قال آدم توز في مقال له على موقع مجلة «فورين بوليسي» إن الاتحاد الأوروبي اعتاد إسناد تنفيذ المهمات القذرة الخاصة به إلى الأنظمة المستبدة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وأوضح توز أن علاقات أوروبا مع جيرانها العرب ومستعمراتها السابقة محفوفة بالمخاطر. فالقمة غير المسبوقة بين الدول العربية والاتحاد الأوروبي التي عُقدت في شرم الشيخ في مصر كانت صدامًا بين الأنظمة السياسية. إذ يفخر الاتحاد الأوروبي بسياسة خارجية تقوم على القيم وتؤكد الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان. بيد أنه من بين 30 دولة عربية اجتمعت في مصر، فإن تونس فقط هي الأقرب نحو الوفاء بتلك المعايير.

حضر القمة 20 رئيس حكومة أوروبيًا، بما في ذلك المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ولكن فقط بعد أن وافق الرئيس السوداني عمر البشير وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، على عدم الحضور. لعل هذا يكون قد جنب الأوروبيين الإحراج، لكنه كشف حجم النفاق الذي يسيطر على الاتحاد الأوروبي لقبوله ضيافة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

ديفيد هيرست: هكذا يستفيد السيسي من قادة أوروبا «المغفلين»

التغاضي عن جرائم السيسي

كان السيسي قد أطاح بحكومة الإخوان المسلمين المنتخبة في صيف 2013 على حساب مئات الأرواح، يشير توز. ومنذ ذلك الحين، حكم بقبضة حديدية؛ فسجن عشرات الصحفيين والسجناء، وفقًا لـ«هيومن رايتس ووتش»، إذ وصل عدد المعتقلين من خصومه السياسيين إلى حوالي 60 ألف معتقل. وأعدم في الشهر الماضي تسعة أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين. ورغم تعهده بعدم الترشح للرئاسة في البداية، إلا أن مؤيديه يروجون الآن لبقاء الرجل على رأس السلطة حتى عام 2034.

وبينما يتظاهر السيسي بأنه رجل دولة متحضر؛ فإن السعوديين لا يهتمون بذلك حتى. تعثر الملك سلمان خلال إلقائه خطاب القمة قبل مغادرته. ولم يهتم أحد بالاستماع إلى خطابه أصلاً.

تزعم أوروبا أن تغاضيها عن الانتهاكات المتعلقة بحقوق الإنسان ضرورة دبلوماسية في عالم فوضوي، ينوه توز. ولكن هذا تبرير زائف. فالسؤال الحقيقي هو لماذا تشعر أوروبا أنه من الضروري للغاية إقامة علاقات بينها وبين الأنظمة الاستبدادية؟

إن الأساس المنطقي لعقد اجتماع مع الدول العربية هو أن على أوروبا أن تتحدث مع جيرانها. من الصعب إنكار ذلك. لكن هذا لا يخلو من آثاره. فالسيسي يتوق إلى الشرعية الدولية. وقد منحه الاتحاد الأوروبي ذلك بقبول دعوته. كما وفر ذلك منصة للفت الأنظار للسيسي. أنهى دونالد توسك، رئيس المجلس الأوروبي، مؤتمرًا صحفيًا مع السيسي بعد أن قال الأخير «لن تعلمونا عن الإنسانية»، ليحظى بتصفيق حار من الصحافيين المصريين الموالين له. وأصر السيسي على أن لدى الأوروبيين والعرب «فهمًا مختلفًا للإنسانية والقيم والأخلاق. احترموا قيمنا وأخلاقنا كما نفعل نحن».

إذا كان الاتحاد الأوروبي يتمسك حقًا بمبادئه -يضيف توز- فكيف يغض الطرف عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، لا سيما من شخص مشكوك في شرعيته مثل السيسي؟ تشير استطلاعات الرأي المستقلة إلى أن جزءًا كبيرًا من الرأي العام المصري يعترض في الواقع على عنف نظامه.

الواقعية تقتضي «الرقص» مع أي أحد

لقد كان تواطؤ الاتحاد الأوروبي، كما اعترف أحد الدبلوماسيين البارزين، تماشيًا مع «الواقعية» الجديدة. كان رئيس الوزراء الهولندي مارك روتا حريصًا على تهدئة الغضب من أوروبا حين قال إن على أوروبا قبول أن «القوة» ليست كلمة قذرة. وكالعادة، كان جاهزًا بتبرير عامي: «في بعض الأحيان عليك أن ترقص مع أيّ كان من يعتلي المسرح»، كما قال في خطاب في سويسرا قبل قمة مصر.

لكن هل هذا في الواقع منطقي؟ يتساءل توز. وأي نوع من القوى يرقص معها الأوروبيون؟ ولماذا تحتاج أوروبا إلى الرقص أصلاً؟

من المؤكد أن السيسي يسيطر على السلطة في الوقت الراهن بقبضة وحشية. لكن هل يقدم نظامه للمصريين نظرة إيجابية على المدى الطويل؟ إن هذا ليس واضحًا. وبصفتها الشريك التجاري الرئيسي لمصر، فإن أوروبا لها رأي في الأمر. إن حصة أوروبا من التجارة مع مصر تبلغ 30%. ولكن هل نسي الاتحاد الأوروبي موقفه المحرج من مساندته لمعمر القذافي أو حسني مبارك، اللذين أسقطا عندما بدأ الربيع العربي في عام 2011؟ يواصل توز التساؤل

وبصرف النظر عن حقيقة الجيرة، ما الذي يلزم الاتحاد الأوروبي بالتعامل مع مثل هؤلاء الحكام؟ إن كلمة «الواقعية» كاشفة. إن الحديث عن ضرورة التعامل مع الأيدي القذرة، يجعلنا نتجنب طرح الأسئلة والحصول على مبررات.

صداع المهاجرين يؤرق أوروبا

يرى توز أن ما يجبر الاتحاد الأوروبي على الحوار مع الجامعة العربية هو فشله في معالجة مشكلة الهجرة في أوروبا. جامعة الدول العربية ليست فقط مصدرًا للاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين الاقتصاديين، ولكنها أيضا الحاجز بين أوروبا وعشرات الملايين في منطقة الساحل ومنطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى الذين قد يرغبون في الهجرة شمالاً.

من الواضح أن الحل البناء الوحيد لهذه المشكلة على المدى البعيد هو إحلال السلام عبر إعادة الإعمار في ليبيا وسوريا والعراق. والتنمية الاقتصادية للمنطقة بأكملها. بقيادة الألمان، سعت أوروبا إلى تنفيذ أجندة تنمية طموحة لأفريقيا. هذا هو النهج الصحيح. لكن حجم المشكلة مروع. والأموال المرصودة لهذه الخطط غير كافية بشكل يائس. وحتى لو كان من الممكن جمع الأموال، لم يكتشف أحد حتى الآن كيفية تنفيذ مشاريع البنية التحتية على نطاق واسع. إن العالم كله ينتقد الصين بسبب مبادرة «حزام واحد وطريق واحد». وكما كان وزير المالية الألماني مؤخرًا شجاعًا بما يكفي ليعترف، فإن التنمية الاقتصادية قد تزيد من الهجرة ولا تقللها.

باختصار، لا يوجد ما يضمن لأوروبا عدم استقبال تدفق كبير من المهاجرين من جيرانها الجنوبيين، يشدد توز. علاوة على ذلك، وبالنظر إلى التركيبة السكانية، يتضح بسهولة أن أوروبا تحتاج إلى أولئك المهاجرين. لكن ما يجعل الأمر صعبًا للغاية هو أن أوروبا غير مستعدة للتعامل مع هذا التدفق.

كشفت أزمة اللاجئين المستمرة في السنوات الأخيرة أن أوروبا تفتقر إلى حرس سواحل ممول ومجهز بشكل كاف. ويفتقر إلى مراكز تجهيز تمول مركزيًا وقادرة على التعامل بشكل حضاري وفعال مع تدفقات كبيرة من المهاجرين. وتفتقر الدول إلى صيغة عادلة ومعقولة لتوزيع المهاجرين عبر الاتحاد الأوروبي. فكانت بطيئة وغير فعالة في دمج المهاجرين بشكل مثمر في القوى العاملة الأوروبية ومنحهم المواطنة الكاملة، وبناء صورة إيجابية عن المستقبل الأوروبي.

إن كل هذا يحتاج إلى أموال طائلة -يقول توز- لكنه أمر يستحق الاستثمار فيه. يعاني الاتحاد الأوروبي من ضعف شديد في ميزانيته الخاصة بالمهاجرين التي لا تتجاوز 1٪ من الناتج المحلي الإجمالي. وهذا يعطل في النهاية صيغة دبلن، بما يسمح لمزيد من الدول الأوروبية الشمالية برمي مشكلة اللاجئين المتوسطيين على عاتق دول المواجهة: اليونان وإيطاليا وإسبانيا فقط.

مجبر أخاك لا بطل

إن عجز أوروبا عن التعامل مع مشكلة تدفق اللاجئين هو ما يجبرها على الاعتماد على جيرانها الجنوبيين المتسلطين، يشير توز. ظهر هذا لأول مرة في عام 2016 في الصفقة التي أبرمتها ميركل مع رجب طيب أردوغان. سيدفع الاتحاد الأوروبي أموالاً لتركيا مقابل استقبالها اللاجئين العائدين من أوروبا. وجرت صفقات مشابهة مع ليبيا. وفي شرم الشيخ، لم تغب المسألة عن القمة.

إن مثل هذه الصفقات تشكل أمرًا لا مفر منه بالنسبة لأوروبا على المدى القصير. بيد أن تبرير ذلك بأن التحلي بالواقعية هو محض خداع. يقول أنصار هذه النظرية إن الدول لديها مخاوف أمنية وتوجه سياساتها وفقًا لذلك، وهو ما يولد إحساسًا بانعدام الأمن لجيرانهم. والنتيجة هي المأزق الأمني المأساوي، وعالم من الخصومة والتنافس قد يتطلب فيه الدفاع عن الأمن سياسات صارمة عديمة الضمير، إذا لزم الأمر.

لكن هذه ليست مشكلة الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بنظام السيسي في مصر -يستدرك توز- اللهم إلا إن كان التعامل مع المهاجرين يتم على أنهم أعداء يجب على المرء أن يلتمس حلفاء لردعهم، مهما كانوا بغيضين. يجب أن تكون مشكلة الهجرة هي ما يسميه الفيلسوف يورجن هابرماس مشكلة السياسة الداخلية العالمية. إن عدم الاتساق والتناقض الداخلي للاتحاد الأوروبي هو الذي يؤدي به إلى إسناد مهامه القذرة لجيرانه المتسلطين. لو أن السيسي كان انتقد نفاق الاتحاد الأوروبي بدلاً من استدعاء القيم العربية كذريعة لقتل خصومه السياسيين، لكان الحق في صفه.

إن الحديث عن الواقعية هو حجة لعدم استكشاف الخيارات وسبل العمل المتاحة، يختتم توز بالقول. وهناك فرق بين أن نكون واقعيين بشأن الحاجة إلى العمل مع الصين بشأن تغير المناخ، فليس هناك بديل، وبين مسألة الإصرار على ضرورة التعامل مع السيسي وأمثاله لأن أوروبا لا تستطيع التعامل مع مشكلة الهجرة. هذا هو اختيار أوروبا. وليس للأمر علاقة بالواقعية بقدر ما هو إخفاق مهين للحكم الديمقراطي.

«فورين بوليسي»: في الشرق الأوسط وخارجه.. 2018 كان ربيعًا للاستبداديين

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد