نشر موقع «سي إن إن بيزنس» تقريرًا عن حالة اقتصاد الاتحاد الأوروبي. تتساءل فيه الصحفية البارزة في الموقع جوليا هورويترز سؤالًا عما ستؤول إليه الأحوال بعد عشر أعوام من الركود الاقتصادي. فهل تستيقظ أوروبا؟ أم تبدأ عقدًا جديدًا من الضياع الذي قد يفضي إلى التفكك؟

ففي إبانة لمآلات الوضع الاقتصادي داخل القارة العجوز، تقول جوليا إن أوروبا أنهت للتو عقدًا من الركود الاقتصادي، وتعتقد أنها إذا لم تبادر الآن ربما تواجه عقدًا آخر على نفس الوتيرة. وتؤكد على أن الاقتصاد الأوروبي بعد عشر سنوات من الأزمة المالية العالمية تعافى، لكنه لم ينهض، بل أصبح التضخم المنخفض وأسعار الفائدة المنخفضة والنمو المنخفض هو الوضع الطبيعي الجديد.

ولا شك أن هذا الضعف الأوروبي من شأنه أن يولد موجة من التأثيرات الخطيرة؛ إذ أن عقدًا ضائعًا آخر يمكن أن يعمّق الفجوة المتزايدة بين أوروبا الحضرية والريفية، ويحرم مزيدًا من الشباب من فرص العمل، ويغذي عدم الاستقرار السياسي.

يستشهد التقرير بما يعتقده كارستن برزيسكي، وهو خبير اقتصادي ألماني بارز في مصرف «آي إن جي» الهولندي، وهو أن ذلك ربما يتسبب في تفكك الكتلة التي تستخدم اليورو (19 دولة). قال برزيسكي: «الخطر كبير أن نستيقظ ببساطة بعد فوات الأوان، وندرك أننا أضعنا الكثير من الوقت».

Embed from Getty Images

متلازمة النمو المنخفض

ترى جوليا أن الأوضاع في اقتصاد الاتحاد الأوروبي شبيهة إلى حد كبير بعقد اليابان الضائع، وهي مرحلة تميزت ببطء النمو وضعف التضخم، لم تخرج منها البلاد إلى الآن. إذ تظهر جليًا الدلائل الرئيسية للركود طويل الأجل، أو السير على خطى اليابان.

تشير الكاتبة إلى أنه منذ أواخر عام 2018، كان التضخم في منطقة اليورو أقل بكثير من المستهدف الذي حدده البنك المركزي الأوروبي، أي نحو 2%، وفي يونيو (حزيران)، هبط إلى 1.3%، وكان نمو إجمالي الناتج المحلي 1.8% لعام 2018، ومن المتوقع أن ينخفض إلى 1.2% هذا العام، ويمكن أن يكون العام المقبل أسوأ إذا اضطرت المنطقة إلى مواجهة حالة فوضوية لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في الخريف.

وتجدر الإشارة إلى أن أسعار الفائدة لا تزال عند أدنى مستوياتها التاريخية، وسيتنحى رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراجي في أكتوبر (تشرين الأول) دون زيادتها ولو لمرة واحدة خلال ولايته الممتدة لثمانية أعوام. فيما يتوقع بعض المحللين أن يخفض البنك بالفعل أسعار الفائدة في سبتمبر (أيلول).

وترى الكاتبة أنه بالتحقيق في مصدر هذا الركود، يبدو أن السبب يكمن في التعافي المتفاوت من الأزمة المالية العالمية.

إذ أن البطالة في الاتحاد الأوروبي بلغت ذروتها عند 26.5 مليون لعام 2013، وانخفضت منذ ذلك الحين إلى حوالي 15.7 مليون، أي أقل من مستويات ما قبل الأزمة، لكن ليس هذا هو الحال في أماكن مثل شمالي غرب إسبانيا وجنوبي إيطاليا واليونان، التي ما تزال لديها أعلى معدل للبطالة في أوروبا.

وأورد التقرير ما ارتآه الاقتصاديان في بنك «آي إن جي»، بيرت كولين وجوانا كونينجس، في مايو (آيار)، اللذان قالا: «بدأت العديد من المناطق في التعافي».

بيد أن العودة كانت فاترة بما يكفي لتبرير سنوات عديدة من أسعار الفائدة المنخفضة للغاية والسلبية. إذ توضح جوليا أن آخر مرة رفع فيها البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة -في 2011- خُفضت ديون البرتغال في حينها إلى وضع غير مرغوب فيه، وكانت اليونان تنتظر خطة إنقاذ أخرى، وقبلت أيرلندا صفقة الإنقاذ في العام السابق. لكنها تؤكد على غياب توقعات برفع سعر الفائدة حتى عام 2021 على أقرب تقدير.

Embed from Getty Images

اقتصاد الاتحاد الأوروبي والحالة اليابانية

يبدو أن هذه الأوضاع تستدعي بدرجة متزايدة نموذج اليابان، التي تنهي عقدها الثالث من النمو المنخفض والتضخم المنخفض وأسعار الفائدة المنخفضة.

ترى جوليا أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي ينمو بمعدل أسرع، لكن القارة مثل اليابان، يشيخ سكانها، ويؤثر أصحاب المعاشات على الاقتصاد بالسلب نظرًا لادخارهم الأموال بدلًا من إنفاقها. ثمة إشكالية مماثلة تشكلها «بنوك الزومبي»، وهي مؤسسات مالية تقل قيمتها عن الصفر لكنها مستمرة في وظائفها عن طريق دعم حكومي. إذ أن هذه المؤسسات تلتهم رأس المال دون تقديم القروض اللازمة لتحفيز الاقتصاد.

وبحسب ما ورد في تقرير «سي إن إن بيزنس»، لا تفلح المقارنة عند النظر إلى الأدوات المتاحة لمكافحة الركود، نظرًا إلى أن اليابان تمتلك بنكًا مركزيًا واحدًا وحكومة وطنية واحدة، مما سمح لها بالتصرف بشكل أكثر حسمًا، حتى لو كانت إجراءات التحفيز غير فعالة كثيرًا.

وفي غضون ذلك، يتضح أن التكامل الاقتصادي والسياسي في أوروبا مشروع غير مكتمل. استحدثت الكتلة الأوروبية اليورو في 1 يناير (كانون الثاني) 1999، ولكن بعد 20 عامًا فشلت الدول الأوروبية في تنسيق السياسة المالية التكميلية التي يمكن أن تعزز الاتحاد النقدي، بحسب رأي الكاتبة.

وقد وضعت دول الاتحاد الأوروبي ميزانيتها وطرحت خططها الضريبية في إطار قواعد يفترض أن تحد من الاقتراض، مما يترك البنك المركزي الأوروبي لمعالجة المشكلات الأكبر، في وقت كانت فيه موارده محدودة بالفعل بسبب إجراءاتها في العقد الماضي.

وتقتبس جوليا ما قاله جوناثان جريجوري، رئيس قسم الدخل الثابت لشركة «يو بي إس لإدارة الممتلكات» في المملكة المتحدة بأنه «لا تزال منطقة اليورو تتقدم ببطء في اتجاه واحد، وليس من الواضح أن هذا سيتغير في أي وقت قريب».

Embed from Getty Images

إشارات تحذيرية

تشير الكاتبة إلى ما يقوله الخبراء بأن الإنفاق الحكومي المنسق قد يساعد في إنعاش اقتصاد الاتحاد الأوروبي من ركوده، لكن فرص حدوثه تبدو ضئيلة.

ويرى برزيكسي أن احتمالات رؤية حوافز مالية منسقة وهامة وكثيرة قليلة للغاية، إذ يشير إلى الانقسامات السياسية بين الدول الأكثر ثراءً مثل ألمانيا، وتلك التي كافحت أكثر مثل إيطاليا. فيما تجد فرنسا وألمانيا صعوبة في الاتفاق على تعاون أوثق.

وينصح التقرير الساسة بعدم إضاعة الوقت، الذي يبدو شحيحًا في الأساس. إذ تدفع ألمانيا حاليًا فائدة على السندات الحكومية لـ10 أعوام أقل من اليابان، مما يشير إلى بداية التشاؤم حول التوقعات الاقتصادية طويلة الأجل في المنطقة، وإلى أن المستثمرين يتوقعون أن تظل أسعار الفائدة منخفضة.

ويستدعي التقرير رأي جون نورماند، رئيس الاستراتيجية الشاملة للأصول في «جي بي مورجان تشيس»، الذي قال: «إن أسواق السندات في أوروبا، بعد 10 سنوات من بدء أزمة الديون السيادية، وصلت إلى مستوى استغرقت اليابان 30 عامًا للوصول إليه».

لا تقدم جوليا في معرض حديثها نظرة متفائلة في هذا الصدد، إذ تقول إن أسعار الفائدة السلبية سوف تواصل كذلك ضغطها على البنوك الأوروبية، بينما تجعل السندات أقل جاذبية. وفي الوقت الحالي، بات مؤكدًا أن يخسر المستثمرون أموالهم إذا كانت لديهم سندات ألمانية مدتها 10 سنوات.

ومن جانبه، يرى برزيكسي أن الوضع قد يصبح سيئًا بسرعة، إذ قال: «يجب بذل شيء ما»؛ فهو يتوقع أن السنوات المقبلة، ستشهد تجاذبًا أقوى بين طرف يدافع عن المصالح الوطنية وآخر يولي الأهمية إلى المصالح الأوروبية في ظل ترنح اقتصاد المنطقة. بيد أنه يشكك في أن يؤدي ذلك إلى خطة لإنعاش اقتصاد الاتحاد الأوروبي من ركوده. ويضيف: «يبدأ النمو والتضخم المنخفضان في التأثير على الاقتصادات بطرق مختلفة، ثم ستواجه أوروبا ضغوط التفكك مرة أخرى».

«فورين بوليسي»: كيف أصبح مستقبل أوروبا مرهونًا بدول شمال أفريقيا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s