بشأن الوصول إلى الأسواق، يمكن أيضًا أن يعمي أوروبا عن آفاق أوسع في الاقتصاد العالمي، فمع تفوق آسيا الناشئة على الصين بوصفها محرك النمو الرئيسي في العالم، يمكن لأوروبا أن تبني على محفظتها التجارية والاستثمارية عبر الهند وجنوب شرق آسيا. وتمثل اتفاقية التجارة الحرة التي أبرمت مؤخرًا مع فيتنام بداية واعدة لمثل هذا التوسع.

دولي

منذ 7 شهور
بدلًا عن الصين.. هل تصبح الهند «مصنع العالم» المُحتمل بعد كورونا؟

وفي مواقع أقرب إلى الوطن، يمكن لأوروبا أيضًا تعزيز مراكز التصنيع في وسط القارة وشرقها وفي تركيا؛ لتنشيط دورها في التجارة العالمية. وبدلًا من ملاحقة كل دولار أخير في الصين، يجب على أوروبا أن تستثمر في ابتكاراتها الإقليمية، وقدرتها التنافسية الصناعية. إن تنمية شركاتها الرائدة لتحظى بتقدير عالمي، ودعم الديمقراطيات الأخرى حول العالم، يخدم بشكل أفضل المصالح الاقتصادية والسياسية لأوروبا.

وفي ختام المقال، يقول الباحث: «بدون دعم المشاعر القومية نفسها التي تحتدم بقوة الآن في الصين، يمكن للقادة الأوروبيين تشجيع التعددية القائمة على مبادئ في العالم. ولكن قبل أن يظهر تأثير مثل هذه الأولويات، يجب على أوروبا أولًا أن تتعلم أن تقول لا للصين».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد