السلطات تخفف من قيود الإغلاق العام الذي فرضته جائحة فيروس كورونا في اختبار رئيس لاستعادة المنطقة عافيتها.

نشرت وكالة «بلومبرج» الأمريكية تقريرًا أعدَّه مجموعة من مراسليها تناولوا فيه الخطوات التي اتَّخذتها السلطات لبدء تخفيف قيود الإغلاق العام التي فرضتها جائحة فيروس كورونا على أوروبا وعلى العالم بأسره.

وفي مطلع تقريرهم، أوضح المراسلون أن أوروبا بدأت تستيقظ من رقدتها التي فرضتها الجائحة، وتمثَّل ذلك في إعادة فتح المقاهي في باريس ومحلات بيع الجيلاتي في روما وحدائق البيرة في بافاريا، وتعد هذه الخطوة بمثابة اختبار رئيس لتعافي المنطقة على الصعيدَيْن الصحي والاقتصادي.

دولي

منذ شهر
«نيويورك تايمز»: كيف نشر اللقاح الروسي الفوضى والانقسام في أنحاء أوروبا؟

وبدأت السلطات في جميع أنحاء القارة العجوز في تخفيف القيود بعد انخفاض معدلات الإصابة وارتفاع عدد مُتلقِّي اللقاحات. وستبدأ إيطاليا، المركز الأصلي للأزمة في أوروبا، في إلغاء حظر التجول الوطني تدريجيًّا خلال الأسابيع المقبلة، وستُخفَّف القيود الصارمة تدريجيًّا في جميع أنحاء ألمانيا كذلك. وفي فرنسا، أصبح بإمكان المطاعم تقديم الطعام للضيوف في الهواء الطلق منذ الأربعاء الماضي، وتخطط المتاحف، بما في ذلك متحف اللوفر، لاستقبال الزائرين مرةً أخرى.

أجواء مفعمة بالحيوية ولكن

ولفت التقرير إلى أنه في الوقت الذي تستعد فيه المقاهي الباريسية – بما في ذلك مقهى ليه دو ماجو (ملتقى النخبة الأدبية والفكرية للمدينة)، مكان الاستراحة السابق للكاتب والروائي الأمريكي إرنست همينغوي- بدأ ملهى مولان روج الليلي الشهير في عروضه المثيرة هذا الأسبوع، إذ أرسل راقصات الـ «كان كان (الرقصة الشعبية عند الفرنسيين)» إلى الشوارع للترويج لإعادة افتتاح الملهى، الذي خُطِّط له في سبتمبر (أيلول)، من خلال عرض تاريخ إعادة الافتتاح على تنانير الراقصات.

وعلى الرغم من الأجواء المفعمة بالحيوية، لا تزال هناك مَسْحة من الكآبة تُخيم على المنطقة، التي عانت من انتكاسات لأكثر من مرة في جهودها للتغلب على جائحة كوفيد-19. ونظرًا لأن السلالة المُعْدِية الجديدة التي ظهرت في الهند تنتشر بسرعة في أماكن أخرى، ستظل تدابير احتواء المرض حاضرة. وفي العاصمة الألمانية برلين، يلزم إجراء اختبارات الإصابة بالفيروس قبل تناول الطعام خارج المطاعم (في الهواء الطلق)، والتي أعيد فتحها أمس الجمعة، وستكون حياة الشوارع الباريسية أقل صخبًا مما كانت عليه قبل الجائحة.

Embed from Getty Images

يقول باولو فيانيزي، البالغ من العمر 66 عامًا، وصاحب مطعم بابارازي الواقع في ساحة هادئة خلف دار الأوبرا في باريس: «تغمرنا السعادة لإعادة افتتاح المطعم، ونحن في نِعْمة لأن المطعم يتميز بموقع رائع. لكن الأمور لن تعود كما كانت عليه». وكان يعمل في المطعم 39 موظفًا قبل الأزمة، ويقول فيانيزي إنه بدأ العمل بحوالي 15 موظفًا فقط يوم الأربعاء. وفي نهاية المطاف، يستهدف أن يستضيف حوالي 100 ضيف في موعد الغداء و100 آخرين في موعد العشاء – ما يقرب من ثلثي المستويات التي كان يحققها قبل الأزمة.

ولا يزال هناك أمور كثيرة على المحك. وبعد البداية البطيئة لحملات التطعيم باللقاحات، تعيد أوروبا فتح المجالات وتخفيف القيود بعد المملكة المتحدة والولايات المتحدة، ولا يمكن للقارة العجوز أن تتخلف أكثر من ذلك عن الركب. وكانت المفوضية الأوروبية قد زادت الأسبوع الماضي من توقعاتها للنمو في عام 2021 لمنطقة اليورو إلى 4.3% بعد أخذها في الاعتبار صندوق الإنعاش المشترك للكتلة الأوروبية الذي تبلغ قيمته 800 مليار يورو (975 مليار دولار) للمرة الأولى. لكن هذه الوتيرة ستظل منخفضة بنسبة 6% على الأقل عن الانتعاش الذي يتوقع الاقتصاديون أن تشهده الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

سرعة تلقي اللقاح تساعد دول الاتحاد الأوروبي على إعادة فتح اقتصاداتها مرةً أخرى

رسم بياني يوضح اللقاحات الأسبوعية في: المملكة المتحدة – ألمانيا – فرنسا – إيطاليا – إسبانيا

الوتيرة التي مضى بها الاتحاد الأوروبي تحسَّنت بسرعة بعد البداية البطيئة
المصدر: بلومبرج، جونز هوبكنز

تَنفُّس الحرية مرة أخرى

وأشار التقرير إلى أنه على الصعيد السياسي، يلزم قادة القارة الأوروبية تحقيق التوازن الصحيح بين إنعاش الاقتصاد وحماية الصحة العامة، وإلا فإنهم سيخاطرون بغضب الناخبين. ويتنافس المحافظون بزعامة المستشارة أنجيلا ميركل بشراسة مع حزب الخضر الألماني لإدارة أكبر اقتصاد في أوروبا، بينما يواجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي عبثًا حاول تجنب الإغلاق الثالث، تحديًا شديدًا في إعادة انتخابه العام المقبل.

وقال ماكرون لمراسلي قناة بي.إف.إم التلفزيونية بينما كان يحتسي القهوة صباح الأربعاء جالسًا على تراس أحد المقاهي في وسط باريس: «إنها لحظة بسيطة من الحرية التي عُدنا نَتنفَّسَها مؤخرًا، وهي ثمرة جهودنا الجماعية». وأضاف التقرير أن المِزاج العام مليء بالتفاؤل الحذِر. وأدَّت إجراءات الإغلاق إلى إبطاء انتشار الفيروس على نحو ملحوظ، وتمضي عملية تلقِّي التطعيمات بوتيرة سريعة. ولكن مع التهديد الناجم عن ظهور سلالات جديدة كتلك السلالة الآتية من الهند، تظل المخاطر قائمة.

يقول ستيفن سيبرت، المتحدث باسم ميركل هذا الأسبوع، إنه: «بإمكاننا أن نكون واثقين (من التغلُّب على الجائحة) ولكن يجب ألا نكون متسرِّعين». وفي ظل ارتفاع معدلات العدوى التي لا تزال أعلى بكثير مما كانت عليه قبل عام مضى، «لم نصل بعد إلى وضْع يمكننا فيه الاستمتاع بصيف مريح مثل العام الماضي».

دولي

منذ شهر
«فورين بوليسي»: كيف تشكِّل اللقاحات ملامح النظام الجيوسياسي الجديد في العالم؟

والسلطات في حالة تأهب قصوى بعد أن تعلمت الدرس من الربيع الماضي، عندما كان يُنظر إلى المرض على أنه تحت السيطرة، لكنه عاد على نحو أكثر شراسة في الخريف. ووضع المسؤولون في بلدة واقعة بالقرب من مدينة دوسلدورف 189 شخصًا في حجر صحي مؤقت بعد تأكيد إصابة حالة واحدة من بينهم بالفيروس الهندي.

إن القلق المستمر يعني انتعاشًا فاترًا لمؤسسات مثل حديقة البيرة شينيزاشار تورم (Chinesischer Turm) في مدينة ميونيخ، والتي افتُتِحت الأسبوع الماضي بعد أن انخفضت معدلات العدوى المحلية إلى ما دون المستويات الخطرة. وجرت العادة أنه يمكن لحوالي 7 آلاف ضيف تناول النقانق واحتساء البيرة على طاولات مشتركة، ولكن وُضِعت قيود على العمل في ظل وجود قلة من السياح الأجانب والطقس القاتم، وباتت آفاق المستقبل غير واضحة.

الأمور ليست جيدة بما يكفي

استشهد التقرير بقول ماريا بينتسجر، المتحدثة باسم حديقة البيرة، إنه: «طالما بإمكاننا الاستمرار في فتح الحديقة، فنحن سعداء. ولكن هناك بعض المخاطر المتمثلة في السلالات الجديدة من كوفيد والتي لا يمكننا قياسها الآن».

تراجع الموجة

معدلات العدوى في انخفاض في معظم أنحاء أوروبا

المصدر: OSCOVIDA
* تُوضح البيانات معدلات الإصابة خلال سبعة أيام لكل 100,000 شخص اعتبارًا من 17 مايو/آيار

وفي إسبانيا، أُعِيد فتح المطاعم والمسارح منذ حوالي أسبوعين، مع فرض قيود على عدد الحضور وساعات الإغلاق المبكرة في معظم المناطق. وفي برشلونة، لا تكفي الطلبات التي يقدمها السكان المحليون للخروج والتنزه لتعويض ملايين السياح الذين اعتادوا الاحتشاد في المدينة، كما يقول سيرجي فيرير، رئيس جمعية أصحاب المتاجر في منطقة الشاطئ في حي برشلونيتا.

يقول فيرير، الذي يدير مطعمًا يطل على موانئ المدينة: «إذا لم تأتِ السياح إلينا هذا الصيف، فسيكون ذلك خرابًا علينا. إن المطعم يمتلئ بالسكان المحليين خلال النهار في أيام الجمعة والسبت والأحد، لكن الأمور ليست جيدة بما يكفي حتى نفتحها في الليل».

وفي روما، يؤدي تمديد حظر التجول إلى ما بعد الساعة 10 مساءً إلى إحداث فرق كبير لصالح الشركات مثل مطعم الأسماك ريبا 12 في حي تراستيفيري العصري. وفي حين أن المطعم كان مفتوحًا منذ أواخر أبريل (نيسان)، كانت الطاولات الخارجية خالية من الزائرين في الساعات الأولى من المساء، مما يشير إلى أن الانتعاش قد يكون تدريجيًّا.

يقول المالك فينشينسو كولاو: «عملاؤنا أشخاص محترفون يعملون حتى وقت متأخر من النهار، وبالكاد يحضرون قبل التاسعة مساءً». وقال إنه مع فرض حظر التجول المبكر حتى هذا الأسبوع، «لم يأتِ إلينا كثير منهم على الإطلاق»، مضيفًا أن الإيرادات انخفضت بنحو 70% موازنةً بأوضاع ما قبل الجائحة.

العمل من المنزل لن ينتهي

وأكد التقرير على أن الأوضاع في باريس ليست مختلفة كثيرًا عن ذلك، حيث تتسع الطاولات خارج مطعم بابارازي لستة أشخاص فقط بحد أقصى، ويجب أن تكون هناك مسافة فاصلة بينهم (للحفاظ على التباعد الجسدي). كما تقلَّصت قائمة الضيوف مرةً أخرى. ويتوقع فينشينسو أنه لن يرَ عديدًا من المصرفيين والمحامين، الذين قدَّم إليهم الطعام ذات مرة، يأتون إلى المطعم كما كان الحال في الماضي.

واختتم المراسلون تقريرهم بقول فينشينسو: «العمل من المنزل لن ينتهي. وسيعود الناس إلى العمل داخل الشركات لمدة يومين أو ثلاثة أيام في الأسبوع، ثم يهرعون إلى الريف. وسأفعل الشيء نفسه إذا استطعت».

أعد التقرير كل من ألبرتينا تورسولي، مراسل الوكالة في العاصمة الفرنسية باريس، وفلافيا روتوندي، مراسلة الوكالة في العاصمة الإيطالية روما، وألكسندر مايكل بيرسون، المحرر في الوكالة، وشاركت فيه المراسلة لورا ميلان لومبرانا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد