كتب بيتر راف، الباحث في معهد هدسون الأمريكي، تحليلًا نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية حول تطلعات أوروبا للاستقلال عن أمريكا، خاصة مع استمرار ضغوط الإدارة الأمريكية في عهد دونالد ترامب، ومحاولة فرنسا الاستقلال بأوروبا عن أمريكا، وتوفير مظلة نووية لها بدلًا عن الناتو. ويرى الباحث أن مشروع فرنسا يعاني من عدة نقاط ضعف، أولها أن حتى أكبر حليف لفرنسا في أوروبا – وهي ألمانيا – تنظر إلى الخلاف مع واشنطن على أنه شيء، والانفصال عنها كلية على أنه شيء آخر. كذلك يرى أن أوروبا الضعيفة في حاجة إلى أمريكا أكثر من حاجة الأخيرة إليها.

يستهل الباحث تحليله بالقول: عقد مؤتمر ميونيخ الأمني هذا العام تحت عنوان «عدم الاهتمام بالغرب». والمعنى المتضمن في الكلمة واضح: فالولايات المتحدة وأوروبا لا تتبنيان مواقف منفصلة ومتعارضة في كل شيء من الاتصالات إلى الطاقة فحسب، بل أنهما أبرزتا خلافات حادة فيما يتعلق باللبنات الأساسية للعلاقات الخارجية، أي كيف يجب أن يعمل النظام الدولي. 

دولي

منذ 8 شهور
هنا تصاغ سياسة العالم سرًا.. لماذا يحمل مؤتمر ميونخ كل هذه الأهمية؟

واستحوذ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على الأضواء، وجعل قلوب الأوروبيين الاتحاديين تخفق عندما دعا الى «طريقة أوروبية» في حين أثار احتمال إقامة رادع نووي أوروبي بقيادة فرنسا، وهو شرط مسبق لأي استقلال حقيقي عن الولايات المتحدة. 

من الأمور البديهية في العلاقات الدولية أن الديمقراطيات لا تخوض حروبًا ضد بعضها البعض، لكن الأمر الأقل وضوحًا هو الظروف التي قد تنفصل في ظلها إلى تكتلات إستراتيجية متنافسة. والتاريخ مليء بأمثلة للديمقراطيات التي تحتشد مع بعضها البعض في تحالفات إستراتيجية، لكن الأمثلة قليلة على قيام مثل هذه الدول بالانفصال والتحول إلى المنافسة السياسية. فهل الولايات المتحدة وأقرب حلفائها في أوروبا على مشارف طلاق تاريخي؟

استطلاعات الرأي في ألمانيا تبدي معارضة لأمريكا

يضيف الباحث: إذا كانت استطلاعات الرأي معبرة عن الواقع، فنحن في حالة انفصال بالفعل. ولم يكن هذا الشعور أكثر حدة مما هو عليه في ألمانيا، أهم بلد في أوروبا. ففي يناير  (كانون الثاني) نشر مركز «بيو» للأبحاث استطلاعًا أظهر أن 57% من الألمان يحملون وجهة نظر مناهضة تمامًا للولايات المتحدة. قبل بضعة أشهر في سبتمبر (أيلول) ذكر المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن 70% من الألمان يريدون أن تظل بلادهم محايدة في أي صراع بين موسكو وواشنطن.

Embed from Getty Images

وتعد الدوافع الألمانية المعادية لأمريكا ظاهرة متعددة الجوانب وراسخة في الحياة الاجتماعية والسياسية. فبالنسبة لبعض الألمان، يُنظر إلى الرأسمالية الأنجلو-ساكسونية على أنها بلا رحمة وبلا أساس، وتقضي على النظام الاجتماعي من أجل خدمة الجشع الفردي. وبالنسبة للآخرين فإن هيمنة الولايات المتحدة على الغرب تولد الاستياء، خاصة في عصر العولمة، عندما تؤثر أوهن الصدمات عبر المحيط الأطلسي على النتيجة النهائية بالنسبة لألمانيا أو تخرج دبلوماسيتها عن مسارها.  

أمريكا لا تهتم بالدبلوماسية متعددة الأطراف

غير أن الأهم من ذلك كله في نظر الكاتب هو أن ألمانيا تشعر بالفزع لأن الولايات المتحدة، وخاصة إدارة الرئيس دونالد ترامب، لا تشاركها احترامها للطموح المركزي لمؤتمر الأمن في ميونيخ: أي «الدبلوماسية متعددة الأطراف». 

في الواقع إن الليبراليين – حتى في الولايات المتحدة – يشككون في تعددية الأطراف على النمط الأوروبي. وكما أوضح توماس رايت من معهد بروكنجز مؤخرًا فإن اليسار الأمريكي يفضل «نهجًا قائمًا على القيم لذوي التفكير المماثل دعمًا فكرة معينة عن النظام الدولي» بدلًا من «مشروع يلتئم فيه شمل الجميع بما في ذلك دول مثل الصين وروسيا». 

قد يكون هذا النهج موضع ترحيب في ألمانيا أكثر من تركيز إدارة ترامب على النتائج وتقديمها على العملية، لكنها لا تزال تمثل ضربة للألمان، الذين تزدهر خبرتهم الفنية في الأجواء المتخلخلة للحكم العالمي، ولكنها تتعثر في الصعوبات القاتمة للمنافسة الجيوسياسية. في ميونيخ أشاد المسؤولون الألمان بفخر بمؤتمرهم الأخير حول ليبيا، والذي نجح في الحصول على موافقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، لكنهم أقروا بأن جهودهم لم تفعل شيئًا يذكر لإبطاء الصراع الفعلي على الأرض.

ومع إحباط ألمانيا من الولايات المتحدة (واستغراق المملكة المتحدة في «البريكست»)، وجدت فرنسا فرصة للضغط لتحقيق أحلامها الديجولية، وهي في كل منعطف تسعى إلى تمكين الاتحاد الأوروبي مع الحد من نفوذ من «الناتو». 

يتابع الباحث: كما أخبرني أحد المسؤولين الأمريكيين مؤخرًا، «تريد فرنسا أن يكون الناتو مجرد خط هاتف للإبلاغ عن الطوارئ في حالة نشوب حريق يستدعي إنذارًا من الدرجة الخامسة». وأدى ذلك إلى توتر بين باريس وواشنطن، التي تفضل أن يكون «حلف الناتو» أكثر نشاطًا.

لكن تلك الاحتكاكات ظلت في الغالب عند المستوى الفني لسبب بسيط: لأن الطبقة السياسية في الولايات المتحدة متأكدة من أن أوروبا لن تتخلى عنها. وهذا صحيح في نظر الباحث لثلاثة أسباب كانت واضحة في ميونيخ الأسبوع الماضي.

Embed from Getty Images

أسباب عدم قدرة أوروبا التخلي عن أمريكا

أولًا لا تزال أوروبا منقسمة فيما بينها. ففي ميونيخ أكد جوزيب بوريل الممثل الأعلي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في الاتحاد الأوروبي على هذه النقطة خلال حوار مثير للجدل مع وزير الخارجية البولندي جاسيك تشوابوتوفيتش الذي أنفق الكثير من الجهد للضغط من أجل الشراكة عبر الأطلسي. ورد بوريل قائلًا: «أنت تعيش بحرية بسبب الفاتيكان والولايات المتحدة. لكنني عشت في ظل الديكتاتورية لمدة 40 عامًا بسبب الفاتيكان والولايات المتحدة. لا أستطيع أن أقول إنني أرى الولايات المتحدة بالطريقة ذاتها».

حتى أقرب حليفتين مفترضتين – وهما: ألمانيا، وفرنسا – أظهرتا خلافات حادة خلال المؤتمر. إذ استخدم ماكرون أسلوبًا متوترًا، وأطلق مؤخرًا موجة صاخبة من المبادرات المدمرة، تصطدم جميعها بالنهج الأكثر ثباتًا والأكثر قابلية للتنبؤ الذي تفضله برلين. وفي حين يعلن ماكرون عن مواقف جديدة، بما في ذلك التواصل الإستراتيجي مع روسيا، تشعر برلين بالقلق والدهشة. وهكذا تعد أهم دولتين في أوروبا على خلاف، من غرب البلقان إلى ليبيا.

وتمتد هذه الاختلافات إلى الهيكل السياسي لأوروبا. وبحذلقته المعتادة، توجه ماكرون إلى ميونيخ لإلقاء خطاب، ولكن أيضًا لممارسة تأثيره من خلال الصحافة الألمانية، والالتقاء مع حزب المعارضة في البلاد؛ كل ذلك في خدمة رؤيته لأوروبا. 

وعلق أحد الحاضرين لكاتب التحليل منتقدًا أنشطة ماكرون الجانبية قائلًا: «لو تصرفت القيادة الألمانية بهذه الطريقة في باريس. سيكون هناك غضب». وبدلًا عن ذلك ردت ميركل على نداء ماكرون من أجل المزيد من الاستقلال لأوروبا بصمت مطبق. وبالنسبة إلى الأمريكيين يبدو الدرس واضحًا «إن الشكوى من الولايات المتحدة شيء، أما صياغة نظام أوروبي مستقل فهو شيء آخر تمامًا».

أوروبا تسير في طريق الضعف والاضمحلال

ثانيًا استنادًا إلى أي مؤشر قوة فعلي تسير أوروبا في طريقها إلى الضعف. إذ يفتقر اقتصادها غير المرن إلى ثقافة المخاطرة التي تنتج الابتكار، وتتحول تركيبتها الديموجرافية من سيئ إلى أسوأ. والقدرات العسكرية لأوروبا الغربية لا تعدو أن تكون مادة للنكات. وينقل البحث عن خبير أمريكي قال له بعد المؤتمر: «ما الفائدة من عقد مؤتمر أمني في بلد جيشه أصغر من جيش فرنسا؟». 

حتى التيار الرئيس الموثوق للقارة في حالة تفتت. فلا أحد يستطيع أن يقول إن أحزاب الوسط من المؤكد فوزها في انتخابات العشرينات، وحتى ماكرون فربما يكافح من أجل الفوز والبقاء في الإليزيه بعد عام 2022. ونتيجة لذلك عندما ينظر الأمريكيون إلى أوروبا، فإنهم يرون قارة متدهورة في حاجة إلى دعم الولايات المتحدة بدلًا عن اتحاد أوروبي على وشك الإقلاع مُحَلقًا.

Embed from Getty Images

الولايات المتحدة وأوروبا تتحدثان لغة مختلفة بشأن الصين

ثالثًا يدرك الأمريكيون أن أوروبا تفتقر إلى قوة جذابة. فاليوم لا توجد كتلة أخرى في العالم تميل إلى أوروبا أكثر من أمريكا. بعبارة أخرى: إذا انفصلت أوروبا حقيقة عن الولايات المتحدة، فستجد صعوبة في العثور على أطراف ثالثة تفضلها على الولايات المتحدة. فمن القدس إلى طوكيو، يحافظ جميع الشركاء الطبيعيين لأوروبا على علاقات مع واشنطن أوثق من علاقتهم مع بروكسل. ومن المؤكد أن هناك تحالفات متنقلة متاحة للمبادرات الأوروبية – على سبيل المثال – لتبقى الأضواء مسلطة على منظمة التجارة العالمية.

لكن في الغالب الأعم لا تشترك مراكز القوى الكبرى في العالم مع أوروبا في انجذابها لتجاوز السلطة القومية، ولا في صيغتها الخاصة بالدبلوماسية متعددة الأطراف. ونتيجة لذلك يدرك الأمريكيون أنه من المرجح على نحو أكبر أن تنفصل أوروبا عن الولايات المتحدة على أساس كل قضية على حدة بدلًا عن أن تتبنى موقفًا إستراتيجيًا مستقلًا.

ومع ذلك فإن العالم مليء بالخُطاب الذين يقدمون عروضًا مغرية للتعاون. على وجه الخصوص تشجع أقوى دولتين غير ليبراليتين – وهما الصين وروسيا – أوروبا على الابتعاد عن الولايات المتحدة. وكلتاهما تقدمان بدائل زهيدة الثمن للنظام الدولي الليبرالي في مجال الاتصالات والطاقة. ومن الملاحظ بقوة أن اعتماد ألمانيا الاقتصادي المتزايد على الصين يدفعها بعيدًا عن الولايات المتحدة لتكون أقرب إلى الحياد الفعلي في القضايا الأمنية الرئيسة.

ومن المرجح أن يزداد هذا الاتجاه في السنوات القادمة. وبدلًا عن مقاومة إستراتيجية روسيا للابتزاز في مجال الطاقة، أو هيمنة الصين على تكنولوجيا الأمن القومي، قد تتحول ألمانيا إلى سويسرا كبيرة الحجم. هذا سيوفر غطاءً للأوروبيين الآخرين الذين يتطلعون إلى لفرص الاقتصادية في الصين. في ميونيخ – على سبيل المثال – قدم وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو دفاعًا مطولًا عن قرار إيطاليا بالانضمام إلى مبادرة الحزام والطريق.

Embed from Getty Images

الأوروبيون ينعمون بالسلام الأمريكي منذ الحرب العالمية الثانية

يكمل التحليل: إذا كان هناك شيء يتعلق «بتراجع الغرب»، فهي السرعة التي نسي بها بعض الأوروبيين عدم جاذبية العالم قبل فترة السلم الأمريكي Pax Americana (فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية التي اتسمت بالهيمنة الأمريكية). نادرًا ما كانت حياة الغرب جيدة كما هي الآن. وربما تطالب الولايات المتحدة بعلاقة أكثر توازنًا بشأن كل شيء من التجارة إلى الأمن، ولكن هذا ثمن ضئيل مقابل ما يقدمه النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. وقد لا تكون الولايات المتحدة سهلة المنال، ولكن على عكس الصين، فإن مشاعرها تجاه أوروبا صادقة ودائمة.

دولي

منذ سنة واحدة
«فورين بوليسي»: لمواجهة التراجع الأمريكي.. هل ستبني أوروبا جيشها الخاص؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد