تتجه دول أوروبا نحو اتباع نهج متشدد أكثر فأكثر حيال الهجرة غير الشرعية والتنصل من روح اتفاقية عام 1951 الخاصة باللاجئين. 

تناولت صحيفة «الجارديان» البريطانية في افتتاحيتها أن دول أوروبا أصبحت تتخلى شيئًا فشيئًا عن روح اتفاقية اللاجئين التي وُقِّعت قبل 70 عامًا من خلال تبني نهج أكثر تشددًا ضد المهاجرين غير الشرعيين، موضحةً كيف فقدت القارة العجوز بوصلتها الأخلاقية.

اتفاقية اللاجئين

استهلت الصحيفة البريطانية افتتاحيتها بالإشارة إلى أن اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة باللاجئين أقرَّت في عام 1951، أي قبل 70 عامًا، حقوق اللاجئين في البحث عن ملاذ يوفِّر لهم الأمان والعيش بكرامة، وضمنت لهم التزام الدول بحمايتهم. لكن يبدو أن معظم دول أوروبا اختارت أن تُحيي الذكرى السنوية السبعين للاتفاقية بتمزيق بعض مبادئها الأساسية إربًا.

وأفادت الصحيفة البريطانية بأن عدد المهاجرين الذين لقوا حتفهم أثناء محاولتهم عبور البحر الأبيض المتوسط وصل حتى هذا الوقت من العام الجاري، إلى حوالي ألف شخص، أي أكثر من أربعة أضعاف عدد المهاجرين الذين لقوا حتفهم في المدة نفسها من العام المنصرم. وكثير من هؤلاء المهاجرين أُرغِم على الهجرة إما بسبب الأزمات الاقتصادية التي تشهدها بلاده، وإما فرارًا من الاضطهاد الذي يتعرض له فيها. والأنكى من ذلك، أصبحت أوروبا لا تكترث بحال هؤلاء المهاجرين لأن جميعهم كانوا «غير شرعيين»، ويجب التصدي لهم وردعهم جميعًا من خلال تنفيذ إستراتيجية قاسية وذات إجراءات فظَّة.

Embed from Getty Images

أوروبا في موقف المتفرج

وألقت الصحيفة الضوء على المأساة الأخيرة التي وقعت الأسبوع الماضي عندما لقي 57 شخصًا على الأقل حتفهم عندما انقلب القارب الذي كانوا يستقلونه بسبب هبوب رياح عاتية قبالة الساحل الليبي. ونظرًا إلى تقليل عدد الدوريات البحرية إلى حد كبير، سواء التي تنظمها الوكالات الإيطالية أو الأوروبية، أدَّى ذلك إلى زيادة احتمالية وقوع مثل هذه الكوارث والمآسي الإنسانية. ويواجه أصحاب سفن الإنقاذ التابعة للمنظمات غير الحكومية في الآونة الأخيرة صعوبات إدارية وقانونية في المحاكم واستولت السلطات على سفنهم. وبينما تقف قارة أوروبا موقف المتفرج، اعترضت دوريات خفر السواحل الليبي قوارب المهاجرين البائسين، وأودعت الآلاف منهم مراكز الاحتجاز التي ينتشر فيها العنف الجنسي، والتعذيب، وسوء المعاملة.

وفي اليونان، علَقت أعدادٌ غفيرة من المهاجرين في مأزق ميؤوس الخروج منه، وأُلقي بعديد منهم في مخيمات رديئة مكتظة. وبعد تعرض مخيم موريا، في جزيرة ليسبوس اليونانية، إلى حريق مدمر في سبتمبر (أيلول) الماضي، سارعت المفوضية الأوروبية إلى إطلاق «ميثاق جديد بشأن الهجرة واللجوء»، مشددة على ضرورة تحقيق التوازن بين حماية الحدود والمخاوف الإنسانية.

إجراءات في دول أوروبا لردع المهاجرين

بيد أنه لا توجد حتى الوقت الراهن أي اتفاقية بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بشأن حصص إعادة توطين المهاجرين، وغيرها من الإجراءات التي يُمكن أن تنزع فتيل الأزمة. وفي الوقت نفسه، انتشر استخدام «مدافع الصوت» التي تصم الآذان على الحدود اليونانية مع تركيا لردع المهاجرين، بالإضافة إلى بناء جدار فولاذي (على طريقة ترامب) لإغلاق نقاط العبور الحدودية. وربما تكون مهمة هذا الجدار هي منع آلاف الأفغان من الفرار من حركة طالبان، والذين يشقون طريقهم حاليًا عبر تركيا.

Embed from Getty Images

ولفتت الافتتاحية إلى ما أفادته عدة تقارير وردت من اليونان وأماكن أخرى عن طرد اللاجئين دون النظر في طلبات لجوئهم. إن مثل هذه «المُعوِّقات» المزعومة تتعارض مع اتفاقية عام 1951. ويراوغ السياسيون أيضًا بشأن المبادئ الأخرى التي جرى التوقيع عليها قبل 70 عامًا. وفي شمال أوروبا، أقرَّت الحكومة الديمقراطية الاجتماعية في الدنمارك قانونًا لتمكين طالبي اللجوء من الرحيل والانتقال لآلاف الأميال، بينما ينظر في طلباتهم في بلد ثالث.

وتستهدف رئيسة الوزراء الدنماركية، ميت فريدريكسن، بوضوح من إقرارها هذا القانون إيقاف تقديم مزيد من طلبات اللجوء في الدنمارك. وتسعى حكومتها إلى إعادة مئات اللاجئين قسرًا إلى سوريا، وهي الخطوة التي من المرجح أن يُطعن فيها أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. وعلى نحو مماثل، كانت بريطانيا قد جرَّمت هجرة المهاجرين الذين يصلون إليها عبر الطرق غير الشرعية، على أمل إجبارهم على تقديم طلبات لجوء في دولة أخرى.

موقف لا أخلاقي لقادة أوروبا

وخلصت الصحيفة البريطانية إلى أن أوروبا تتنازل عن مبادئها، على نحو غير أخلاقي وبعزيمة لا تلين، من خلال تنفيذها إستراتيجية «أوروبا المحصنة» الفظَّة لاعتمادها على استخدام القوة الغاشمة والردع. ومع ذلك، لا يُشكل اللاجئون سوى 0.6% من سكان الاتحاد الأوروبي. ولا يمكن إجراء موازنة بين عدد المهاجرين غير الشرعيين الذين يسعون إلى دخول أوروبا حاليًا، وما كان عليه الحال قبل ست سنوات، عندما كانت الحرب الأهلية السورية في ذروتها، وعندما أطلقت أنجيلا ميركل عبارتها الشهيرة «نستطيع أن ننجز ذلك (تعليقًا على قدرة بلادها على إدارة أزمة اللاجئين)».

العالم والاقتصاد

منذ سنة واحدة
بعد كورونا.. هل تغيرت نظرة الشعوب الأوروبية تجاه المهاجرين للأسوأ أم الأفضل؟

وفي ختام افتتاحيتها، تؤكد الصحيفة أنه من الممكن اتباع نهج إنساني تجاه مشكلة المهاجرين المستفحلة من خلال قيادة فعالة لدول أوروبا وتضافر جهودها، إلا أن الإرادة السياسية غائبة أو معدومة. ومنذ أزمة الهجرة في عام 2015، سُمح لليمين الشعبوي بفرض شروط إجراء مناقشة بشأن هذه المشكلة.

ومع ملاحقة الأحزاب اليمينية المتطرفة لهم، مثل ماتيو سالفيني، زعيم حزب «الرابطة» الإيطالي، وفيكتور أوربان، رئيس الوزراء المجري، ومارين لوبان، زعيمة حزب «التجمع الوطني» في فرنسا، ونايجل فاراج، زعيم حزب «بريكست» البريطاني، خاف أغلب ساسة التيار السائد في جميع أنحاء قارة أوروبا من الظهور بصورة المتساهلين؛ فقَسَت قلوبهم وماتت ضمائرهم، وتوقفوا عن منح اللاجئين المحتملين جلسة استماع عادلة. وأدَّى هذا الفقدان للبوصلة الأخلاقية إلى التخلي عن روح الإنجاز الإنساني العظيم الذي تحقق قبل سبعة عقود من الزمان.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد