نشرت مجلة «فورين بوليسي» مقالًا للصحافي المستقل عمران فيروز استهله بالإشارة إلى أن جائحة فيروس كورونا أثبتت أنها نعمة ونقمة في آن واحد على اللاجئين في أوروبا؛ إذ أدت إلى تعليق عمليات الترحيل، لكنها أدت كذلك إلى تعليق تقديم الرعاية الصحية.

جائحة كورونا نعمة ونقمة في آن واحد 

يقول الكاتب: عندما يرى عصمت محمدي ما فعلته أزمة فيروس كورونا المُستجد في مدينة شتوتجارت التي يقطنها – حيث تقتصر الأماكن المزدحمة على محلات السوبر ماركت ويراقب حراس الأمن العملاء – لا يملك إلا أن يبتسم. قال اللاجئ البالغ من العمر 22 سنة من أفغانستان: «إنني أتساءل ماذا يفعلون في أزمة حقيقية أو في أوقات الحرب؟».

دولي

منذ 6 شهور
كيف يصطاد «اليمين الأوروبي» وعي الجماهير في أزمة كورونا؟

يضيف الكاتب: بالنسبة للعديد من اللاجئين مثل محمدي، تُعد جائحة كورونا نعمة ونقمة في آن واحد. وينتمي الأفغان إلى إحدى أكبر مجموعات اللاجئين في العالم، وحتى وقت قريب، كان ترحيلهم من ألمانيا يحدث على نحو منتظم. لكن في الوقت الحالي، أُوقفت عمليات الترحيل مؤقتًا؛ ليس بداعي أي شعور بالإنسانية، ولكن يرجع ذلك جزئيًّا إلى توقف السفر الجوي، وتوسل السلطات الأفغانية إلى برلين لوقف عملية الترحيل، نظرًا إلى أن أفغانستان تواجه أزمة فيروس كورونا الخاصة بها.

جاء محمدي إلى ألمانيا قبل أربع سنوات، وترك وطنه لأسباب واضحة: الحرب والدمار الذي ابتليت به أفغانستان لأكثر من أربعة عقود. وفي الوقت الحالي، وصل فيروس كورونا المُستجد إلى أجزاء كبيرة من البلاد.

وحتى 20 أبريل (نيسان)، أعلنت أفغانستان إصابة 1026 شخصًا بفيروس كورونا المُستجد، ووفاة 36 حالة، لكن المراقبين والأطباء العاملين على أرض الواقع يعتقدون أن العدد الحقيقي المصاب بالعدوى يمكن أن يكون أعلى بكثير.

ووفقًا للتقارير الواردة، فإن 40 موظفًا على الأقل في القصر الرئاسي بأفغانستان، أثبتت الاختبارات إصابتهم بفيروس كورونا المُستجد، ويعزل الرئيس أشرف غني نفسه الآن، ويدير إجراءات البلاد ضد الفيروس عبر تقنية الفيديو بشكل كبير، وسط حرب مستعرة.

Embed from Getty Images

نقص الرعاية الصحية و«لوائح دبلن» أخطر من كورونا

يضيف المقال: في الوقت نفسه، وحتى مع نجاتهم من الترحيل في الوقت الحالي، يشعر العديد من اللاجئين الأفغان بالضعف أكثر من أي وقت مضى، إذ حُرموا من الحصول على الرعاية الصحية تمامًا، بعد أن أوشكت أنظمة الرعاية الصحية في ألمانيا وبلدان أوروبية رئيسية أخرى على الوصول إلى نقطة الانهيار.

ووفقًا لما ذكرته «منظمة أطباء بلا حدود»، فإن اللاجئين في جميع أنحاء أوروبا خصوصًا معرضون للإصابة بفيروس كورونا المستجد. وقالت أورلي بونتيو، أخصائية الشؤون الإنسانية في منظمة أطباء بلا حدود: «إن اللاجئين غالبًا ما يعيشون في مساكن جماعية ومزدحمة. وفي بعض الأحيان، يكون الوصول إلى المياه مشكلة بالنسبة لهم، ويواجهون عقبات في الحصول على الخدمات.

ينطبق هذا الوضع خاصة على الأشخاص الذين لا يحملون وثائق، أو اللاجئين المعرضين لخطر العودة إلى بلدانهم إذا لم تنطبق عليهم شروط «لوائح دبلن»، التي تقرر مدى أحقية اللاجئ في الحصول على حق اللجوء من عدمه في أوروبا. وإذا كان اللاجئون يخشون من القبض عليهم عند الذهاب إلى الأطباء، فإنهم لن يذكروا الأعراض التي يمكن ربطها بفيروس كورونا المُستجد».

ما يحدث ضد اللاجئين «عار» على جبين أوروبا

في معسكر موريا في جزيرة ليسبوس اليونانية، يوجد أكثر من 19 ألف شخص عالقين بين الفوضى واليأس. ومعظم اللاجئين من أفغانستان، وسوريا، وإريتريا، ودول أفريقية وآسيوية أخرى. أما الأوضاع في مخيم الجزيرة، الذي شُيد في البداية لاستيعاب ثلاثة آلاف شخص، فلم تكن أبدًا بمثل هذا السوء.

وفي محادثة هاتفية مع مجلة فورين بوليسي، قال إريك ماركواردت، سياسي من حزب الخضر، وعضو في البرلمان الأوروبي، بعد أن زار جزيرة ليسبوس عدة مرات: «ما يحدث هنا عار على أوروبا، وهذا يشمل ألمانيا أيضًا. يمكننا فعل المزيد لمساعدة هؤلاء الناس، لكن حكومتنا لا تهتم».

ويعتقد مسؤولو منظمة أطباء بلا حدود أن الوضع في اليونان مزرٍ. وقالت بونتيو: «لقد طالبنا بإنهاء سياسة الاحتواء القائمة في الجزر اليونانية منذ أربع سنوات حتى الآن».

وأضافت: «لقد كانت هذه السياسة دائمًا كارثية على صحة الناس وكرامتهم. والآن، في ظل التهديد الخطير بانتشار فيروس كورونا المُستجد في هذه المخيمات، أصبح هذا الأمر أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. ولن تستفيد أي دولة في الاتحاد الأوروبي من إصابة مجموعة كبيرة من اللاجئين بفيروس كورونا المُستجد على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي».

Embed from Getty Images

الأفغاني عبد الحكيم: «اللاجئون ليسوا مهمين في الوقت الحالي»

يذكر الكاتب إحدى القصص قائلًا: الوضع الحالي لعبد الحكيم البالغ من العمر 22 عامًا هو مثال آخر ملائم للاجئين الذين وجدوا حياتهم معلقة. لا يعرف عبد الحكيم ماذا سيحدث له إذا مرض. فهو يقيم حاليًا في شتوتجارت، ولكن في الواقع هو لاجئ مسجل في إيطاليا، حيث قُبل طلب لجوئه منذ بضع سنوات مضت، واعتاد عبد الحكيم على العيش في مدينة كالابريا، الواقعة على بعد 370 ميلًا من العاصمة روما. وهذه المنطقة الجنوبية من البلاد معروفة بالفقر والفساد، وتحكمها المافيا أساسًا.

وفي هذا الصدد، قال عبد الحكيم: «لم أجد وظيفة في تلك البلدة. كان الوضع فظيعًا، ولم تكن هناك بنية تحتية حقيقية، ولا يهتم أحد باللاجئين». لكن عبد الحكيم سيظل مضطرًّا للعودة، ومنذ تفشي فيروس كورونا المُستجد في إيطاليا، لم يتمكن من ذلك. وقيل له إن تأمينه الصحي الإيطالي يغطي «حالات الطوارئ فقط». وفي خضم جائحة عالمية دمرت إيطاليا، لا يعرف ماذا يعني هذا بالفعل.

قال عبد الحكيم: «تكشف الأزمة الحالية أننا (اللاجئون) لسنا مهمين في الوقت الحالي». ويضيف: «إن الناس في المجتمعات الغربية قلقون الآن على أنفسهم، ولا يهتمون بالآخرين، وخصوصًا اللاجئين». ويقول إنه سمع عن لاجئين زاروا الأطباء أو الصيادلة مؤخرًا، وكانوا غالبًا ما يعودون أدراجهم بعد أن تلقوا تشخيصات فاترة وأدوية رخيصة.

النمسا تنتهك حقوق الإنسان الأساسية ودستور الدولة

يتابع كاتب المقال: في بعض الحالات، يصبح التصرف البسيط الخاص بزيارة الطبيب أمرًا لا يمكن التفكير فيه. عندما وصل فيروس كورونا المُستجد إلى دولة النمسا المجاورة، واجه رضا علي، البالغ من العمر 30 عامًا (والذي غُيّر اسمه بناء على طلبه لحمايته من الانتقام المحتمل) مشكلات أخرى.

بعد وصوله للنمسا قبل حوالي 10 سنوات من  الآن، بدأ في بناء حياته الجديدة في مدينة إنسبروك، لكنه تلقى إشعارًا بالترحيل في أوائل شهر مارس (آذار)، ومن ثم اضطر إلى ترك وظيفته كمدير مطعم، واختفى.

وفي محادثة هاتفية من مكان غير معروف، قال علي لمجلة فورين بوليسي: «لا أعلم ماذا حدث. فأنا أعيش هنا منذ سنوات عديدة، ولدي تأشيرة دخول. لكني أعتقد أن المحامي الخاص بي ارتكب خطأ فادحًا. ومن ثم عليَّ الآن أن أبقى بعيدًا عن الأنظار حتى تُحل مشاكلي».

لم يفكر علي في عواقب الإصابة بالمرض والعدوى في نهاية المطاف، ولكن في الوقت الحالي، يخفي نفسه عن السلطات النمساوية التي تريد إجباره على العودة إلى أفغانستان، ولا يجرؤ على زيارة المستشفى.

في الواقع، أوقفت النمسا حق اللجوء فعليًّا عند حدودها. ووفقًا للحكومة في فيينا، لا يُسمح للاجئين بدخول البلاد حتى يثبتوا أنهم غير مصابين بفيروس كورونا المُستجد. ويقول المنتقدون لذلك الشرط، إن إثبات مثل هذا الدليل مستحيل. بالإضافة إلى ذلك، يعتقد المنتقدون أن خطوة الحكومة تنتهك حقوق الإنسان الأساسية ودستور الدولة.

Embed from Getty Images

أجندات الهجرة أهم من صحة الناس وحياتهم

بحسب أورلي بونتيو، من منظمة أطباء بلا حدود، يجب أن يكون هناك تعليق لبرامج مراقبة الهجرة، وينبغي للدول أن تتخذ جميع التدابير اللازمة لإشراك المهاجرين واللاجئين في برامجها المنسقة لمواجهة تفشي المرض.

وفي محادثة عبر البريد الإلكتروني مع مجلة فورين بوليسي، أكدت أورلي أن «أجندات الهجرة ما تزال تُمنَح الأولوية على صحة الناس وحياتهم».

في أوائل عام 2018، عاش أكثر من 250 ألف مهاجر أفغاني في ألمانيا، ولجأ عشرات الآلاف منهم إلى البلاد خلال السنوات العديدة الماضية، بينما وصل آخرون في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.

قانون دولي

منذ 11 شهر
«فورين أفيرز»: بسبب أوروبا وأمريكا.. هل ينتهي حق اللجوء قريبًا؟

وصل محمدي إلى ألمانيا بعد وقت قصير من بدء ما يسمى بأزمة اللاجئين في أوروبا، في صيف عام 2015، عندما توجه مئات الآلاف من الناس من سوريا، وأفغانستان، والعراق، والدول الأفريقية إلى دول مثل ألمانيا، والنمسا، وفرنسا، والسويد، والنرويج.

في ذلك الوقت، اجتاز محمدي طريق البلقان وقضى بعض الوقت في بلغاريا، وصربيا، والمجر، حيث عاش في مخيمات مكتظة وقذرة. وفي هذا الشأن، قال محمدي: «لقد كانت حياة صعبة ورهيبة. والناس الذين يعيشون هناك محكوم عليهم حقًّا بالفشل».

ويشير المقال إلى أنه في الوقت الحالي، سُجلت أكثر من 146 ألف إصابة بفيروس كورونا المُستجد في جميع أنحاء ألمانيا، ولقي أكثر من 4600 شخص حتفهم بسبب الفيروس حتى الآن، وما تزال السلطات الألمانية قلقة بشأن احتمال انهيار نظام الرعاية الصحية في البلاد.

تمثيلية سياسية ساخرة 

ينبه الكاتب إلى أن معظم دول الاتحاد الأوروبي تتصرف على نحو متردد فيما يتعلق بمساعدة اللاجئين. فبعد أسابيع من النقاش، وافقت ألمانيا على المشاركة في مشروع لإعادة توطين ما يصل إلى 1600 قاصر من غير المصحوبين بذويهم من المخيمات اليونانية.

ووصل أول 47 قاصرًا يوم السبت الماضي. وفي حين وافقت السلطات الألمانية على أخذ حوالي 500 منهم، تعهدت دول أخرى مثل لوكسمبورج بقبول 12 فقط.

لكن ماركواردت، عضو البرلمان الأوروبي، يعتقد أن هذه تمثيلية سياسية ساخرة. ففي حين وافقت ألمانيا على استقبال بعض اللاجئين، شددت البلاد أيضًا على أنها ستركز فقط على الإناث القُصَّر غير المصحوبات بذويهن. وبحسب ماركواردت، يكشف هذا الطلب الغريب أن معظم الخطاب المتعلق باللاجئين يهيمن عليه آراء وقصص يمينية متطرفة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد