لم أدرك أنني مسيحية إلا بعدما أتيت إلى أمريكا. ولطالما تمسكت بإلحادي منذ أن انتقلتُ إلى نيويورك قبل سنتين. ولم يجرِ تعميدي مطلقًا في بلدي الأصلي إسبانيا، رغم كونها بلد مسيحي. ولم أذهب إلى الكنيسة إلا مرات قليلة ولا أجيد ترديد الترانيم. ومع أنه لا يمكنني وصف والداي بأنهما ملحدين متعصبين، فلقد تربيت في أسرة خالية من المؤمنين بفكرة الدين، أو هكذا ظننت.

سألني أحد الأصدقاء في نيويورك «ما تكونين؟». فرددت وأنا أشعر بالغضب من وقاحة السؤال وقلت «ماذا تقصد؟ أنا إسبانية». فقال: «أنتِ مسيحية إذن». حاولت أن أشرح له أنني لست كذلك، وأنني أفتخر بإلحادي، لكنني عجزت عن إقناعه، بل وعجزت عن إقناع نفسي.

ليس خفيًا أن ازدياد معدلات الهجرة إلى أوروبا بشكل مضطرد خلال نصف القرن المنصرم قد غيَّر من تركيبتها السكانية. في الواقع، بات ذلك أحد المخاوف السياسية الكبرى لدى الأوروبيين، ومنح شعبية للأحزاب اليمينية المتطرفة، وازداد زخم الحملات العنصرية، تُوج ذلك بفوز دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية الأخيرة في الولايات المتحدة، وفوز الزعيم اليميني خيرت فلدرز وحزبه في انتخابات هولندا في 2010، وتصدر فرانسوا فيون قائمة المرشحين اليمينيين لانتخابات الرئاسة في فرنسا. ويعزو البعض نتيجة استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) في جانب منها إلى الخوف من التعددية والمهاجرين. ولكن مع توقع وصول حوالي ثلاثة ملايين نازح إلى أوروبا بنهاية 2017، يبقى السؤال هو كيفية استيعاب الأوروبيين لهذا التنوع.

تبنَّت معظم البلدان الأوروبية المبادئ الليبرالية، وهي الاعتقاد أن جميع الناس سواسية بصرف النظر عن الأعراق والأديان، وتفخر بما يسميه البعض «القيم الأوروبية». ليس لهذا معنى واضح، لكن فكرة العلمانية، الفصل بين الدين والدولة، تبدو محورية. ففي أوروبا، لا سلطة للدين على النواحي السياسية والاجتماعية.

تفترض الفكرة ببساطة أن للناس الحرية في ممارسة عباداتهم، أيًا كانت، في بيوتهم، لكن لا يُسمح لهم بذلك في الفضاء العام. ولهذا جرى حظر بعض أشكال الحجاب في بعض البلدان، والسبب في ذلك هو ضمان الأمان والمساواة للجميع.

لكن هذا غير صحيح. فرد الفعل على ظاهرة البوركيني في فرنسا الصيف الماضي تشهد على ذلك. إذ أننا لم نستبعد الدين من الحياة العامة، ولكننا تبنينا ثقافة مسيحية غير متدينة نسميها علمانية. ونحن متعصبون للعلمانية إلى الحد الذي لا يجعلنا ندرك ذلك. وكما قال الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر، فإن تجربتنا كبشر تتجذر في واقعنا. ووما يبدو طبيعيًا لطالما كان له جذر تاريخي. في قول آخر، فإن المسيحية تسيطر على أوروبا، حتى مع زعمها بأنها علمانية.

وللتدليل على ذلك، نشهد الآن استعداد المدن الأوروبية للاحتفال بعيد الميلاد المجيد بإنفاق أموال طائلة لإنارة الشوارع. وفي المنطقة التي أتيتُ منها، تستعد المدارس لأداء الأطفال مسرحيات عن إخلاص المسيح. وهناك تقاليد مشابهة  في دول أخرى. بل إن حتى أكثر الملحدين تشددًا يشترون هدايا للكريسماس ويأكلون الشيكولاتة لعيد الفصح. وتغلق جميع المتاجر أبوابها أيام الأحد.

يصف الفيلسوف مارك تايلور في كتابه «في رحاب الرب» العلمانية بأنها «ظاهرة دينية مستقاة من التقاليد المسيحية التقليدية». ويضيف أن العلمانية والحداثة متلازمتان ولكن كلتاهما متجذرتان في دين الغرب. وتكمن المغالطة في حقيقة أن الحداثة، وخاصة التنوير، جعلتنا نظن أن العلمانية مفهوم عالمي. لكن أول ظهور لتلك المبادئ كان في المجتمعات المسيحية. وحتى مع فصل الدين عن الدولة، فلا يمكن اقتلاع قرون من التقاليد من الثقافة، ولا أقول إنه يجب فعل ذلك.

لكن هذا النهج خلق لهجة معادية للمسلمين واليهود المتدينين، الذين يعتبرون أن الدين جزء من ثقافتهم، وذلك لأن معظم الأوروبيين ثقافتهم مسيحية، حتى بعد أن هجروا فكرة وجود إله. وقد حصلت الأحزاب اليمينية المتطرفة على شعبيتها بسبب المناصرين من العلمانيين الذين وضعوا الأمر في نطاق نحن وهم.

وما لم ندرك مدى تغلغل المسيحية في ثقافتنا حتى الآن، ستتسع دائرة القلق مع تدفق المزيد من المهاجرين غير المسيحيين. يتعين علينا الكف عن التظاهر بأننا نعيش في أماكن لا دين فيها، وأن على المهاجرين المسلمين ممارسة شعائرهم في الأماكن المخصصة لذلك، لأن هذا ما يفعله الأوروبيون المسيحيون. يشعر المهاجرون القادمون إلى أوروبا أنهم قد أتوا إلى أرض الثقافة المسيحية، ويكتشفون أنها متعصبة أكثر مما نعتقد.

ذات مرة سأل معلمي إحدى زميلاتي المسلمين: «ما اسمك المسيحي؟» في أول يوم دراسي لها في إنجلترا، فردت قائلة: «لستُ مسيحية»، فضحك زملاؤها في الفصل عليها. إن هذا المثال يظهر العنصرية الدينية التي تشهدها الأماكن التي يفترض أنها علمانية.

وحتى يتجنب العديد من المهاجرين هذا المأزق، فإنهم يصنفون أنفسهم مسلمين لا يمارسون الشعائر. وقد تبين أن سبب جنوح بعض المسلمين نحو التشدد هو المعاملة السيئة التي يلقونها في أوروبا. يقول بيتر نيومان، مدير المركز الدولي لدراسات التطرف في لندن، إن الجيل الثاني والثالث من المهاجرين المسلمين يشعرون بتضارب في الهوية، فعلى الرغم من أنهم قد وُلدوا في أوروبا ويحملون جواز سفر أوروبي، إلا أنهم يشعرون بعدم الانتماء إلى أوروبا، وينظر إليهم سكان أوروبا الأصليين على أنهم غرباء بسبب اختلاف الاسم والشكل.

وبصرف النظر عما إذا كنا نحن الأوروبيون ننظر إلى أنفسنا على أننا مسيحيون أم لا، فإن القادمين من خارج أوروبا ينظرون إلينا على أننا مسيحيون وهو ما يدفعهم إلى التطرف. وما حادثة تشارلي إبدو عنا ببعيد، فقد انتفض الناس في فرنسا، قلعة العلمانية، دفاعًا عما أسموه حرية التعبير، بما في ذلك حرية السخرية من الأديان، بعد الهجوم الذي تعرضت له الصحيفة، لكنهم لم يكترثوا لاستهزاء الصحيفة بمشاعر ستة ملايين مسلم في فرنسا، وهي إحدى أكبر الجاليات المسلمة في أوروبا. فمن خصال العلمانية المسيحية هو السخرية مما هو مقدس.

بات نجاح الأوروبيين في اختبار العلمانية يعتمد على مدى قدرتهم على استيعاب التدفق المحتوم لآلاف المهاجرين من ثقافات وديانات مختلفة. وكما يقول نيومان، يمكننا التعلم من الولايات المتحدة، التي رحبت بالمهاجرين بصرف النظر عن معتقداتهم. ولعل السبب في ذلك هو أن الولايات المتحدة كانت منفتحة أكثر على التنوع الديني (وذلك لأن معظم المستوطنين الأصليين كانوا أقليات دينية فرت من الاضطهاد في أوروبا، أو لأسباب جيوسياسية، وأن فكرة الهوية الوطنية جرى تعريفها بشكل أقل بالسمات العرقية والثقافية الضيقة). ولا بد من النظر لفوز ترامب بالرئاسة كإشارة تحذير على ما يمكن للشعبوية وتجاهل ثقافة الخوف للأغلبية الصامتة أن يفعله.

تمكن المدافعون عن القيم العلمانية في الولايات المتحدة من تحييد الشريحة الكبيرة من الناس الذين ما يزالون يرون أن المسيحية هي عماد الثقافة الأمريكية. كان ذلك ما اعتمد عليه الحزب الجمهوري واليمين المتطرف في مخاطبة الطبقة العاملة من البيض. وقد أمن خطاب ترامب العنصري ضد المسلمين، بدءً من ربطه بين الإسلام والإرهاب مرورًا باقتراحه فرض حظر كامل على دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة ووصولاً إلى طرح فكرة إنشاء قاعدة بيانات للمسلمين فقط، ثقة أولئك الأمريكيين له بسبب خوفهم من تجاهل الليبراليين قيمهم المسيحية.

ولعله يتعين على اليسار الأمريكي الكف عن النظر إلى العلمانية الأوروبية بوصفها نموذجًا يحتذى والاعتراف بأن العلمانية المسيحية المدمجة في الثقافة الأمريكية هي خطوة هامة لدمج المسلمين والأقليات الدينية الأخرى. وبالمثل، يتعين على الدول الأوروبية الاعتراف بخلفياتنا الثقافية كما هي، والتوقف عن فرضها على الآخرين بوصفها النموذج الأمثل. ففي نهاية المطاف، ثبُت أننا على خطأ مرارًا وتكرارًا.

الكاتبة: ميريرا روسا، صحفية إسبانية مقيمة بالولايات المتحدة الأمريكية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد