يُنظر إلى رجب طيب أردوغان، الرئيس التركي العنيد، في السنوات الأخيرة كشخصية منبوذة من قبل السياسيين الأوروبيين القلقين حول وجهة نظره الاستبدادية، ونظرته السياسة الإسلامية الرجعية الجديدة ورفضه الانصياع لرغبات واشنطن وحلف الناتو.

 

ولكن عندما توجه صوب بروكسل لمدة يومين لإجراء محادثات، وهي أول زيارة له منذ إلغائه على نحو مفاجئ رحلة عام 2011، أدرك زعماء الاتحاد الأوروبي بشكل مؤلم أن الأمور قد تبدلت.

 

فبينما تواجه أوروبا تدفقًا غير مسبوق للمهاجرين، وتهديدًا متزايدًا من إرهابيي الدولة الإسلامية، وتدخلاً عسكريًا روسيًا في سوريا دون رادع، فإن حاجة أوروبا إلى أردوغان لم يسبق لها مثيل.

 

وقد ظهرت بوادر هذا التحول في ديسمبر الماضي عندما سعى ديفيد كاميرون للحصول على مساعدة تركيا في وقف تدفق الجهاديين البريطانيين والأجانب عبر الحدود للالتحاق بتنظيم داعش في سوريا والعراق. وخلال زيارته لأنقرة، قال كاميرون إن البلدين يعملان “يدًا بيد” لهزيمة داعش. وبعد مرور سنة تقريبًا، يظل هذا الادعاء موضعًا للتساؤل.

 

سعى كاميرون إلى طلب المساعدة من تركيا قبل أن تطغى أزمة المهاجرين في البحر المتوسط ​​على المخاوف المشتركة الأخرى. تستضيف تركيا أكثر من 1.8 مليون لاجئ سوري على أراضيها. وقد حاول كثير منهم، مدفوعون باليأس بعد أن ظلوا لأربع سنوات في طي النسيان، الارتحال إلى أوروبا في فصل الصيف عبر اليونان والبلقان.

 

وبعد أن فشلوا في الاتفاق على سياسة شاملة متماسكة للتعامل مع تدفق اللاجئين، ناشد زعماء الاتحاد الأوروبي المنقسمون تركيا تقديم المساعدة الشهر الماضي. وقد عرضوا في المقابل تقديم 1.8 مليار يورو في صورة مساعدات لتحسين الأوضاع في مخيمات اللاجئين في تركيا ولبنان والأردن. هذا العرض ليس له تأثير يذكر حتى الآن، وفشل في جذب اهتمام الحكومة في أنقرة.

 

“لا يمكن لتركيا أن تكون الحل لعدم قدرة الاتحاد الأوروبي على العمل بشكل جماعي لمعالجة ضخامة هذه المأساة الإنسانية ووضع سياسات لتقاسم العبء فيما بينها” صرح سنان اولجن، وهو دبلوماسي تركي سابق.

 

“لم ينتبه أحد عندما انفجرت حرب دامية في سوريا، لكنهم بدأوا بوصفها بالمشكلة الخطيرة عندما جاء السوريون إلى أبواب أوروبا. وهذه ليست مشكلة تركيا، بل مشكلة أوروبا”. قال كمال قليتش دار أوغلو، زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض.

وتعتمد قدرة أردوغان على المساعدة في حل مشكلة الهجرة على ما إذا كانت أوروبا مستعدة لمنحه شيئًا في المقابل. أردوغان هو من أشد المنتقدين للرئيس السوري بشار الأسد. وتتشارك أنقرة مع الغرب القلق من حملة القصف الروسي في سوريا، التي تستهدف جماعات مناهضة للأسد ومدعومة من تركيا فضلاً عن داعش.

 

قال أردوغان، الذي كان يتحدث في مطلع الأسبوع، إنه لا يفهم لماذا يتدخل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سوريا، وهو الذي كان يتودد إلى الولايات المتحدة.

 

“روسيا ليس لديها حدود مع سوريا، ولكن نحن لدينا حدود طويلة تبلغ 911 كم. وأنا قلق مما يحدث الآن.” صرح أردوغان للجزيرة

 

اقترح أردوغان مرارًا خلق مناطق آمنة محمية بمناطق حظر جوي في شمال سوريا، وذلك في جزء منه لوقف تدفق اللاجئين. وقد رفضت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا الفكرة حتى الآن. ولكن مع قيام الطائرات الروسية بقصف عشوائي وإفادة التقارير بمقتل مدنيين في عطلة نهاية الأسبوع، تفيد التقارير بأن اتفاقية وقف إطلاق النار في شمال سوريا تنهار.

 

قد تكون النتيجة مزيدًا من نزوح المدنيين، الذين سيتدفقون إلى تركيا، وتفاقم الأزمة. من وجهة نظر أردوغان، هذا يجعل من اقتراح منطقة الحظر الجوي أكثر إلحاحًا.

 

جاء الدعم للفكرة الأسبوع الماضي من جون كاسيتش، المرشح الجمهوري في سباق الرئاسة الأميركي، الذي اقترح أيضًا إرسال قوات برية أمريكية إلى سوريا لدحر الموالين للأسد والقوات الروسية وكذلك داعش.

 

قائمة طلبات أردوغان في بروكسل لن تتوقف عند هذا الحد. فهو يريد توقف الانتقادات من جانب الاتحاد الأوروبي للتطورات السياسية الداخلية في تركيا، بما في ذلك حملة القمع المتزايدة على حرية الصحافة والصحافة المستقلة. فقد اتهم عدد متزايد من الصحفيين بإهانة الرئيس، وهي جريمة تصل عقوبتها إلى السجن لمدة خمس سنوات.

 

وسيسعى أيضًا بحكم الأمر الواقع إلى إخضاع أوروبا في محاولته الفجة لإحياء صراع مفتوح، سياسيًا وعسكريًا، مع الأقلية الكردية في تركيا قبل الانتخابات المقررة في الأول من نوفمبر المقبل.

 

تشكل الانتخابات محاولة ثانية من أردوغان هذا العام للفوز بأغلبية برلمانية، على طريقة بوتين. وهو يأمل بوضوح بأن يجبر الناخبين على دعمه للاستيلاء على السلطة.

 

وفي دليل على كيفية تحول كفة الميزان، فإن القضية الوحيدة التي قد لا ينفق أردوغان الكثير من الوقت في السعي خلفها هي عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي. في وقت ما، كانت هذه تعتبر مسألة ذات أهمية كبرى وملحة. وكانت أنقرة غاضبة من العقبات الفرنسية والألمانية التي كانت تعترض طريق انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي.

 

وبممارسة دور القومي والإسلامي المتحضر، سخر أردوغان من الاتحاد الأوروبي، مدعيًا أن اقتصاد تركيا يزداد قوة ولا تحتاج إلى الانضمام إلى “ناد مسيحي لكراهية الإسلام”. وبالنظر إلى ما يعصف بالاتحاد الأوروبي من أزمات كأزمة العملة والإذلال من قبل روسيا في أوكرانيا وسوريا، والانقسام المرير حول سياسة الهجرة، فلعله بات الآن أقل اهتمامًا بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

 

بدلاً من ذلك، تمثل زيارة بروكسل من قبل الرئيس التركي مناسبة لإظهار بعض الحقائق القاسية عن تراجع قوة ونفوذ أوروبا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد